علي سيف الرعيني -| حكاية لم تولد !!

نحن لا نختار دائما توقيت الأشخاص الذين يدخلون حياتنا. قد يأتي صديق حقيقي بعد أن تكون قد تعلمت ألا تثق بأحد وقد تأتي امرأة كنت تستطيع معها أن تبدأ حياة مختلفة بعد أن تكون قد أغلقت قلبك وقد تأتي فرصة كنت تنتظرها سنوات طويلة بعد أن تكون الظروف قد دفعتك إلى طريق آخر.
عندها لا يكون السؤال: هل كان هذا الشخص مناسبًا؟
بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا الآن؟
لماذا يأتي بعض الناس بعد أن ننتهي من انتظارهم؟
لماذا تصل بعض الفرص بعدما نكون قد استنفدنا قدرتنا على الحلم؟
ولماذا لا تتزامن أحيانًا الأشياء الجميلة مع اللحظة التي نحتاجها فيها؟
الحياة لا تقدم لنا إجابات واضحة. لكنها تعلمنا، غالبًا بطريقة قاسية، أن التوقيت ليس تفصيلًا هامشيًا في العلاقات والفرص، بل قد يكون هو الفارق بين بداية جميلة وحكاية لم تولد أصلًا.
كم من شخص كان يمكن أن يكون سندًا حقيقيًا، لكنه جاء في مرحلة كنا فيها مشغولين بترميم أنفسنا؟
وكم من شخص أحببناه، لكننا لم نملك يومها النضج الكافي للحفاظ عليه؟
وكم من فرصة ظننا أنها ستبقى إلى الأبد، ثم اكتشفنا أنها كانت مرتبطة بموعد محدد، وأن التأخر عنها يعني ببساطة فقدانها؟
نحن نحب أن نعتقد أن كل شيء قابل للتعويض، لكن الحقيقة ليست كذلك
هناك أشياء إذا فات وقتها، لا تعود بالصورة نفسها.
الطفولة لا تعود، وبعض الأصدقاء لا يعودون، وبعض الآباء والأمهات يرحلون قبل أن نقول لهم ما يكفي من الكلام، وبعض العلاقات تموت لأننا تأخرنا في فهمها، وبعض الاعتذارات تفقد قيمتها عندما تصل بعد أن يبرد القلب.
ولهذا فإن أكبر أخطاء الإنسان أنه يتعامل مع الزمن وكأنه موظف ينتظر خلف مكتبه ليمنحه فرصة أخرى متى شاء.
الزمن لا ينتظر
وما نؤجله اليوم قد يصبح غدًا مجرد ذكرى.
لكن المفارقة الأكثر وجعًا أن بعض اللقاءات المتأخرة لا تأتي لتمنحنا فرصة، وإنما تأتي لتكشف لنا فقط ما فقدناه.
تلتقي شخصًا بعد سنوات، فتكتشف أنه كان يمكن أن يفهمك كما لم يفهمك أحد. تتحدث معه طويلًا، ثم تفترقان، وكل واحد منكما يعرف في داخله أن شيئًا مهمًا كان يمكن أن يحدث، لكنه لن يحدث الآن.
ليس لأن المشاعر كاذبة، ولا لأن الأشخاص سيئون، وإنما لأن الحياة سبقتهم بخطوات كثيرة.
وهنا يصبح النضج الحقيقي أن تعرف متى تتمسك، ومتى تترك، ومتى تدرك أن بعض الأبواب لا ينبغي طرقها مجددًا، حتى لو كان خلفها شيء جميل.
فالإنسان لا يخسر فقط حين يفقد الأشخاص؛ أحيانًا يخسر حين يصر على استعادة شيء انتهى دوره.
قد يكون بعض اللقاءات المتأخرة جميلًا بما يكفي ليُحترم، لكنه ليس صالحًا لأن يتحول إلى بداية.
وهذا لا يجعله لقاءً فاشلًا
ربما كانت مهمته أن يذكّرك بأن قلبك لم يمت، وأنك ما زلت قادرًا على الشعور، وأن العالم لم يكن خاليًا من الأشخاص الذين يشبهون روحك كما كنت تظن
وربما جاء ليغلق سؤالًا قديمًا في داخلك، لا ليفتح بابًا جديدًا
لهذا علينا أن نتوقف عن سؤال الحياة: لماذا تأخرت؟
ونسألها بدلًا من ذلك: ماذا تريد أن تعلمني بهذا التأخير؟
فقد لا يكون التأخر عقوبة، وقد لا يكون صدفة
أحيانًا يكون التأخر هو الطريقة الوحيدة التي نفهم بها قيمة ما كان يمكن أن يحدث.
وفي نهاية الأمر، ليست كل اللقاءات مقدرًا لها أن تستمر، ولا كل المحبة مقدرًا لها أن تتحول إلى علاقة، ولا كل الفرص التي نحلم بها مقدرًا لها أن تصل في الموعد الذي نريده.
لكن علينا أن نتعلم شيئًا بالغ الأهمية:
لا نؤجل الكلام الجميل، ولا الاعتذار، ولا الامتنان، ولا السؤال عن الذين نحبهم
قل ما تريد قوله اليوم.
اقترب ممن يستحق قربك اليوم.
صافح من يستحق المصافحة اليوم.
فالزمن لا يعلن موعد إغلاق الأبواب
وقد يأتي يوم نلتقي فيه بمن تمنيناه طويلًا، فنكتشف أن الموعد انتهى، وأن أجمل ما كان يمكن أن يحدث بيننا أصبح الآن مجرد جملة تبدأ ب:
لو أننا التقينا قبل سنوات
وهذه الجملة وحدها تكفي أحيانًا لتختصر عمرًا كاملًا من الندم!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...