سيد يوسف - في محبة السفسطة... في محبة أمير الشعراء صاحب المشروع الأكثر اكتمالا في تاريخ الشعر العربي

تدور هذه الأيام رحى حرب طاحنة بين خُدام الاتجاهات الفنية المختلفة أو المتضادة في إطار الشعر العربي.. يستخدم فيها كل طرف كل ما يحوز من الأسلحة.. مشروعا كان، وهو قليل، أو غير مشروع، وهو الغالب الأعم.. ولست أرى مشكلة في قيام معركة أدبية بين الحين والآخر.. فتاريخ الأدب العربي يوقفنا على آلاف المعارك التي تطاحن فيها طرفان أو أكثر، واستخدم فيها كل طرف كل ما أتيح له من أسلحة.. منذ المعركة التي تناطح فيها فحلان عظيمان هما امرؤ القيس ابن حجر وعلقمة الفحل.. مرورا بمعركة حسان بن ثابت رضي الله عنه مع النابغة.. ونقائض شعراء العصر الأموي التي هتك فيها بعضهم ستر بعض.. وصولا إلى معارك عصر النهضة في مصر التي حاول فيها بعض مبدعينا هدم هرم شوقي والإطاحة به من عرشه.. ثم أعقب ذلك واحدة من أعتى المعارك التي شهدتها الثقافة العربية تلك الحرب الضروس التي شنها الأستاذ محمود محمد شاكر (أبو فهر) ضد عدد من رموز ثقافتنا في حينه كالأستاذ الدكتور طه حسين والأستاذ الدكتور لويس عوض.. رحم الله الجميع..
ولقد كانت السمة الأبرز لتلك المعارك، بصرف النظر عن كونها قد استُخدم فيها أسلحة غير شريفة من كل الأطراف، أنها أسفرت عن رصيد لا بأس به من الكتابات الإبداعية والتنظيرية التي كان لها أكبر الأثر في حياتنا الثقافية... وهو، في رأيي، ما لا أراه متوفرا.. أو لا أراه متوفرا بالشكل الكافي، في معاركنا المعاصرة..

على أية حال.. أحسب أن هذا المدخل التأصيلي مهم في صدد ما أريد طرحه في هذه المساحة.. وهو التناول المعاصر لشخص أمير الشعراء أحمد شوقي بك.. وما إذا كان يُعطي الرجل حقه، من باب الانتصار للفن الحقيقي، إن لم يكن من باب الإنصاف وشرف الخصومة..

لماذا أحمد شوقي؟
الحق أنني، بصفة شخصية، ومن حيث الانحيازات الجمالية التي تُكَوِّن ذائقتي، من المنحازين لأمير الشعراء على حساب أي أحد سواه من كبار مبدعي الشعر العربي عبر تاريخه الطويل، وأراه أعلى كعبا منهم جميعا.. وإذا كان هذا الانحياز الشخصي حقا مكفولا لي ولكل من يشاركني إياه، فإن هذا بالضرورة يكفل الحق ذاته لكل أحد ينحاز انحيازا مغايرا أو مضادا.. وهذا مبدأ راسخ يجب التسليم به من حيث المبدأ لتكون الأمور واضحة للجميع...
غير أن طبيعة العمل العلمي الجاد توجب على كل صاحب انحياز أن يقدم لغيره أسبابا موضوعية لانحيازه، ليس فقط من باب إقامة الحجة على المخالفين، ولكن أيضا من باب الترويج الجاذب للمحايدين والمذبذبين الذين يبحثون عن أسباب مقنعة يأخذون قرارهم بناء عليها.. وفي هذا الصدد فإنني أحاول هنا رصد أهم ملامح تصوري عن أسباب جدارة شوقي بتصدر قائمة مبدعي الشعر العربي عبر تاريخه.. غير مُصادِر على غيري الذي لا يرى هذه الأسباب وجيهة أو يرى لأسباب أخرى أن رأيي هذا غير صحيح..

