يُنظر إلى السرد في التصورات المعاصرة بوصفه أكثر من مجرد تقنية أدبية لنقل الأحداث ، فهو آلية إنسانية وثقافية تمنح التجارب الفردية والجماعية شكلاً قابلاً للفهم والتداول ، ومن خلال السرد تعيد المجتمعات بناء ذاكرتها، وتؤسس تصوراتها عن الماضي والحاضر والمستقبل، كما تُنتج منظوماتها القيمية ورؤاها للعالم ، لذلك لم يعد السرد حكرًا على الرواية والقصة، بل أصبح حاضرًا في التاريخ والإعلام والسياسة والهوية والثقافة الرقمية، فحياة الإنسان ذاتها لا تُدرك بوصفها سلسلة من الوقائع المتناثرة، وإنما بوصفها حكايات مترابطة تمنح تلك الوقائع معنى واتجاهًا ، ومن هذا المنطلق تعددت المقاربات التي سعت إلى تحديد جوهر السرد ووظيفته، ومن أبرزها ما طرحه الروائي الراحل غابرييل ماركيز في واحدة من مقولاته المهمة والفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان في كتابه ( أزمة السرد) الذي تفضل الاديب جودت هوشيار بتقديم قراءة جاءت على الأفكار المركزية والجوهرية التي وردت فيه عبر منشوره في صفحته الشخصية ، إذ سنقوم بمقابلة بين المقولتين للتوصل إلى تحول المفاهيم حول السرد ووظائفه بتحول الظروف ووسائط الاتصال وصيرورة الحياة وأثرها في تلك التحولات .
لقد اتفق كل من ماركيز وهان على تجاوز مركزية الحدث، لكنهما اختلفا في تحديد المهمة الجوهرية التي ينهض بها السرد، الأمر الذي يفتح الباب أمام مساءلة مفهوم السرد بين الرؤية الجمالية والرؤية التأويلية ، ولعل منشأ هذا الاختلاف في تصور المفهومين للسرد هو الصيرورة الدائمة للحياة والسياقات المتحولة وبالتالي تأثير ذلك في النص الإبداعي ووسائط اتصاله ، كما أن مقاربتنا هذه لا تقارن بين ناقدين أو منظّرين فحسب، بل بين تصورين لوظيفة السرد نفسها ، فـما يقوله ماركيز ينقل مركز الثقل من الحدث إلى كيفية تمثيله سرديًا، بينما ينقله هان من الحدث إلى دلالته الوجودية أو الثقافية ، وكلاهما يتجاوز السؤال التقليدي: ماذا حدث؟، لكنهما لا يتجهان إلى الوجهة نفسها.
يمكن أن ننطلق من الفرضية الآتية:
إذا كان ماركيز يرى أن جوهر السرد يكمن في الكيفية التي يُروى بها الحدث، فإن هان يرى أن جوهر السرد يكمن في المعنى الذي ينتجه الحدث ، فالأول ينشغل ببنية الحكي وآلياته الجمالية، بينما ينشغل الثاني بوظيفة الحكي التأويلية وإنتاج المعنى.
فمنذ أن تحول السرد من مجرد نقل للأحداث إلى ممارسة جمالية وفكرية معقدة، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا حدث؟ فالأحداث في ذاتها لا تمتلك قيمة سردية كافية، لأن الحياة اليومية مليئة بوقائع لا تُحصى، لكن القليل منها فقط يتحول إلى حكايات قادرة على البقاء في الذاكرة ، من هنا تأتي أهمية المقاربتين اللتين قدمهما كل من غابرييل ماركيز والفيلسوف بيونغ-تشول هان ، فماركيز يذهب إلى أن السؤال الحقيقي للسرد ليس «ماذا حدث؟» بل «كيف حدث؟»، في حين يرى هان أن السرد لا يجيب عن سؤال «ماذا حدث؟» بل عن سؤال «ماذا يعني ما حدث؟». وللوهلة الأولى يبدو أن المفهومين متقاربين لأنهما يتفقان على تهميش الحدث بوصفه معطى خامًا، إلا أن التدقيق يكشف عن اختلاف جوهري في فهم طبيعة السرد ووظيفته.
