كانت القاعة فارغة.
مقاعد كثيرة مصطفة في صمت.
ميكروفونات لا يتحدث أمامها أحد.
أوراق لم تُكتب بعد.
وقوانين تنتظر من يكتبها.
وقفت، في خيالي، عند باب المجلس التشريعي الفلسطيني، ونظرت إلى المقاعد.
لم أسأل كم عددها.
مئة واثنان وثلاثون؟
مئتان؟
لم يعد الرقم هو ما يشغلني.
كان هناك سؤال آخر:
من سيجلس هنا؟
بدأ السؤال عندي من مقال قرأته عن ضرورة أن يضم المجلس التشريعي المقبل أصحاب الكفاءة والخبرة، وأن يكون للأكاديميين وأصحاب التجربة المؤسسية حضور حقيقي فيه.
فكرة منطقية.
بل ضرورية.
لكن شيئًا في داخلي ظل غير مكتمل.
كأن الصورة أمامي كانت صحيحة، لكنها ضيقة.
رأيت أستاذ الجامعة يجلس على أحد المقاعد.
ثم رأيت القانوني.
والاقتصادي.
والطبيب.
والمهندس.
وجوه محترمة.
سير ذاتية طويلة.
شهادات معلقة على الجدران.
لكن الكاميرا لم تتوقف.
خرجت من القاعة.
نزلت إلى الشارع.
وهناك بدأت أرى فلسطين أخرى.
رأيت عاملًا يعود في المساء وثيابه تحمل غبار يوم كامل.
وسألت:
من يعرف قانون العمل أكثر؟
من قرأه؟
أم من عاش الحاجة إليه؟
رأيت فلاحًا يقف أمام زيتونة، وخلفها أرض يعرف حدودها حجرًا حجرًا.
من يعرف قانون الأرض؟
من كتب دراسة عنها؟
أم من استيقظ صباحًا فوجد جرافة تنتظر خلف السياج؟
رأيت معلمًا يدخل صفًا مزدحمًا.
وطبيبًا يقف في مستشفى لا يملك كل ما يحتاجه.
وصحفيًا يحمل كاميرته إلى المكان الذي يغادره الآخرون.
وامرأة تبدأ يومها قبل الجميع، وتنهيه بعد الجميع، ثم تسمع من يتحدث باسمها وكأنه يعرف حياتها أكثر منها.
رأيت شابًا يحمل شهادته الجامعية.
نظر إليها.
ثم نظر إلى شاشة هاتفه يبحث عن فرصة عمل خارج البلاد.
ورأيت طالبًا لم يصوت في انتخابات تشريعية طوال حياته، مع أن القوانين التي ستُكتب اليوم ستقرر شكل السنوات التي سيعيشها غدًا.
وواصلت الكاميرا طريقها.
مرت بمصنع.
وبجامعة.
وبمخيم.
وبقرية.
وبمسرح.
وبغرفة أخبار.
وبمرسم صغير.
وبنقابة.
وببلدية.
وبحقل.
وعند كل باب كان السؤال نفسه ينتظرني:
لماذا لا تدخل هذه فلسطين كلها إلى المجلس؟
عندها فهمت أن السؤال لم يكن يومًا:
هل نحتاج إلى الأكاديميين؟
بالطبع نحتاج إليهم.
بل نحتاج إلى أفضل ما لدينا من علم ومعرفة وخبرة.
لكن البرلمان ليس جامعة.
وليس مركز أبحاث.
وليس حكومة خبراء.
وليس مجلس إدارة يجلس حول طاولة ويبحث عن أفضل الأرقام.
البرلمان شيء آخر.
البرلمان هو المكان الذي يجب أن يدخل فيه المجتمع إلى الدولة.
وهذا الفرق ليس صغيرًا.
فالخبير يستطيع أن يقدم دراسة.
والمستشار يستطيع أن يكتب رأيًا.
والجامعة تستطيع أن تقدم بحثًا.
لكن النائب يحمل شيئًا آخر.
يحمل صوتًا أعطاه له الناس.
ولهذا بنت البرلمانات الحديثة حول نوابها مؤسسات للمعرفة.
لجانًا متخصصة.
باحثين.
خبراء.
جلسات استماع.