شوقي الرقم الصعب في معادلة التفوق الفني:
إذا أردت اختبار قوة فرد أو شيء وقياس أثره في محيطه فما عليك إلا أن تتخيله رقمًا في معادلة يقع إلى جانب أرقام أخرى، ثم تخيل أنك تزيل هذا الرقم من المعادلة.. ثم ترصد التأثيرات الحادثة بعد هذه الإزالة..
قبل عصر الإحياء كان الشعر، إلا قليلاً من الاستثناءات، غارقًا في بحور من الابتعاد عن نهره القديم الذي كان فيه ديوانًا للعرب ومترجمًا أمينًا لأحوالهم ومشاعرهم.. وفي عصر الإحياء قبل شوقي نهضت قلة من المبدعين الكبار بمهمة إعادة نهر الشعر إلى مجراه.. غير أن جهد هؤلاء اقتصر نجاحه على إعادة الاعتبار للغة الشعر بسماتها التي كانت سائدة قبل العصور الأيوبي والمملوكي والعثماني.. وإعادة حضور الخيال والتصوير على الطريقة العربية كما كانت في العصور الجاهلي والأموي والعباسي.. وأخيرًا تَمَثُّل جماليات تلك العصور عند الكتابة على نحو ما صنع الرومان مع تراث الإغريق...
لكن شوقي تجاوز ذلك كله من خلال إجراءات بعضها فني وبعضها غير فني.. تضافرت لتجعل من مشروعه حجر أساس لحركة تحديث شاملة للشعر العربي، بدءًا من إسباغ هالة من التقدير على شخص الشاعر لا تكاد تكون متوفرة لغيره، سواء في المشهد السياسي والثقافي.. حتى وجدنا لقب أمير الشعراء فعلاً جرى تنظيمه أضيف به إلى الشعر والشاعر (شوقي) لقب الإمارة.. وعلى مستوى الثقافة صار الشعر يتصدر أهم الصحف المصرية، وصار الشأن الشعري مناط حديث من النخب والعوام، وهو ما لم يتوفر للشعر، أو لم يتوفر بالقدر الكافي، قبل شوقي..
وفي الباب نفسه نجد أن شوقي لم يكن مجرد شاعر شاعر.. بل كان شاعرًا وصاحب قضية وموجهًا للرأي العام في مصر والشرق، ونصوصه الشعرية والمسرحية تشهد بذلك.. فهو مصري وطني يكتب المطولات عن مجد مصر ويحاول استنهاض الأمة المصرية من سباتها لتستعيد مجدها القديم.. ويطرح في مصرع كليوباترا طرحًا دفاعيًا عظيمًا يصورها ملكة محبة لوطنها صنعت كل ما صنعت من مكائد لخصومها دفاعًا عن مصر.. وهو بلا شك واحد من الداعين المؤسسين لفكرة القومية العربية.. تارة يكتب عن دمشق وتارة عن السودان.. وتارة يطرح الفكرة بوضوح في مسرحية عنترة... وهو فوق هاتين الدائرتين يؤمن بالفكرة الإسلامية ويدافع عن الخلافة ويحاول بعث المجد الإسلامي في صورة دولة قوية تنهض بالمسلمين وتعيد إليهم مجدهم الغابر.. إن شوقي صاحب قضايا متعددة متكاملة.. يدافع عنها بفنه بقدر دفاعه عن قيم الحق والخير والجمال.. وكثيرة هي البحوث التي رصدت التحولات الواضحة في حياة شوقي، ابتداءً من توقيت نفيه حتى وفاته.. من شاعر القصر إلى شاعر يعبر عن ضمير الشعب والأمة..
في الجانب الفني.. ربما يكون من أهم الإحراءات التي قدمها شوقي، أنه راح يعارض كبار الشعراء عبر العصور، فيكر عليهم مرة ويفر منهم أخرى.. لكنه في المجمل نجح في إدارة هذا الحوار/ الصراع بين القديم والحديث.. واستطاع من خلاله جذب مزيد من المهتمين إلى ساحة الشعر الذي تضاعفت جماهيره بشكل واضح.. ولك عزيزي القارئ أن تعود في هذا الصدد إلى معارضاته المدهشة لسينية البحتري، أو دالية القيرواني، أو نونية ابن زيدون، أو ميمية البوصيري.. لتدرك إلى أي مدى كان شوقي مصارعًا ذا قدرات جبارة في جهة الإبداع الشعري..
في إطار الإجراء الفني أيضًا اتبع شوقي استراتيجية مدهشة في دعم طموحه للخلود الفني، قامت في الأساس على فكرة تعظيم موضوع القصيدة والسمو بها إلى مراتب من العظمة والقداسة أحيانًا قد لا تجدها في طبعها أصلا.. على نحو قصيدته الشهيرة (شيكسبير) التي استهلها بمطلع يقول فيه:
أعلى الممالك ما كرسيه الماء *** وما دعامته بالحق شماء