ففي تصور ماركيز لا تكمن قيمة الرواية أو الحكاية في غرابة الحدث أو فرادته، وإنما في الطريقة التي يُبنى بها الحدث داخل النص ، فالوقائع قد تكون مألوفة للغاية، لكن السارد يمتلك القدرة على تحويلها إلى تجربة مدهشة عبر زاوية الرؤية، والإيقاع، وترتيب الوقائع، واللغة، وتقنيات الوصف والاسترجاع والاستباق. ولذلك فإن السرد عند ماركيز فعل جمالي بالدرجة الأولى؛ إنه فن إعادة تشكيل الواقع أكثر من كونه فن اختراع الوقائع ، فالحكاية ذاتها يمكن أن تُروى عشرات المرات، لكن كل راوٍ يمنحها حياة مختلفة بحسب الطريقة التي يقدمها بها ، ولهذا يصبح السؤال «كيف حدث؟» سؤالًا عن البنية والأسلوب وتقنيات الحكي، أي عن الوسائط التي تجعل الحدث قابلاً للإقناع والإدهاش معًا.
أما هان فينطلق من أفق مختلف. فالسرد عنده لا يكتسب قيمته من الكيفية الجمالية التي يُروى بها الحدث فحسب، بل من قدرته على إنتاج معنى للعالم. فالأحداث لا تهم الإنسان لأنها وقعت، بل لأنها تمنحه تفسيرًا لوجوده وموقعه داخل الزمن والتاريخ والمجتمع ، ولهذا يتحول السؤال من «كيف حدث؟» إلى «ماذا يعني ما حدث؟». فالسرد هنا ليس بناءً جماليًا فقط، بل هو أداة تأويل وفهم ، إنه يمنح التجربة الإنسانية شكلًا يمكن إدراكه ومعنى يمكن استيعابه ، وإذا كان ماركيز ينظر إلى السرد من داخل الرواية بوصفها فنًا، فإن هان ينظر إليه من خارجها بوصفه حاجة أنثروبولوجية وثقافية تساعد الإنسان على مقاومة التشظي وفوضى الوقائع ، فقد وجد تفككاً للحكايات الحقيقية وتحولها إلى سلع استهلاكية رقمية سريعة ، كما وجد أن هيمنة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي تحول الأفراد إلى معروضات تسويقية ، مما يؤدي إلى فقدان المعنى الحقيقي والتماسك الاجتماعي ، وبهذا المعنى يمكن القول إن ماركيز يركز على شعرية السرد، بينما يركز هان على فلسفة السرد ، فالأول معنيّ بالسؤال الجمالي الذي يجعل الحكاية حكاية، والثاني معنيّ بالسؤال الوجودي الذي يجعل الحكاية ذات مغزى ، فماركيز يبحث عن أسرار البناء الفني، وهان يبحث عن الوظيفة المعرفية والإنسانية للحكي ، ولذلك فإن مفهوم ماركيز أقرب إلى النقد السردي الذي يدرس التقنيات والأنساق الجمالية، في حين أن مفهوم هان أقرب إلى الدراسات الثقافية وفلسفة السرد التي تدرس علاقة الحكاية بإنتاج المعنى الاجتماعي والإنساني ، غير أن العلاقة بين المفهومين ليست علاقة تعارض كامل، بل علاقة تكامل ، فالسرد الناجح لا يكتفي بأن يروي الحدث بطريقة بارعة، كما لا يكتفي بأن ينتج معنى مجردًا ، إن قوة السرد تتجلى عندما تتحول الكيفية إلى وسيلة لإنتاج المعنى ، فالأسلوب ليس غاية مستقلة، والمعنى لا يتجسد إلا عبر شكل سردي قادر على حمله ، ومن هنا يمكن القول إن سؤال ماركيز يمثل الخطوة الأولى في بناء السرد، بينما يمثل سؤال هان الخطوة الثانية؛ إذ لا يمكن الوصول إلى معنى ما حدث إلا عبر طريقة معينة في روايته.