تستدعي الاقتصادي عندما تناقش الاقتصاد.
والقانوني عندما تكتب قانونًا.
والطبيب عندما تناقش الصحة.
والنقابي عندما تمس القوانين حياة العمال.
والمزارع عندما يكون الحديث عن الأرض والزراعة والمياه.
لا تطلب من النائب أن يعرف كل شيء.
بل تطلب من البرلمان أن يعرف كيف يصل إلى من يعرف.
وهنا تصبح الكفاءة كلمة أوسع مما اعتدنا عليه.
فالكفاءة ليست شهادة معلقة على جدار.
قد يحمل إنسان أعلى الشهادات، ولا يعرف كيف يصغي إلى الناس.
وقد لا يحمل آخر إلا تجربة عمر كامل، لكنه يعرف مشكلة مجتمعه قبل أن يفتح الخبير ملفها.
الكفاءة معرفة.
لكنها أيضًا تجربة.
وإنجاز.
وموقف.
وقدرة على الاستماع.
وقدرة على اتخاذ القرار.
وقدرة، قبل كل شيء، على حمل مصالح الآخرين لا مصالح النفس.
لهذا لا أبحث عن مهنة المرشح.
أبحث عن أثره.
ماذا فعل؟
ماذا بنى؟
ماذا غيّر؟
أين كان عندما احتاج إليه الناس؟
ماذا قال عندما كان الصمت أسهل؟
وماذا فعل عندما كان الفعل مكلفًا؟
فالطبيب لا يصبح ممثلًا جيدًا لأنه طبيب.
والأكاديمي لا يصبح مشرعًا لأنه أكاديمي.
والصحفي لا يصبح نائبًا لأنه معروف.
والفنان لا يستحق المقعد لأنه مشهور.
ورجل الأعمال لا يصبح سياسيًا لأنه نجح في جمع المال.
والعامل لا يمثل العمال لمجرد أنه عامل.
والفلاح لا يمثل الفلاحين لمجرد أنه يملك أرضًا.
والمرأة لا تمثل النساء لمجرد أنها امرأة.
والشاب لا يمثل جيله لأن عمره أقل من ثلاثين عامًا.
حتى الأسير...
وهنا ينبغي أن نقول ما قد يبدو للبعض صعبًا.
للأسير الفلسطيني مكانة وطنية لا يستطيع أحد انتزاعها منه.
والحركة الأسيرة واحدة من أكثر تجارب شعبنا قسوة وعمقًا وثراءً.
لكن الأسر، بكل قدسيته الوطنية، ليس شهادة جاهزة لعضوية البرلمان.
ليس كل أسير ممثلًا للحركة الأسيرة.
وليس كل أسير محرر قادرًا، لمجرد سنوات السجن، على التشريع والرقابة وتمثيل المجتمع.
هناك من حمل من الأسر معرفة وتجربة ووعيًا وقدرة على القيادة، وأصبح صوته صوتًا يتجاوز حكايته الشخصية إلى قضية رفاقه ومجتمعه.
وهناك من تبقى تجربته النضالية موضع احترام، من دون أن تعني بالضرورة أنه الأصلح للمقعد النيابي.
لأننا إذا لم نقل ذلك، سننتقل من خطأ إلى خطأ.
من كوتة الفصيل إلى كوتة المهنة.
ومن كوتة الأكاديمي إلى كوتة الأسير.
ومن محاصصة سياسية إلى محاصصة اجتماعية.
وسنعود في النهاية إلى القاعة نفسها...
لكن بوجوه مختلفة.
المشكلة ليست أن نضع عاملًا هنا وفلاحًا هناك وفنانًا في الزاوية وأستاذ جامعة في المقدمة، ثم نلتقط صورة ونقول:
هذا هو المجتمع.
المجتمع ليس صورة جماعية.
المجتمع علاقة ثقة.
وهنا أصل إلى السؤال الأصعب:
من أين يأتي المرشح؟
في حياتنا السياسية كثيرًا ما يولد المرشح متأخرًا.
قبل الانتخابات بقليل.
خلف باب مغلق.
تجتمع مجموعة من الأشخاص حول طاولة.
توضع الأسماء.
هذا للمحافظة.