إن شوقي العظيم الذي يتحدث عن شيكسبير العظيم أراد تعظيم الرجل من خلال البدء تعظيم وطنه (بريطانيا).. لكنه لم يصنع ذلك بشكل مباشر كما يفعل غيره.. وإنما طرح طرحًا منطقيًا دينيًا يقر فيه بحقيقة أن أعلى الممالك ما كرسيه الماء.. والمعنى المتبادر لأي ذهن عربي أو مسلم سيربط المعنى بالذات الإلهية لأنه مستقر عند المؤمنين أن عرش الله على الماء.. وهو تفسير معقول يدعمه الشطر الثاني من البيت.. غير أن تفسيرًا آخر يرد على ذهن من يعرف شوقي حق المعرفة.. ألا يمكن أن يكون شوقي يشير من طرف خفي إلى عرش آخر وكرسي آخر دنيويين، هما عرش بريطانيا العظمى والكرسي الذي يجلس عليه ملكها.. والقرينة الواضحة أن بريطانيا مجموعة من الجزر الواقعة على الماء ومن ثم فعرش الملك فيها على الماء.. لماذا لا يكون شوقي قد طرح هذا الطرح الجدلي قاصدًا إدخال قارئه في مأزق بين تفسير كلامه بالمعنى الديني القريب وأن يحيله إلى المعنى السياسي البعيد..
هذه السمة (تعظيم موضوع النص) هي سمة يسهل إثبات أنها فاشية في شعر شوقي ومسيطرة على ذهنه طوال الوقت.. وقد سبق أن ضربت له مثلاً آخر في قصيدته عن اختراع الطائرة التي يقول في مطلعها:
يا فَرَنسا نِلتِ أَسبابَ السَماء *** وَتَمَلَّكتِ مَقاليدَ الجِواء
غُلِبَ النَسرُ عَلى دَولَتِهِ *** وَتَنَحّى لَكِ عَن عَرشِ الهَواء
وَأَتَتكِ الريحُ تَمشي أَمَةً *** لَكِ يا بَلقيسُ مِن أَوفى الإِماء
رُوِّضَت بَعدَ جِماحٍ وَجَرَت *** طَوعَ سُلطانَينِ عِلمٌ وَذَكاء
لَكِ خَيلٌ بِجَناحٍ أَشبَهَت *** خَيلَ جِبريلَ لِنَصرِ الأَنبِياء

إن كل بيت من هذه الأبيات يشير إلى أمر عظيم سابق وينتصر عليه لفعل فرنسا العظيم باختراع الطائرة.. فهي نالت أسباب السماء، وسيطرت على الريح، وامتلكت سلطان العلم والذكا، كما امتلكت خيولاً مجنحة كخيل جبريل التي نصر الله بها الأنبياء... وهو، إذًا، كان يكسر حاجزي الزمن والمسافة لئلا يحولا بينه وبين المتلقي، فيصل عمله إلى أوسع رقعة جغرافية ويعيش لأقصى مدى زمني ممكن.. وتلك سمة لازمة في شعر كل من كسر شعرهم هذين الحاجزين.. أي وجود استراتيجية واضحة لكسرهما.. وعلى سبيل المثال اختار المتنبي لذلك سمة تقوم على خلخلة البنية التقليدية المألوفة للجملة العربية، فرأيناه يقدم ما حقه التأخير ويؤخر ما حقه التقديم.. وينزع مكونات الجملة من أماكنها المألوفة ويضعها في أماكن أخرى، كما في نحو قوله:
منى كن لي أن اليباض خضاب *** فيخفى بتبييض القرون شباب

