قصيدة «وتد الكلام» للشاعر القدير صلاح اللقاني، ليست محاولة لكتابة جاهلية جديدة، ولا استعراضًا للمعرفة بالتراث، وإنما هي قصيدة تجعل التراث مادة لصناعة صوت معاصر. إنها تراثية وحداثية وفلسفية، لكنها قبل ذلك كله قصيدة عن الشاعر والشعر، وعن الخوف من ضياع العمر وضياع المعنى معًا.
عنوان القصيدة هو مفتاحها الأول؛ فالوتد ما يثبت البناء، ونحن بصدد رحلة بحث عن سر الشعر: أهو الوزن، أم اللغة، أم التراث، أم التجربة، أم ذلك السر الخفي الذي يحول الكلمات إلى حياة؟
تبدأ من فضاء جاهلي:
«على وَتَدِ الكلامِ تبيضُ أنثى الطَّيْرِ،
جاءتنا القبائلُ من مَعَدٍّ»
ثم تستدعي «الدخول وحومل» و«قفا نبك» و«ودع هريرة»، غير أن التراث لا يبقى خارج الذات:
«أحومُ على مرابضهم لعلي ألتقي
عمري الذي
بددته بين الدخول وحومل»
هنا يتحول التراث إلى عمر شخصي، ويصبح البحث عن الشعراء بحثًا عن ذات ضائعة بين الزمن واللغة. ولذلك فالبطل الحقيقي للقصيدة ليس امرؤ القيس ولا أبو نواس ولا أبو العلاء، وإنما الكلام نفسه.
والكلام في القصيدة كائن حي؛ له رائحة وجسد وحركة:
«أشمُّ رائحةً تجيءُ إليَّ من أضغاثِ
ريحان الكلام»
فاللغة لم تعد أداة يستخدمها الشاعر، بل عالمًا يغوص فيه حتى يصبح جزءًا منه. ولهذا تأتي العبارة المركزية:
«أمسكتُ أنفاسي لأرقب كيفَ
ينحلُّ الوجودُ إلى كلام»
كأن الشعر هو اللحظة التي يعاد فيها خلق الوجود داخل اللغة.
ويأتي امرؤ القيس بوصفه أصلًا شعريًا، لا تمثالًا تراثيًا:
«فرأيتُ سلطانَ الكلامِ يديرُ أحرفَهُ
كخزّافٍ، ويلقطُ من فضاءِ اللهِ
أصواتًا»
فالخزاف يشكل مادة موجودة، وكذلك الشاعر يلتقط أصوات العالم ويعيد خلقها. وحين يطوعها على «قيثارة الهلع الوجودي»، يتحول الشاعر الجاهلي إلى نموذج للشاعر في كل زمان.
ولهذا لا يسأله الشاعر عن بيت أو وزن، وإنما عن سر الشعر:
«هلا أفضتَ عليَّ
من شيطانك المخبوءِ ما بين الحروف»
فتأتي الإجابة:
«لأراوغ الكلمات»
وهي من أكثر عبارات القصيدة دلالة؛ فالشعر ليس امتلاك الكلمات، وإنما مراوغتها حتى تكشف ما تخفيه.
وفي مقطع عنيزة يرتفع الغزل إلى أفق وجودي:
«حُبلى
بأسئلة المصير»
ثم يصبح الشعر وسيلة لمقاومة الفناء:
«فرحتُ بمغزلِ الكلماتِ أنسجُ بُردةً
للروح لا تفنى»
أما أبو نواس فيمثل انقلاب المعنى والتمرد على المألوف:
«لكل شيءٍ في الدنى ضدٌّ، وإني الضدُّ
في معزوفة الدنيا»
فالشعر عنده قادر على إعادة ترتيب العالم:
«يستحيل الغول عصفورًا،
وتغدو مدية الأيام ضحكة عاشق»
ثم تدخل القصيدة مع أبي العلاء منطقة الشك والمعرفة والسجن:
«يا صاحب الحَبسين
صرتُ رهين أحْباس اللئام»
لكن حبس المعري يتحول إلى حبس لغوي، فتأتي الصورة الأذكى:
«فبقيتُ منصوبًا بلا نصبٍ، ومجرورًا
بغير أداة جر»
هنا يتحول النحو إلى استعارة للوجود؛ فالمتكلم حالة إعرابية مختلة، عالق في اللغة وعاجز عن الخروج منها.