وهذا للفصيل.
وهذا للعائلة.
نحتاج امرأة.
نحتاج شابًا.
نحتاج أكاديميًا.
نحتاج أسيرًا محررًا.
نحتاج رجل أعمال.
نحتاج اسمًا اجتماعيًا ثقيلًا.
تتحرك الأسماء على الورقة كقطع الشطرنج.
واحد إلى الأعلى.
آخر إلى الأسفل.
هذا يغضب.
ذاك يُرضى.
وهذا يوضع لأنه يجلب أصواتًا.
ثم تكتمل القائمة.
يفتح الباب.
تخرج الورقة إلى الناس.
وتبدأ الصور تملأ الشوارع.
وفجأة يصبح هؤلاء:
مرشحي الشعب.
لكنني أتوقف هنا.
وأعيد المشهد إلى الخلف.
من اختارهم قبل أن يختارهم الشعب؟
هذه هي اللقطة التي لا ينبغي أن تمر سريعًا.
لأن الديمقراطية لا تبدأ يوم وضع الورقة في الصندوق.
الديمقراطية تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ من السؤال:
من أعطى المجتمع حق الوصول إلى الورقة أصلًا؟
أنا أريد المرشح أن يولد قبل الانتخابات بسنوات.
أريده أن يولد في بلدية نجح في إدارتها.
في نقابة دافع فيها عن منتسبيها.
في جامعة صنع فيها معرفة لا شهادة فقط.
في مؤسسة بناها ولم يحولها إلى ملكية شخصية.
في مصنع خلق فيه فرص عمل.
في حقل بقي فيه مع الناس عندما كانت الأرض مهددة.
في مخيم عرف أهله اسمه قبل أن يعرفه التلفزيون.
في صحيفة كشف فيها ما كان مطلوبًا منه أن يخفيه.
في كتاب هز فكرة ساكنة.
في فيلم جعل العالم يرى فلسطين من زاوية لم يرها من قبل.
في حركة نسوية غيّرت حياة النساء، لا في شعار انتخابي عن المرأة.
في مقاومة شعبية عرف فيها الشارع وجهه قبل أن تطبع المطابع صورته.
وفي تجربة أسر خرج منها وهو يحمل هم رفاقه، لا مجرد حكاية بطولية عن نفسه.
هناك يولد المرشح.
أما الانتخابات فلا ينبغي أن تلد المرشحين.
الانتخابات تختار بينهم.
والفرق بين الجملتين هو الفرق بين مجتمع يصنع قيادته، وقيادة تصنع للمجتمع ممثليه.
ولهذا فإن كل ما يدور اليوم حول شكل الانتخابات الفلسطينية، وعدد المقاعد، والقوائم، والتحالفات، ونسب الحسم، والمقاعد التي تأتي بالانتخاب وتلك التي يمكن أن تأتي بالتوافق، ليس مجرد تفاصيل فنية.
خلف الأرقام سؤال سياسي كبير.
من يملك حق تشكيل الصورة النهائية؟
هل نترك للمجتمع أن يرسمها؟
أم نرسم حدودها أولًا، ثم نطلب منه أن يلون داخلها؟
لا أحتاج هنا إلى اتهام أحد.
ولا أحتاج إلى معرفة النيات.
تكفيني قاعدة واحدة:
كلما ضاقت مساحة اختيار المجتمع، اتسعت مساحة اختيار الآخرين نيابة عنه.
وهذا ما ينبغي أن يقلقنا.
لأننا لا نحتاج إلى انتخابات تعيد ترتيب المقاعد فقط.
نحتاج إلى انتخابات تعيد للمجتمع إحساسه بأنه صاحب هذه المقاعد.
وبأن النائب الذي يجلس هناك لم تمنحه القيادة للشعب.
الشعب هو الذي منحه للقيادة السياسية للدولة.
عدت في خيالي إلى قاعة المجلس.
لكنها لم تعد فارغة.
بدأ الناس يدخلون.
ليسوا نسخًا عن بعضهم.
ولا يرتدون الزي نفسه.
ولا يحملون الشهادة نفسها.
ولا ينتمون إلى الطبقة نفسها.
دخل أستاذ الجامعة.
وجلس.