وفي المجال الفني أيضًا نجد اهتمام شوقي بالبديع والبيان.. فقد كان يشبه نفسه بالبحتري ويتمنى أن لو يمتلك مثل ناصية بيانه.. ربما متابعة للمقولة الشهيرة التي وصفت المتنبي وأبا تمام بأنهما حكيمان وأن الشاعر البحتري.. ثم إنه سمى بيته الموجود على نيل الجيزة (كرمة ابن هانئ) يقصد أبا نواس.. ولا يخفى على أحد تعلق شوقي بالخمر وخمرياته التي بلغت الجرأة به أن قال في إحداها متحدثًا عن انقضاء الصوم:
رمضان ولى هاتها يا ساقي **** مشتاقةً تسعى إلى مشتاق

وفي الجانب الفني أيضًا يُعنى شوقي أشد عناية بكل تفاصيل بنية القصيدة.. بدءًا من مراعاة تنويع البحور عند الكتابة، مرورًا بعنايته الفائقة بالقافية والروي، وعمله الدؤوب عليهما ليكونا في عين المتلقي عاملين مساعدين في تجويد النص لا عبأ عليه.. وصولاً إلى اختياراته المعجمية في كلمات قصائده.. فباستثناء القوافي يلاحظ قارئ شعر شوقي أن الرجل كان أميل ما يكون إلى اختيار الأسهل من الألفاظ الأقرب إلى الآذان.. وعلى مستوى الصوت نلاحظ أن شوقي عاشق الموسيقى كان يحرص على أن تتخلل كل بيت أصوات لها جرس موسيقي عالٍ، كالسين والصاد والزاي.. والأمر في الحقيقة يحتاج إلى إجراء دراسة شاملة لاستقصاء هذين الملمحين في شعر شوقي، لأنني أدعيهما دون حصر دقيق، وفقط من خلال اطلاعي على شعره وتركيزي في تفاصيل يقتضيها عمل الباحث في شؤون اللغة...
وغير بعيد عن الجانب الفني.. نجد أن اهتمام شوقي رحمه الله بالنحو، حيث كان يحرص على ألا يخالف قواعده في أي مما كتب.. ولعل القارئ العزيز يدرك مدى صعوبة النجاح في مواجهة هذا التحدي على غير دارسي العربية دراسة متخصصة.. ولكن الحق الذي لا يماري فيه أحد أن التعليم في تلك الحقبة كان أفضل وأكثر اهتمامًا باللغة وعلومها من عصرنا، حتى إنك لو تخيلت مباراة بين طالب ابتدائية في ذلك العصر وطالب جامعي في السنة الأخيرة في كلية متخصصة في دراسة اللغة لرأيت بعينك انتهاء المباراة لصالح طالب الابتدائية دون عناء يذكر.. أما شوقي واهتمامه بالنحو فهو واضح جلي في كتاباته الشعرية والنثرية على السواء.. ولقد كنا ونحن طلاب صغار نأخذ عليه قوله:
إن رأتني تميل عني كأن لم *** تك بيني وبينها أشياء
إلى أن عرفنا أن اختياره النحوي هو الأفصح، أو كما يقول ابن مالك في الألفية:
وبعد ماضٍ رفعُكَ الجزا حَسَنْ *** ورفعه بعد مضارعٍ وَهَنْ