وتتأكد هذه العلاقة بين الحرف والوجود في:
«صرتُ في طِرسٍ كأني جملةٌ مطموسة»
ثم في النهاية:
«ويائي قد غدت ألفًا»
فالتحول الحرفي يصبح تحولًا في الذات والزمن. وحين يقول:
«من بعد أن ولّت سنين العمر
يائي قد غدت ألفا»
يعود النص من مغامرة اللغة إلى جرحه الحقيقي: العمر الذي مضى.
لهذا لا تأتي الشخصيات التراثية الثلاث اعتباطًا؛ إنها حالات داخلية متعاقبة:
امرؤ القيس: الدهشة والرغبة.
أبو نواس: التمرد.
أبو العلاء: الشك والمعرفة.
والشاعر يتحرك بينها كما يتحرك داخل نفسه. ومن هنا تتجلى النزعة التعبيرية في القصيدة؛ فالتراث لا يُستعاد كما هو، وإنما يعاد تشكيله ليعبر عن اضطراب الذات وأسئلتها.
وتنبني القصيدة على صور تفجر العلاقات بين الأشياء، مثل:
«انفصالاتٍ على قمم البراعم»
«حتى تنشف الأوراق فوق شجيرة المعنى»
فالصورة هنا ليست زينة، بل أداة لإنتاج معنى جديد. وكذلك اللغة الفصيحة لا تستعيد القاموس القديم جاهزًا، بل تعيد تركيبه:
«أمسك الأفعال والأسماء من طرف الهديل»
ومع ذلك، فإن كثافة الإشارات التراثية تفرض على القارئ جهدًا تأويليًا، وقد تجعل الثقافة في بعض المواضع حجابًا بينه وبين التجربة. غير أن ذلك يظل متصلًا بطبيعة المشروع نفسه؛ فالشاعر يغوص في طبقات العربية لكي يبحث عن صوته داخلها.
وفي العمق، لا تتحدث القصيدة عن الشعراء القدامى بقدر ما تتحدث عن الشاعر الذي يأتي بعدهم ويسأل: ماذا بقي لنا من الكلام؟
والإجابة المضمرة هي أن الكلام قد يكون الوسيلة الأخيرة لإنقاذ التجربة من الفناء.
من هنا يصبح «وتد الكلام» أكثر من عنوان: إنه سؤال عن الشيء الذي يستطيع أن يثبت أثر الإنسان حين لا يستطيع أن يثبت الزمن.
لقد دخل الشاعر التراث باحثًا عن سر الشعر، وعاد منه إلى نفسه. ولذلك يصبح التراث في القصيدة مرآة لا ماضيًا، ويصبح الشعر محاولة لمقاومة الفناء، وتصبح النهاية:
«يائي قد غدت ألفا»
اختزالًا بليغًا لرحلة كاملة: تغير الحرف، وتغيرت الذات، ومضى العمر، وبقي الكلام.
وفي النهاية، نحن أمام شاعر يمتلك ثقافة تراثية عميقة، ووعيًا لغويًا وفلسفيًا، وقدرة لافتة على تحويل هذه المعرفة إلى شعر حي، لا إلى استعراض ثقافي. لقد دخل التراث باحثًا عن سر الشعر، فإذا به يعيد خلقه من داخل تجربته، ويجعل امرأ القيس وأبا نواس وأبا العلاء مرايا لأسئلته الخاصة عن اللغة والوجود والعمر.