إلى جانبه عامل.
وفي الصف الآخر فلاح.
وامرأة جاءت من تجربة حقيقية في مجتمعها، لا من خانة فارغة في القائمة.
وشاب لم يوضع هناك لتجميل متوسط الأعمار.
وصحفي يعرف قيمة السؤال.
وكاتب يعرف أن الكلمات أحيانًا ترى ما لا تراه التقارير.
وفنان يحمل ذاكرة شعب.
ونقابي يعرف معنى التفاوض.
ورجل أعمال يعرف أن الاقتصاد ليس ثروة شخصية، بل إنتاج وعمل وكرامة.
وأسير محرر لم يأتِ لأن صورته جميلة على الملصق، بل لأن رفاقه ومجتمعه يعرفون ماذا يمثل.
وسياسي...
نعم، سياسي.
لأننا في اندفاعنا نحو البحث عن الخبراء نكاد ننسى أحيانًا أن البرلمان مؤسسة سياسية.
ونحن نحتاج إلى سياسيين.
لكننا نحتاج إلى السياسي الذي يعرف أن السياسة ليست مهنة للبقاء في الموقع.
بل مسؤولية لاتخاذ القرار عندما يكون القرار صعبًا.
تراجعت الكاميرا قليلًا.
اتسعت الصورة.
لم أعد أرى أفرادًا.
رأيت مجتمعًا.
وهنا فقط فهمت ما أريد من المجلس التشريعي المقبل.
لا أريد أذكى الفلسطينيين.
ولا أغناهم.
ولا أكثرهم شهادات.
ولا أشهرهم.
ولا أصحاب أطول السير الذاتية.
ولا أقربهم إلى مراكز القرار.
ولا أريد توزيع المقاعد على فئات المجتمع كما نوزع الكراسي في قاعة احتفال.
أريد شيئًا أبسط...
وأصعب.
أريد أن تدخل فلسطين إلى القاعة.
أن ينظر العامل إلى المجلس فيرى من يعرف حياته.
وينظر الفلاح فيرى أرضه.
وتنظر المرأة فترى تجربتها، لا صورتها.
وينظر الشاب فيرى مستقبله.
وينظر المثقف فيرى حرية السؤال.
وينظر الأسير فيرى قضيته.
وينظر رجل الأعمال المنتج فيرى اقتصادًا يجب أن يبنى.
وينظر المواطن العادي، ذلك الذي لا يحمل لقبًا ولا منصبًا ولا شهرة، فيشعر أن هناك من يجلس في تلك القاعة لأنه أعطاه صوته.
ثم...
بعد أربع سنوات...
يستطيع أن يسحب منه ذلك الصوت.
هنا فقط تكتمل الديمقراطية.
ليس عندما يدخل النائب إلى المجلس.
بل عندما يعرف، وهو يدخل، أن المقعد ليس ملكه.
وأن الحزب لم يهبه له.
وأن القيادة لم تمنحه إياه.
وأن المال لم يشتره.
وأن التاريخ النضالي لا يورثه.
وأن الشهادة لا تحجزه.
ذلك المقعد...
كرسي صغير في قاعة كبيرة.
لكنه في الحقيقة ملك لمواطن يقف خارج المبنى.
وهذا المواطن هو الذي يسمح للنائب أن يجلس عليه لبعض الوقت.
لذلك، عندما نسأل اليوم:
من يستحق أن يدخل المجلس التشريعي؟
ربما يكون السؤال نفسه ناقصًا.
السؤال الأصح:
من يستطيع أن يحمل المجتمع معه عندما يدخل؟
لأن فلسطين لا تحتاج إلى مجلس يجلس فوقها.
ولا إلى مجلس يتحدث باسمها من بعيد.
تحتاج إلى مجلس إذا دخلت الكاميرا قاعته يومًا، وتجولت بين مقاعده، ثم خرجت إلى الشارع...
لا تشعر أنها انتقلت من عالم إلى عالم آخر.
بل ترى الوجوه نفسها.
والأسئلة نفسها.
والأوجاع نفسها.
والأحلام نفسها.
عندها فقط...
لن يكون المجتمع واقفًا خلف باب الدولة.
سيكون قد دخل إليها.