تجليات الشعر عند شوقي:
تنوعت أشكال الكتابة الشعرية عند شوقي كما لم تتنوع عند غيره قديمًا ولا حديثًا.. فقلد كان رحمه الله يكتب الشعر في أغراضه الموروثة.. ثم إنه أضاف إليها أشكالاً جديدة نقلها عن الغرب وصار رائد طرحها في بلادنا.. كالشعر الموجه للأطفال.. والشعر الملحمي.. ثم يأتي التجلي الأعظم من حيث الشكل ممثلاً في المسرح الشعري الذي نقله شوقي نقلاً من الغرب إلى الشرق في إجراء لم يكن سواه ليستطيعه..
ولكي يدرك القارئ العزيز قيمة ما صنعه شوقي في جهة المسرح الشعري فإنني أحيله إلى أمر في غاية الأهمية توقفنا عليه القراءة الفاحصة في تراث العرب النقدي الذي كان من أهم روافد التأسيس له نقل ما تركه الإغريق من تقسيمات نظرية فن الشعر.. حيث إنه عندهم قسمان رئيسان بينهما قسم وسيط.. فأما القسم الأول فهو الغناء، وأما القسم الآخر فهو التمثيل أو المسرح، وأما القسم الوسيط فهو الملحمة.. وعندما ترجم العرب تلك التقسيمات، ولا سيما القسمين الرئيسين (الغناء والمسرح)، ولما كان العرب لم يعرفوا المسرح في تاريخهم (بعيدًا عن التنظيرات اللطيفة التي تعيد نشأة المسرح في العالم كله إلى ملحمة جلجامش في العراق أو ملحمة إيزيس وأوزيريس في مصر).. فقد اضطر نقادنا إلى وضع اصطلاحات قريبة مما لديهم من بضاعة الشعر، الأمر الذي أنتج تقسيمًا أقرب ما يكون إلى السذاجة.. حيث جعل بعضهم المأساة (Tragedy) معادلاً للأغراض الشعرية الجادة كالمدح والرثاء والفخر، في حين جعل الكوميديا (Comedy) معادلاً للأغراض الهازلة كشعر الهجاء...
وقد كانت تلك الترجمة الخاطئة سببًا في تأخر معرفة العرب بالمسرح الشعري حتى العصر الحديث، وتحديدًا مع نهايات القرن التاسع عشر، وخصوصًا عند خليل اليازجي.. غير أن البداية الحقيقية لهذا الغرض الهائل من أغراض الكتابة الشعرية لم يصل إلى طبيعته التي نعرفها الآن إلا على يد أحمد شوقي الذي اضطلع بمهمة إنشاء مسرح شعري عربي من العدم تقريبًا.. وكان لا بد مع هذه الخطوة الرائدة من بدايات قد لا ترضي غرور وعينا الحالي بالمسرح الشعري.. حيث جاء مسرح شوقي متأثرًا بنزعة غنائية هي في الحقيقة طبيعة العرب ومبدؤهم ومنتهاهم في علاقتهم بالشعر.. ولكن عظمة شوقي الشاعر المسرحي جعلته يطور عمله حتى وصل إلى ذروة فنية ما زالت تمثل أيقونة في مجال المسرح الشعري، ولا سيما في مسرحيتي (الست هدى) و(البخيلة) اللتين تخلص فيهما شوقي من كثير من الغنائية وأبدع جملاً حوارية مدهشة، وصار كاتب مسرح شعري من الطراز الأول حتى بمعايير عصرنا الحاضر..
ومما انطبع في ذهني منذ كنت طالبًا أن شوقي كان يجهز مسرحياته نثريًا قبل كتابتها شعرًا.. ولقد كان ذلك دافعًا لي إلى نظم عمله المسرحي النثري الوحيد (أميرة الأندلس).. وهذه المسرحية التي تتناول نهاية واحد من أهم ملوك الطوائف في الأندلس (المعتمد بن عباد الإشبيلي) بها من القرائن والإشارات ما يدعم الطرح القائل بأن شوقي كانت يكتب مسرحياته نثرًا ثم ينظمها.. حيث تجد في كل صفحة تقريبًا مفاصل تتيح إدراج جمل حوارية شعرية.. من قبيل وجود جمل كاملة موزونة، أو إيراد حوارات شعرية بالفعل على لسان أبطال المسرحية.. وهو ما ساعدني كثيرًا في نظم المسرحية وأنا بعد طالب بالفرقة الرابعة بكلية دار العلوم بالفيوم...
على أية حال، وبالعودة إلى أثر فراشة شوقي في المسرح الشعري.. فإنني أطالب منتقدي مسرحه والحاطين من شأنه بوجه عام أن يخرجوا شوقي بكل ما صنع من معادلة المسرح الشعري العربي ثم يعيدوا النظر.. هل كان لغير شوقي أن يملك من الجسارة والقدرات ما يجعله يدرك ثم يتبنى فكرة نقل المسرح بكله من الغرب إلى الشرق.. أحسب أن الإجابة المنصفة هي أنه لولا وجود أحمد شوقي لظلت علاقتنا بالمسرح الشعري هي ما طرحه حازم القرطاجني وغيره من أن التراجيديا هي شعر الرثاء والفخر والمديح، وأن الكوميديا هي شعر الهجاء والشعر الساخر الهازل.. ولولا حجارة الأساس التي قطعها شوقي من جبال عبقريته ووضعها في الأرض من خلال تجارب عملية مضيئة، لما رأينا مسرح مجايليه ولاحقيه، وصولاً إلى ذرى المسرح الشعري في بلادنا عند صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي وعلي أحمد باكثير وغيرهم....
بل إنه حتى في مسرح شوقي الذي غلب الغناء عليه.. تبقى حتى الحوارات الطويلة فيه ممتعة.. ويبقى تأثيرها على التصاعد في العمل المسرحي محدودًا.. ولا سيما أنها أنتجت في زمن كان لدى جمهور القراء فيه من الصبر ما يجعله يسمع قصيدة من مائة بيت دون أن يمل.. ثم إن الأمر لم يكن كله غناءً.. بل تضمنت مسرحيات شوقي التي سبقت البخيلة والست هدى وأميرة الأندلس حوارات تستوفي كافة معايير الحوار المسرحي الناجح وفق المعايير الغربية.. وأزعم واثقًا أن لجوء شوقي إلى المقاطع الحوارية الطويلة لم يكن أبدًا لضعف في وعيه بآليات عمل المسرح، وإنما كان له ثلاثة أسباب، أولها: قدرته المرعبة على الاسترسال في الكتابة لوقت طويل، والثاني: رغبته في إمتاع قارئ المسرحية على الورق، ومشاهدها في المسرح، والثالث: طبيعة النص المسرحي واتصاله بزمن أو أبطال يمكن معهم فتح المساحة للاسترسال.. بدليل أن المساحات الشعرية الواسعة في مسرح شوقي ظهرت أكثر في المسرحيات التي كان أبطالها من العرب مثل: مجنون ليلى، وعنترة.. أو تقوم على قصة حب مثل: مصرع كليوباترا.. بينما في المسرحيات التي لا تحتمل هذا الاسترسال نجد حوارات قصيرة وجملاً مسرحية قياسية.. مثل علي بك الكبير، وقمبيز، وصولاً إلى البخيلة والست هدى، وحتى أميرة الأندلس النثرية..