تحية للشاعر على هذه القصيدة القيمة، وعلى هذه المغامرة الشعرية التي تكشف عن شاعر كبير يعرف كيف يجعل التراث جزءًا من صوته، لا قناعًا له.
عنوان القصيدة هو مفتاحها الأول؛ فالوتد ما يثبت البناء، ونحن بصدد رحلة بحث عن سر الشعر: أهو الوزن، أم اللغة، أم التراث، أم التجربة، أم ذلك السر الخفي الذي يحول الكلمات إلى حياة؟
تبدأ من فضاء جاهلي:
«على وَتَدِ الكلامِ تبيضُ أنثى الطَّيْرِ،
جاءتنا القبائلُ من مَعَدٍّ»
ثم تستدعي «الدخول وحومل» و«قفا نبك» و«ودع هريرة»، غير أن التراث لا يبقى خارج الذات:
«أحومُ على مرابضهم لعلي ألتقي
عمري الذي
بددته بين الدخول وحومل»
هنا يتحول التراث إلى عمر شخصي، ويصبح البحث عن الشعراء بحثًا عن ذات ضائعة بين الزمن واللغة. ولذلك فالبطل الحقيقي للقصيدة ليس امرؤ القيس ولا أبو نواس ولا أبو العلاء، وإنما الكلام نفسه.
والكلام في القصيدة كائن حي؛ له رائحة وجسد وحركة:
«أشمُّ رائحةً تجيءُ إليَّ من أضغاثِ
ريحان الكلام»
فاللغة لم تعد أداة يستخدمها الشاعر، بل عالمًا يغوص فيه حتى يصبح جزءًا منه. ولهذا تأتي العبارة المركزية:
«أمسكتُ أنفاسي لأرقب كيفَ
ينحلُّ الوجودُ إلى كلام»
كأن الشعر هو اللحظة التي يعاد فيها خلق الوجود داخل اللغة.
ويأتي امرؤ القيس بوصفه أصلًا شعريًا، لا تمثالًا تراثيًا:
«فرأيتُ سلطانَ الكلامِ يديرُ أحرفَهُ
كخزّافٍ، ويلقطُ من فضاءِ اللهِ
أصواتًا»
فالخزاف يشكل مادة موجودة، وكذلك الشاعر يلتقط أصوات العالم ويعيد خلقها. وحين يطوعها على «قيثارة الهلع الوجودي»، يتحول الشاعر الجاهلي إلى نموذج للشاعر في كل زمان.
ولهذا لا يسأله الشاعر عن بيت أو وزن، وإنما عن سر الشعر:
«هلا أفضتَ عليَّ
من شيطانك المخبوءِ ما بين الحروف»
فتأتي الإجابة:
«لأراوغ الكلمات»
وهي من أكثر عبارات القصيدة دلالة؛ فالشعر ليس امتلاك الكلمات، وإنما مراوغتها حتى تكشف ما تخفيه.
وفي مقطع عنيزة يرتفع الغزل إلى أفق وجودي:
«حُبلى
بأسئلة المصير»
ثم يصبح الشعر وسيلة لمقاومة الفناء:
«فرحتُ بمغزلِ الكلماتِ أنسجُ بُردةً
للروح لا تفنى»
أما أبو نواس فيمثل انقلاب المعنى والتمرد على المألوف:
«لكل شيءٍ في الدنى ضدٌّ، وإني الضدُّ
في معزوفة الدنيا»
فالشعر عنده قادر على إعادة ترتيب العالم:
«يستحيل الغول عصفورًا،
وتغدو مدية الأيام ضحكة عاشق»
ثم تدخل القصيدة مع أبي العلاء منطقة الشك والمعرفة والسجن:
«يا صاحب الحَبسين
صرتُ رهين أحْباس اللئام»
لكن حبس المعري يتحول إلى حبس لغوي، فتأتي الصورة الأذكى:
«فبقيتُ منصوبًا بلا نصبٍ، ومجرورًا
بغير أداة جر»
هنا يتحول النحو إلى استعارة للوجود؛ فالمتكلم حالة إعرابية مختلة، عالق في اللغة وعاجز عن الخروج منها.