ولعل الرواية المعاصرة تكشف بوضوح عن هذا التداخل. فالنصوص الكبرى لا تُخلّد لأن أحداثها استثنائية، بل لأنها استطاعت أن تروي تلك الأحداث بطريقة متميزة وأن تمنحها في الوقت نفسه دلالة تتجاوز حدود الواقعة نفسها ، ولهذا فإن السرد في صورته الأكثر نضجًا لا يجيب عن سؤال واحد، بل عن سؤالين متلازمين: كيف حدث؟ وماذا يعني ما حدث؟ فإذا كان السؤال الأول يصنع جماليات النص، فإن السؤال الثاني يصنع ضرورته الإنسانية ، وبين الجمال والمعنى تتحدد القيمة الحقيقية للسرد بوصفه أحد أهم أشكال المعرفة التي ابتكرها الإنسان لفهم نفسه والعالم ،
إذا كان ماركيز قد نقل السرد من الحدث إلى طريقة تمثيله، فإن هان نقله من طريقة التمثيل إلى أفق المعنى ، وهكذا يغدو السرد حركة مزدوجة: تحويل الواقع إلى حكاية، ثم تحويل الحكاية إلى معنى ،
ويبدو أن لكل من ماركيز وهان سياقه الخاص الذي أنتج مقولتيهما ،فما يُنسب إلى الروائي ماركيز من أن «المهم ليس ماذا حدث، بل كيف يُروى ما حدث»، فهو ليس تنظيراً فلسفياً مجرداً بقدر ما هو خلاصة لرؤيته الروائية. ماركيز كان يرى أن الأحداث الإنسانية متشابهة إلى حد بعيد، وأن القيمة الفنية للرواية لا تكمن في الحدث ذاته، بل في طريقة بنائه سردياً، وفي زاوية النظر إليه، وفي اللغة والإيقاع والتشكيل التخييلي الذي يمنحه دلالة جديدة. ولهذا كان يكرر في أحاديثه وكتاباته أن المادة الخام للحياة متاحة للجميع، لكن الفن يبدأ من كيفية تحويلها إلى حكاية. وترتبط هذه الرؤية أيضاً بمقولته الشهيرة: (الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يرويه)
أما الفيلسوف هان ، فإن حديثه عن السرد جاء في إطار نقده للمجتمع الرقمي المعاصر، ولا سيما في كتابه (أزمة السرد ) فهو لا ينشغل بالسؤال الأدبي المتعلق بتقنيات الحكي بقدر انشغاله بالسؤال الوجودي والثقافي: ما الذي يمنح الحياة معناها؟ وهو يرى أن السرد الحقيقي يمنح الخبرات الإنسانية ترابطاً واتجاهاً ومعنى، بينما يغرق عصر المعلومات الإنسان في وقائع متفرقة وبيانات متلاحقة بلا دلالة كلية. لذلك يميز بين «المعلومات» التي تخبرنا بما حدث، و«السرد» الذي يفسر لماذا حدث وما معناه بالنسبة للفرد والجماعة. فالسرد عنده هو البنية التي تعطي الحياة معنى وتبني الروابط الاجتماعية ،
ومن هنا يمكن القول إن المقولتين لا تتعارضان، بل تنتميان إلى مستويين مختلفين:
ماركيز يتحدث من داخل الفن الروائي: كيف نروي؟
هان يتحدث من داخل الفلسفة الثقافية: لماذا نروي؟ وما المعنى الذي ينتجه السرد؟
وبصيغة أكثر تركيزاً: ماركيز يجعل جوهر السرد في الطريقة، بينما يجعل هان جوهره في المعنى ، الأول ينظر إلى السرد بوصفه فناً جمالياً، والثاني ينظر إليه بوصفه ضرورة وجودية وثقافية تمنح العالم تماسكه ودلالته.
وأظن أن الجمع بين الرؤيتين يفضي إلى تعريف معاصر للسرد: السرد ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو بناءٌ دلاليٌّ وجماليٌّ يحوّل ما حدث إلى معنى عبر طريقة مخصوصة في الحكي ، وهذا التعريف يلتقي فيه ماركيز مع هان رغم اختلاف منطلقاتهما.
لقد اتفق كل من ماركيز وهان على تجاوز مركزية الحدث، لكنهما اختلفا في تحديد المهمة الجوهرية التي ينهض بها السرد، الأمر الذي يفتح الباب أمام مساءلة مفهوم السرد بين الرؤية الجمالية والرؤية التأويلية ، ولعل منشأ هذا الاختلاف في تصور المفهومين للسرد هو الصيرورة الدائمة للحياة والسياقات المتحولة وبالتالي تأثير ذلك في النص الإبداعي ووسائط اتصاله ، كما أن مقاربتنا هذه لا تقارن بين ناقدين أو منظّرين فحسب، بل بين تصورين لوظيفة السرد نفسها ، فـما يقوله ماركيز ينقل مركز الثقل من الحدث إلى كيفية تمثيله سرديًا، بينما ينقله هان من الحدث إلى دلالته الوجودية أو الثقافية ، وكلاهما يتجاوز السؤال التقليدي: ماذا حدث؟، لكنهما لا يتجهان إلى الوجهة نفسها.
يمكن أن ننطلق من الفرضية الآتية:
إذا كان ماركيز يرى أن جوهر السرد يكمن في الكيفية التي يُروى بها الحدث، فإن هان يرى أن جوهر السرد يكمن في المعنى الذي ينتجه الحدث ، فالأول ينشغل ببنية الحكي وآلياته الجمالية، بينما ينشغل الثاني بوظيفة الحكي التأويلية وإنتاج المعنى.