مكانة شوقي في هرم الشعر العربي:
ربما يؤخر بعض النقاد شوقي عن غيره.. وربما تكون لكل منهم أسبابه الوجيهة.. ولكن هناك ملاحظات لا تخطئها عين يمكن رصدها في الآتي:
أولاً: أن بعض تلك الآراء يصدر عن حسد أو بغض لشوقي أو رغبة في الصعود على كتفيه، على نحو ما نجد عند الدكتور طه حسين الذي فضل عليه حافظًا.. بينما حافظ نفسه بايع شوقي بالإمارة وكان يقر إقرار المقتنع بأن شوقي أعظم منه وأطول باعًا في الشعر وحده، فما بالنا إن أضفنا إلى شوقي بقية ما يملكه من رصيد في تجليات الشعر الأخرى... ومثل الأستاذ العقاد الذي شن وأصحابه هجومًا شرسًا ضد شوقي تراجع عنه بعد وفاة شوقي واعترف له بالسبق والتفوق على معاصريه.. كما اعترف الدكتور طه حسين بأن هجومه هو والعقاد على شوقي كان بدافع الرغبة في أن يعرفهم الناس لأن شوقي هو الهرم الكبير الذي إن تناولناه بالقدح نظر إلينا الناس...
ثانيًا: أن بعض أصحاب تلك الآراء يتجاهلون عامدين أو ساهين أن مقارنة شوقي مع غيره لا تجوز دون إدراج كل الرصيد الذي تركه شوقي بكل الرصيد الذي تركه سواه.. فاقتصروا على المقارنة بين شوقي والمتنبي أو شوقي ونزار أو غيرهما.. على شعر شوقي الغنائي.. ولقد كانت النظرة المنصفة أن تضاف إلى شوقي نقاط إضافية في المقارنة بسبب ما قدمه من جهد مدهش في المسرح والملحمة وشعر الأطفال.. ولا سيما أن هؤلاء المقارنين في أغلبهم عالة على الغرب في أغلب أفكارهم ومعتقداتهم الفنية.. والغرب يرى أن الشعر هو القسمان معًا (الغناء والمسرح.. بالإضافة إلى الحال الوسط المتجسدة في الملحمة).. وقد كتب شوقي فيها جميعًا.. بل إنني كنت وما زلت أتبنى طرحًا في هذا الشأن، تدعمه التجارب العملية في الغرب، مفاده أن كتابة الغناء هي خطوة نحو كتابة المسرح، والشاعر الغنائي نفسه هو طور غير ناضج من الشاعر يبلغ ذروة نضوجه بكتابة المسرح.. والشاعر الذي يتوقف عند كتابة الشعر الغنائي هو شاعر ناقص المشروع يستحق خصم نقاط من رصيده عند مقارنته بغيره....