وتتأكد هذه العلاقة بين الحرف والوجود في:
«صرتُ في طِرسٍ كأني جملةٌ مطموسة»
ثم في النهاية:
«ويائي قد غدت ألفًا»
فالتحول الحرفي يصبح تحولًا في الذات والزمن. وحين يقول:
«من بعد أن ولّت سنين العمر
يائي قد غدت ألفا»
يعود النص من مغامرة اللغة إلى جرحه الحقيقي: العمر الذي مضى.
لهذا لا تأتي الشخصيات التراثية الثلاث اعتباطًا؛ إنها حالات داخلية متعاقبة:
امرؤ القيس: الدهشة والرغبة.
أبو نواس: التمرد.
أبو العلاء: الشك والمعرفة.
والشاعر يتحرك بينها كما يتحرك داخل نفسه. ومن هنا تتجلى النزعة التعبيرية في القصيدة؛ فالتراث لا يُستعاد كما هو، وإنما يعاد تشكيله ليعبر عن اضطراب الذات وأسئلتها.
وتنبني القصيدة على صور تفجر العلاقات بين الأشياء، مثل:
«انفصالاتٍ على قمم البراعم»
«حتى تنشف الأوراق فوق شجيرة المعنى»
فالصورة هنا ليست زينة، بل أداة لإنتاج معنى جديد. وكذلك اللغة الفصيحة لا تستعيد القاموس القديم جاهزًا، بل تعيد تركيبه:
«أمسك الأفعال والأسماء من طرف الهديل»
ومع ذلك، فإن كثافة الإشارات التراثية تفرض على القارئ جهدًا تأويليًا، وقد تجعل الثقافة في بعض المواضع حجابًا بينه وبين التجربة. غير أن ذلك يظل متصلًا بطبيعة المشروع نفسه؛ فالشاعر يغوص في طبقات العربية لكي يبحث عن صوته داخلها.
وفي العمق، لا تتحدث القصيدة عن الشعراء القدامى بقدر ما تتحدث عن الشاعر الذي يأتي بعدهم ويسأل: ماذا بقي لنا من الكلام؟
والإجابة المضمرة هي أن الكلام قد يكون الوسيلة الأخيرة لإنقاذ التجربة من الفناء.
من هنا يصبح «وتد الكلام» أكثر من عنوان: إنه سؤال عن الشيء الذي يستطيع أن يثبت أثر الإنسان حين لا يستطيع أن يثبت الزمن.
لقد دخل الشاعر التراث باحثًا عن سر الشعر، وعاد منه إلى نفسه. ولذلك يصبح التراث في القصيدة مرآة لا ماضيًا، ويصبح الشعر محاولة لمقاومة الفناء، وتصبح النهاية:
«يائي قد غدت ألفا»
اختزالًا بليغًا لرحلة كاملة: تغير الحرف، وتغيرت الذات، ومضى العمر، وبقي الكلام.
وفي النهاية، نحن أمام شاعر يمتلك ثقافة تراثية عميقة، ووعيًا لغويًا وفلسفيًا، وقدرة لافتة على تحويل هذه المعرفة إلى شعر حي، لا إلى استعراض ثقافي. لقد دخل التراث باحثًا عن سر الشعر، فإذا به يعيد خلقه من داخل تجربته، ويجعل امرأ القيس وأبا نواس وأبا العلاء مرايا لأسئلته الخاصة عن اللغة والوجود والعمر.
تحية للشاعر على هذه القصيدة القيمة، وعلى هذه المغامرة الشعرية التي تكشف عن شاعر كبير يعرف كيف يجعل التراث جزءًا من صوته، لا قناعًا له.