يحيى بركات
10/8/2026
مقاعد كثيرة مصطفة في صمت.
ميكروفونات لا يتحدث أمامها أحد.
أوراق لم تُكتب بعد.
وقوانين تنتظر من يكتبها.
وقفت، في خيالي، عند باب المجلس التشريعي الفلسطيني، ونظرت إلى المقاعد.
لم أسأل كم عددها.
مئة واثنان وثلاثون؟
مئتان؟
لم يعد الرقم هو ما يشغلني.
كان هناك سؤال آخر:
من سيجلس هنا؟
بدأ السؤال عندي من مقال قرأته عن ضرورة أن يضم المجلس التشريعي المقبل أصحاب الكفاءة والخبرة، وأن يكون للأكاديميين وأصحاب التجربة المؤسسية حضور حقيقي فيه.
فكرة منطقية.
بل ضرورية.
لكن شيئًا في داخلي ظل غير مكتمل.
كأن الصورة أمامي كانت صحيحة، لكنها ضيقة.
رأيت أستاذ الجامعة يجلس على أحد المقاعد.
ثم رأيت القانوني.
والاقتصادي.
والطبيب.
والمهندس.
وجوه محترمة.
سير ذاتية طويلة.
شهادات معلقة على الجدران.
لكن الكاميرا لم تتوقف.
خرجت من القاعة.
نزلت إلى الشارع.
وهناك بدأت أرى فلسطين أخرى.
رأيت عاملًا يعود في المساء وثيابه تحمل غبار يوم كامل.
وسألت:
من يعرف قانون العمل أكثر؟
من قرأه؟
أم من عاش الحاجة إليه؟
رأيت فلاحًا يقف أمام زيتونة، وخلفها أرض يعرف حدودها حجرًا حجرًا.
من يعرف قانون الأرض؟
من كتب دراسة عنها؟
أم من استيقظ صباحًا فوجد جرافة تنتظر خلف السياج؟
رأيت معلمًا يدخل صفًا مزدحمًا.
وطبيبًا يقف في مستشفى لا يملك كل ما يحتاجه.
وصحفيًا يحمل كاميرته إلى المكان الذي يغادره الآخرون.
وامرأة تبدأ يومها قبل الجميع، وتنهيه بعد الجميع، ثم تسمع من يتحدث باسمها وكأنه يعرف حياتها أكثر منها.
رأيت شابًا يحمل شهادته الجامعية.
نظر إليها.
ثم نظر إلى شاشة هاتفه يبحث عن فرصة عمل خارج البلاد.
ورأيت طالبًا لم يصوت في انتخابات تشريعية طوال حياته، مع أن القوانين التي ستُكتب اليوم ستقرر شكل السنوات التي سيعيشها غدًا.
وواصلت الكاميرا طريقها.
مرت بمصنع.
وبجامعة.
وبمخيم.
وبقرية.
وبمسرح.
وبغرفة أخبار.
وبمرسم صغير.
وبنقابة.
وببلدية.
وبحقل.
وعند كل باب كان السؤال نفسه ينتظرني:
لماذا لا تدخل هذه فلسطين كلها إلى المجلس؟
عندها فهمت أن السؤال لم يكن يومًا:
هل نحتاج إلى الأكاديميين؟
بالطبع نحتاج إليهم.
بل نحتاج إلى أفضل ما لدينا من علم ومعرفة وخبرة.
لكن البرلمان ليس جامعة.
وليس مركز أبحاث.
وليس حكومة خبراء.
وليس مجلس إدارة يجلس حول طاولة ويبحث عن أفضل الأرقام.
البرلمان شيء آخر.
البرلمان هو المكان الذي يجب أن يدخل فيه المجتمع إلى الدولة.
وهذا الفرق ليس صغيرًا.
فالخبير يستطيع أن يقدم دراسة.
والمستشار يستطيع أن يكتب رأيًا.
والجامعة تستطيع أن تقدم بحثًا.
لكن النائب يحمل شيئًا آخر.
يحمل صوتًا أعطاه له الناس.
ولهذا بنت البرلمانات الحديثة حول نوابها مؤسسات للمعرفة.
لجانًا متخصصة.
باحثين.
خبراء.
جلسات استماع.