ثالثًا: يتحدث بعض هؤلاء عن شوقي المقلد الذي استعاد كبار سابقيه من الشعراء فكانت مهمته أيسر، وأنه حتى في هذه المهمة الأيسر لم يصل إلى ما وصلوا إليه.. وهذا في رأيي افتراء على شوقي.. ومع افتراض حسن النية الذي لا أظنه متوفرًا لديهم، فإنه اتهام دون دليل يتشدق به هؤلاء، سواء كبارهم الذين سبق أن فندنا آراءهم بشأن شوقي وعلاقته بسابقيه.. أو صغارهم (أقصد سنًا) الذين يصرون على هذا الرأي الساذج.. ولقد سبق أن بينا في أول هذا الكلام أسباب تفوق شوقي وبراعته الفنية.. ونضيف إليها أن شوقي عارض أغلب كبار الشعراء العرب في عصور الازدهار، وأنه في كثير من تلك الجولات كان أشعر من الذين عارضهم على نحو ما ورد بأول هذا المقال.. غير أن الأهم عندي أن شوقي لم يكتف بمعارضة هؤلاء.. فقد عارض أبطاله الشعراء، مثل عنترة، ومجنون ليلى، والمعتمد بن عباد.. من خلال التحدث بألسنتهم.. وكانت النتيجة جمالاً أحسب أن كلاً منهم لو حضر واستمع إليه لاعترف لشوقي بالفضل والسبق.. انظر إلى ما يقوله على لسان قيس:
جبــل التوبــاد حيــاك الحيـا **** وســقى اللــه صــبانا ورعــى
فيـك ناغينـا الهـوى فـى مهـده **** ورضـــعناه فكنـــتَ المرضــعا
وعلـــى ســـفحك عشــنا زمنــا **** ورعينـــا غنــم الأهــل معــا
وحــدونا الشــمس فــى مغربهـا **** وبكرنـــا فســبقنا المطلعــا
هــذه الربــوة كــانت ملعبــا **** لشـــبابينا وكـــانت مرتعـــا
كــم بنينـا مـن حصـاها أربعـا **** و انثنينــا فمحونــا الأربعـا
وخططنـا فـى نقـى الرمـل فلـم **** تحفــظ الريـح ولا الرمـل وعـى
لــم تــزل ليلـى بعينـى طفلـة **** لــم تـزد عـن أمـس إلا أصـبعا
مـــا لآحجـــارك صـــما كلمــا **** هـاج بـى الشـوق أبت أن تسمعا
كلمــا جئتــك راجعــت الصــبا **** فـــأبت أيـــامه أن ترجعـــا
قــد يهــون العمــر إلا سـاعة **** وتهـــــون الارض إلا موضـــــعا

وما يقوله على لسان عنترة:
حسبي النوى عبلَ ما في التمر لي أربٌ **** مناي كل نواة خالطت فاكِ
التمر أطيب ما فيه النواة إذا **** مرت بثغرك أو مست ثناياكِ
لقد مررتُ بوادٍ غير ذي شجرٍ **** نضرٍ وإن لم يصبه الغيث ضحاكِ
مُطيَّبٍ نفحتني منه رائحةٌ **** كالمسك يا عبلَ أو تعلو على ذاكِ
فقلت عبلةُ في الوادي مشت ورمت **** على نواحيه من فيها بمسواكِ