فمنذ أن تحول السرد من مجرد نقل للأحداث إلى ممارسة جمالية وفكرية معقدة، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا حدث؟ فالأحداث في ذاتها لا تمتلك قيمة سردية كافية، لأن الحياة اليومية مليئة بوقائع لا تُحصى، لكن القليل منها فقط يتحول إلى حكايات قادرة على البقاء في الذاكرة ، من هنا تأتي أهمية المقاربتين اللتين قدمهما كل من غابرييل ماركيز والفيلسوف بيونغ-تشول هان ، فماركيز يذهب إلى أن السؤال الحقيقي للسرد ليس «ماذا حدث؟» بل «كيف حدث؟»، في حين يرى هان أن السرد لا يجيب عن سؤال «ماذا حدث؟» بل عن سؤال «ماذا يعني ما حدث؟». وللوهلة الأولى يبدو أن المفهومين متقاربين لأنهما يتفقان على تهميش الحدث بوصفه معطى خامًا، إلا أن التدقيق يكشف عن اختلاف جوهري في فهم طبيعة السرد ووظيفته.
ففي تصور ماركيز لا تكمن قيمة الرواية أو الحكاية في غرابة الحدث أو فرادته، وإنما في الطريقة التي يُبنى بها الحدث داخل النص ، فالوقائع قد تكون مألوفة للغاية، لكن السارد يمتلك القدرة على تحويلها إلى تجربة مدهشة عبر زاوية الرؤية، والإيقاع، وترتيب الوقائع، واللغة، وتقنيات الوصف والاسترجاع والاستباق. ولذلك فإن السرد عند ماركيز فعل جمالي بالدرجة الأولى؛ إنه فن إعادة تشكيل الواقع أكثر من كونه فن اختراع الوقائع ، فالحكاية ذاتها يمكن أن تُروى عشرات المرات، لكن كل راوٍ يمنحها حياة مختلفة بحسب الطريقة التي يقدمها بها ، ولهذا يصبح السؤال «كيف حدث؟» سؤالًا عن البنية والأسلوب وتقنيات الحكي، أي عن الوسائط التي تجعل الحدث قابلاً للإقناع والإدهاش معًا.
أما هان فينطلق من أفق مختلف. فالسرد عنده لا يكتسب قيمته من الكيفية الجمالية التي يُروى بها الحدث فحسب، بل من قدرته على إنتاج معنى للعالم. فالأحداث لا تهم الإنسان لأنها وقعت، بل لأنها تمنحه تفسيرًا لوجوده وموقعه داخل الزمن والتاريخ والمجتمع ، ولهذا يتحول السؤال من «كيف حدث؟» إلى «ماذا يعني ما حدث؟». فالسرد هنا ليس بناءً جماليًا فقط، بل هو أداة تأويل وفهم ، إنه يمنح التجربة الإنسانية شكلًا يمكن إدراكه ومعنى يمكن استيعابه ، وإذا كان ماركيز ينظر إلى السرد من داخل الرواية بوصفها فنًا، فإن هان ينظر إليه من خارجها بوصفه حاجة أنثروبولوجية وثقافية تساعد الإنسان على مقاومة التشظي وفوضى الوقائع ، فقد وجد تفككاً للحكايات الحقيقية وتحولها إلى سلع استهلاكية رقمية سريعة ، كما وجد أن هيمنة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي تحول الأفراد إلى معروضات تسويقية ، مما يؤدي إلى فقدان المعنى الحقيقي والتماسك الاجتماعي ، وبهذا المعنى يمكن القول إن ماركيز يركز على شعرية السرد، بينما يركز هان على فلسفة السرد ، فالأول معنيّ بالسؤال الجمالي الذي يجعل الحكاية حكاية، والثاني معنيّ بالسؤال الوجودي الذي يجعل الحكاية ذات مغزى ، فماركيز يبحث عن أسرار البناء الفني، وهان يبحث عن الوظيفة المعرفية والإنسانية للحكي ، ولذلك فإن مفهوم ماركيز أقرب إلى النقد السردي الذي يدرس التقنيات والأنساق الجمالية، في حين أن مفهوم هان أقرب إلى الدراسات الثقافية وفلسفة السرد التي تدرس علاقة الحكاية بإنتاج المعنى الاجتماعي والإنساني ، غير أن العلاقة بين المفهومين ليست علاقة تعارض كامل، بل علاقة تكامل ، فالسرد الناجح لا يكتفي بأن يروي الحدث بطريقة بارعة، كما لا يكتفي بأن ينتج معنى مجردًا ، إن قوة السرد تتجلى عندما تتحول الكيفية إلى وسيلة لإنتاج المعنى ، فالأسلوب ليس غاية مستقلة، والمعنى لا يتجسد إلا عبر شكل سردي قادر على حمله ، ومن هنا يمكن القول إن سؤال ماركيز يمثل الخطوة الأولى في بناء السرد، بينما يمثل سؤال هان الخطوة الثانية؛ إذ لا يمكن الوصول إلى معنى ما حدث إلا عبر طريقة معينة في روايته.