تستدعي الاقتصادي عندما تناقش الاقتصاد.
والقانوني عندما تكتب قانونًا.
والطبيب عندما تناقش الصحة.
والنقابي عندما تمس القوانين حياة العمال.
والمزارع عندما يكون الحديث عن الأرض والزراعة والمياه.
لا تطلب من النائب أن يعرف كل شيء.
بل تطلب من البرلمان أن يعرف كيف يصل إلى من يعرف.
وهنا تصبح الكفاءة كلمة أوسع مما اعتدنا عليه.
فالكفاءة ليست شهادة معلقة على جدار.
قد يحمل إنسان أعلى الشهادات، ولا يعرف كيف يصغي إلى الناس.
وقد لا يحمل آخر إلا تجربة عمر كامل، لكنه يعرف مشكلة مجتمعه قبل أن يفتح الخبير ملفها.
الكفاءة معرفة.
لكنها أيضًا تجربة.
وإنجاز.
وموقف.
وقدرة على الاستماع.
وقدرة على اتخاذ القرار.
وقدرة، قبل كل شيء، على حمل مصالح الآخرين لا مصالح النفس.
لهذا لا أبحث عن مهنة المرشح.
أبحث عن أثره.
ماذا فعل؟
ماذا بنى؟
ماذا غيّر؟
أين كان عندما احتاج إليه الناس؟
ماذا قال عندما كان الصمت أسهل؟
وماذا فعل عندما كان الفعل مكلفًا؟
فالطبيب لا يصبح ممثلًا جيدًا لأنه طبيب.
والأكاديمي لا يصبح مشرعًا لأنه أكاديمي.
والصحفي لا يصبح نائبًا لأنه معروف.
والفنان لا يستحق المقعد لأنه مشهور.
ورجل الأعمال لا يصبح سياسيًا لأنه نجح في جمع المال.
والعامل لا يمثل العمال لمجرد أنه عامل.
والفلاح لا يمثل الفلاحين لمجرد أنه يملك أرضًا.
والمرأة لا تمثل النساء لمجرد أنها امرأة.
والشاب لا يمثل جيله لأن عمره أقل من ثلاثين عامًا.
حتى الأسير...
وهنا ينبغي أن نقول ما قد يبدو للبعض صعبًا.
للأسير الفلسطيني مكانة وطنية لا يستطيع أحد انتزاعها منه.
والحركة الأسيرة واحدة من أكثر تجارب شعبنا قسوة وعمقًا وثراءً.
لكن الأسر، بكل قدسيته الوطنية، ليس شهادة جاهزة لعضوية البرلمان.
ليس كل أسير ممثلًا للحركة الأسيرة.
وليس كل أسير محرر قادرًا، لمجرد سنوات السجن، على التشريع والرقابة وتمثيل المجتمع.
هناك من حمل من الأسر معرفة وتجربة ووعيًا وقدرة على القيادة، وأصبح صوته صوتًا يتجاوز حكايته الشخصية إلى قضية رفاقه ومجتمعه.
وهناك من تبقى تجربته النضالية موضع احترام، من دون أن تعني بالضرورة أنه الأصلح للمقعد النيابي.
لأننا إذا لم نقل ذلك، سننتقل من خطأ إلى خطأ.
من كوتة الفصيل إلى كوتة المهنة.
ومن كوتة الأكاديمي إلى كوتة الأسير.
ومن محاصصة سياسية إلى محاصصة اجتماعية.
وسنعود في النهاية إلى القاعة نفسها...
لكن بوجوه مختلفة.
المشكلة ليست أن نضع عاملًا هنا وفلاحًا هناك وفنانًا في الزاوية وأستاذ جامعة في المقدمة، ثم نلتقط صورة ونقول:
هذا هو المجتمع.
المجتمع ليس صورة جماعية.
المجتمع علاقة ثقة.
وهنا أصل إلى السؤال الأصعب:
من أين يأتي المرشح؟
في حياتنا السياسية كثيرًا ما يولد المرشح متأخرًا.
قبل الانتخابات بقليل.
خلف باب مغلق.
تجتمع مجموعة من الأشخاص حول طاولة.
توضع الأسماء.
هذا للمحافظة.
وهذا للفصيل.
وهذا للعائلة.
نحتاج امرأة.
نحتاج شابًا.
نحتاج أكاديميًا.
نحتاج أسيرًا محررًا.
نحتاج رجل أعمال.
نحتاج اسمًا اجتماعيًا ثقيلًا.
تتحرك الأسماء على الورقة كقطع الشطرنج.
واحد إلى الأعلى.
آخر إلى الأسفل.
هذا يغضب.
ذاك يُرضى.
وهذا يوضع لأنه يجلب أصواتًا.
ثم تكتمل القائمة.
يفتح الباب.
تخرج الورقة إلى الناس.
وتبدأ الصور تملأ الشوارع.
وفجأة يصبح هؤلاء:
مرشحي الشعب.
لكنني أتوقف هنا.
وأعيد المشهد إلى الخلف.
من اختارهم قبل أن يختارهم الشعب؟
هذه هي اللقطة التي لا ينبغي أن تمر سريعًا.
لأن الديمقراطية لا تبدأ يوم وضع الورقة في الصندوق.
الديمقراطية تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ من السؤال:
من أعطى المجتمع حق الوصول إلى الورقة أصلًا؟
أنا أريد المرشح أن يولد قبل الانتخابات بسنوات.
أريده أن يولد في بلدية نجح في إدارتها.
في نقابة دافع فيها عن منتسبيها.
في جامعة صنع فيها معرفة لا شهادة فقط.
في مؤسسة بناها ولم يحولها إلى ملكية شخصية.
في مصنع خلق فيه فرص عمل.
في حقل بقي فيه مع الناس عندما كانت الأرض مهددة.
في مخيم عرف أهله اسمه قبل أن يعرفه التلفزيون.
في صحيفة كشف فيها ما كان مطلوبًا منه أن يخفيه.
في كتاب هز فكرة ساكنة.
في فيلم جعل العالم يرى فلسطين من زاوية لم يرها من قبل.
في حركة نسوية غيّرت حياة النساء، لا في شعار انتخابي عن المرأة.
في مقاومة شعبية عرف فيها الشارع وجهه قبل أن تطبع المطابع صورته.
وفي تجربة أسر خرج منها وهو يحمل هم رفاقه، لا مجرد حكاية بطولية عن نفسه.
هناك يولد المرشح.
أما الانتخابات فلا ينبغي أن تلد المرشحين.
الانتخابات تختار بينهم.
والفرق بين الجملتين هو الفرق بين مجتمع يصنع قيادته، وقيادة تصنع للمجتمع ممثليه.
ولهذا فإن كل ما يدور اليوم حول شكل الانتخابات الفلسطينية، وعدد المقاعد، والقوائم، والتحالفات، ونسب الحسم، والمقاعد التي تأتي بالانتخاب وتلك التي يمكن أن تأتي بالتوافق، ليس مجرد تفاصيل فنية.
خلف الأرقام سؤال سياسي كبير.
من يملك حق تشكيل الصورة النهائية؟
هل نترك للمجتمع أن يرسمها؟
أم نرسم حدودها أولًا، ثم نطلب منه أن يلون داخلها؟
لا أحتاج هنا إلى اتهام أحد.
ولا أحتاج إلى معرفة النيات.
تكفيني قاعدة واحدة:
كلما ضاقت مساحة اختيار المجتمع، اتسعت مساحة اختيار الآخرين نيابة عنه.
وهذا ما ينبغي أن يقلقنا.
لأننا لا نحتاج إلى انتخابات تعيد ترتيب المقاعد فقط.
نحتاج إلى انتخابات تعيد للمجتمع إحساسه بأنه صاحب هذه المقاعد.
وبأن النائب الذي يجلس هناك لم تمنحه القيادة للشعب.
الشعب هو الذي منحه للقيادة السياسية للدولة.
عدت في خيالي إلى قاعة المجلس.
لكنها لم تعد فارغة.
بدأ الناس يدخلون.
ليسوا نسخًا عن بعضهم.
ولا يرتدون الزي نفسه.
ولا يحملون الشهادة نفسها.
ولا ينتمون إلى الطبقة نفسها.
دخل أستاذ الجامعة.
وجلس.
إلى جانبه عامل.