ولعل الرواية المعاصرة تكشف بوضوح عن هذا التداخل. فالنصوص الكبرى لا تُخلّد لأن أحداثها استثنائية، بل لأنها استطاعت أن تروي تلك الأحداث بطريقة متميزة وأن تمنحها في الوقت نفسه دلالة تتجاوز حدود الواقعة نفسها ، ولهذا فإن السرد في صورته الأكثر نضجًا لا يجيب عن سؤال واحد، بل عن سؤالين متلازمين: كيف حدث؟ وماذا يعني ما حدث؟ فإذا كان السؤال الأول يصنع جماليات النص، فإن السؤال الثاني يصنع ضرورته الإنسانية ، وبين الجمال والمعنى تتحدد القيمة الحقيقية للسرد بوصفه أحد أهم أشكال المعرفة التي ابتكرها الإنسان لفهم نفسه والعالم ،
إذا كان ماركيز قد نقل السرد من الحدث إلى طريقة تمثيله، فإن هان نقله من طريقة التمثيل إلى أفق المعنى ، وهكذا يغدو السرد حركة مزدوجة: تحويل الواقع إلى حكاية، ثم تحويل الحكاية إلى معنى ،
ويبدو أن لكل من ماركيز وهان سياقه الخاص الذي أنتج مقولتيهما ،فما يُنسب إلى الروائي ماركيز من أن «المهم ليس ماذا حدث، بل كيف يُروى ما حدث»، فهو ليس تنظيراً فلسفياً مجرداً بقدر ما هو خلاصة لرؤيته الروائية. ماركيز كان يرى أن الأحداث الإنسانية متشابهة إلى حد بعيد، وأن القيمة الفنية للرواية لا تكمن في الحدث ذاته، بل في طريقة بنائه سردياً، وفي زاوية النظر إليه، وفي اللغة والإيقاع والتشكيل التخييلي الذي يمنحه دلالة جديدة. ولهذا كان يكرر في أحاديثه وكتاباته أن المادة الخام للحياة متاحة للجميع، لكن الفن يبدأ من كيفية تحويلها إلى حكاية. وترتبط هذه الرؤية أيضاً بمقولته الشهيرة: (الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يرويه)
أما الفيلسوف هان ، فإن حديثه عن السرد جاء في إطار نقده للمجتمع الرقمي المعاصر، ولا سيما في كتابه (أزمة السرد ) فهو لا ينشغل بالسؤال الأدبي المتعلق بتقنيات الحكي بقدر انشغاله بالسؤال الوجودي والثقافي: ما الذي يمنح الحياة معناها؟ وهو يرى أن السرد الحقيقي يمنح الخبرات الإنسانية ترابطاً واتجاهاً ومعنى، بينما يغرق عصر المعلومات الإنسان في وقائع متفرقة وبيانات متلاحقة بلا دلالة كلية. لذلك يميز بين «المعلومات» التي تخبرنا بما حدث، و«السرد» الذي يفسر لماذا حدث وما معناه بالنسبة للفرد والجماعة. فالسرد عنده هو البنية التي تعطي الحياة معنى وتبني الروابط الاجتماعية ،
ومن هنا يمكن القول إن المقولتين لا تتعارضان، بل تنتميان إلى مستويين مختلفين:
ماركيز يتحدث من داخل الفن الروائي: كيف نروي؟
هان يتحدث من داخل الفلسفة الثقافية: لماذا نروي؟ وما المعنى الذي ينتجه السرد؟
وبصيغة أكثر تركيزاً: ماركيز يجعل جوهر السرد في الطريقة، بينما يجعل هان جوهره في المعنى ، الأول ينظر إلى السرد بوصفه فناً جمالياً، والثاني ينظر إليه بوصفه ضرورة وجودية وثقافية تمنح العالم تماسكه ودلالته.
وأظن أن الجمع بين الرؤيتين يفضي إلى تعريف معاصر للسرد: السرد ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو بناءٌ دلاليٌّ وجماليٌّ يحوّل ما حدث إلى معنى عبر طريقة مخصوصة في الحكي ، وهذا التعريف يلتقي فيه ماركيز مع هان رغم اختلاف منطلقاتهما.