وفي الصف الآخر فلاح.
وامرأة جاءت من تجربة حقيقية في مجتمعها، لا من خانة فارغة في القائمة.
وشاب لم يوضع هناك لتجميل متوسط الأعمار.
وصحفي يعرف قيمة السؤال.
وكاتب يعرف أن الكلمات أحيانًا ترى ما لا تراه التقارير.
وفنان يحمل ذاكرة شعب.
ونقابي يعرف معنى التفاوض.
ورجل أعمال يعرف أن الاقتصاد ليس ثروة شخصية، بل إنتاج وعمل وكرامة.
وأسير محرر لم يأتِ لأن صورته جميلة على الملصق، بل لأن رفاقه ومجتمعه يعرفون ماذا يمثل.
وسياسي...
نعم، سياسي.
لأننا في اندفاعنا نحو البحث عن الخبراء نكاد ننسى أحيانًا أن البرلمان مؤسسة سياسية.
ونحن نحتاج إلى سياسيين.
لكننا نحتاج إلى السياسي الذي يعرف أن السياسة ليست مهنة للبقاء في الموقع.
بل مسؤولية لاتخاذ القرار عندما يكون القرار صعبًا.
تراجعت الكاميرا قليلًا.
اتسعت الصورة.
لم أعد أرى أفرادًا.
رأيت مجتمعًا.
وهنا فقط فهمت ما أريد من المجلس التشريعي المقبل.
لا أريد أذكى الفلسطينيين.
ولا أغناهم.
ولا أكثرهم شهادات.
ولا أشهرهم.
ولا أصحاب أطول السير الذاتية.
ولا أقربهم إلى مراكز القرار.
ولا أريد توزيع المقاعد على فئات المجتمع كما نوزع الكراسي في قاعة احتفال.
أريد شيئًا أبسط...
وأصعب.
أريد أن تدخل فلسطين إلى القاعة.
أن ينظر العامل إلى المجلس فيرى من يعرف حياته.
وينظر الفلاح فيرى أرضه.
وتنظر المرأة فترى تجربتها، لا صورتها.
وينظر الشاب فيرى مستقبله.
وينظر المثقف فيرى حرية السؤال.
وينظر الأسير فيرى قضيته.
وينظر رجل الأعمال المنتج فيرى اقتصادًا يجب أن يبنى.
وينظر المواطن العادي، ذلك الذي لا يحمل لقبًا ولا منصبًا ولا شهرة، فيشعر أن هناك من يجلس في تلك القاعة لأنه أعطاه صوته.
ثم...
بعد أربع سنوات...
يستطيع أن يسحب منه ذلك الصوت.
هنا فقط تكتمل الديمقراطية.
ليس عندما يدخل النائب إلى المجلس.
بل عندما يعرف، وهو يدخل، أن المقعد ليس ملكه.
وأن الحزب لم يهبه له.
وأن القيادة لم تمنحه إياه.
وأن المال لم يشتره.
وأن التاريخ النضالي لا يورثه.
وأن الشهادة لا تحجزه.
ذلك المقعد...
كرسي صغير في قاعة كبيرة.
لكنه في الحقيقة ملك لمواطن يقف خارج المبنى.
وهذا المواطن هو الذي يسمح للنائب أن يجلس عليه لبعض الوقت.
لذلك، عندما نسأل اليوم:
من يستحق أن يدخل المجلس التشريعي؟
ربما يكون السؤال نفسه ناقصًا.
السؤال الأصح:
من يستطيع أن يحمل المجتمع معه عندما يدخل؟
لأن فلسطين لا تحتاج إلى مجلس يجلس فوقها.
ولا إلى مجلس يتحدث باسمها من بعيد.
تحتاج إلى مجلس إذا دخلت الكاميرا قاعته يومًا، وتجولت بين مقاعده، ثم خرجت إلى الشارع...
لا تشعر أنها انتقلت من عالم إلى عالم آخر.
بل ترى الوجوه نفسها.
والأسئلة نفسها.
والأوجاع نفسها.
والأحلام نفسها.
عندها فقط...
لن يكون المجتمع واقفًا خلف باب الدولة.
سيكون قد دخل إليها.
يحيى بركات
10/8/2026