وللذين يقولون إن الجمل الطويلة عند شوقي تفسد قضية المسرح وتؤثر على تدفق الأحداث، نريد منهم رأيًا موضوعيًا بشأن الجمل الحوارية الطويلة عند بعض كبار كتاب المسرح الشعري في العالم.. إن عددًا لا بأس به من أعظم القطع الفنية في تاريخ المسرح اشتمل على جمل حوارية شديدة الطول.. ولك أن تتخيل أن العظيم شيكسبير، وهو من هو في عالم المسرح، يضع هذه الجملة على لسان هنري الخامس في المسرحية التي تحمل اسمه:
King Henry V: What’s he that wishes so?
My cousin Westmoreland? No, my fair cousin:
If we are mark’d to die, we are enow
To do our country loss; and if to live,
The fewer men, the greater share of honour.
God’s will! I pray thee, wish not one man more.
By Jove, I am not covetous for gold,
Nor care I who doth feed upon my cost;
It yearns me not if men my garments wear;
Such outward things dwell not in my desires:
But if it be a sin to covet honour,
I am the most offending soul alive.
No, faith, my coz, wish not a man from England:
God’s peace! I would not lose so great an honour
As one man more, methinks, would share from me
For the best hope I have. O, do not wish one more!
Rather proclaim it, Westmoreland, through my host,
That he which hath no stomach to this fight,
Let him depart; his passport shall be made
And crowns for convoy put into his purse:
We would not die in that man’s company
That fears his fellowship to die with us.
This day is called the feast of Crispian:
He that outlives this day, and comes safe home,
Will stand a tip-toe when the day is named,
And rouse him at the name of Crispian.
He that shall live this day, and see old age,
Will yearly on the vigil feast his neighbours,
And say ‘To-morrow is Saint Crispian:’
Then will he strip his sleeve and show his scars.
And say ‘These wounds I had on Crispin’s day.’
Old men forget: yet all shall be forgot,
But he’ll remember with advantages
What feats he did that day: then shall our names.
Familiar in his mouth as household words
Harry the king, Bedford and Exeter,
Warwick and Talbot, Salisbury and Gloucester,
Be in their flowing cups freshly remember’d.
This story shall the good man teach his son;
And Crispin Crispian shall ne’er go by,
From this day to the ending of the world,
But we in it shall be remember’d;
We few, we happy few, we band of brothers;
For he to-day that sheds his blood with me
Shall be my brother; be he ne’er so vile,
This day shall gentle his condition:
And gentlemen in England now a-bed
Shall think themselves accursed they were not here,
And hold their manhoods cheap whiles any speaks
That fought with us upon Saint Crispin’s day.
وغير بعيد عنها نجد خطبة بيرون في مسرحية خاب سعي العشاق (Love’s Labor’s Lost).. ومناجاة ريتشارد الثالث في مسرحية (هنري السادس)... إلخ.

واتصالاً بالحديث عن مسرح شوقي الشعري يبرز ملمح مدهش ربما لا يوليه كثير من سادتنا النقاد ما يستحق من العناية.. وأعني به قدرته المدهشة على تقسيم البيت الشعري على المتحاورين.. إلى درجة أن الحوار قد يروح ويجيء بين المتحاورين في البيت الواحد.. وقد يشترك في البيت ثلاثة أو أربعة أشخاص.. وهي لعمر الله قدرة لا أظن أحدًا غير شوقي امتلكها بهذه البراعة وبهذا الكم الكبير.. بل إن أغلب كتاب المسرح الشعري في بلادنا هرب من تلك المهمة الصعبة فتخلى في مسرحياته عن القافية واستخدم التفعيلة لينتهي من هذا الهم ويتفرغ لفكرته.. وهنا يثور السؤال.. لماذا يطرح بعض أساتذتنا فكرة أن المتنبي أو غيره أعلى من شوقي؟

إن الذين يحاولون، عبثًا، الحط من شأن شوقي أو تأخيره عن هذا الشاعر أو ذاك.. يتجاهلون أو ينسون أن مشروع شوقي كاملاً يبز كل منافس له من سابقيه ولاحقيه.. لا أستثنى المتنبي ولا أبا العلاء ولا نزارًا ولا غيرهم.. لأن كل واحد من هؤلاء كان له سهم ضرب به في جهة من جهات الشعر فبرز.. بينما شوقي ضرب بسهم في كل جهة.. فبرز وسبق وأنهى السباق وجلس متكئًا على أريكته في كرمته ينظر من شرفتها إلى كل من عداه من المبدعين الذين أقصى آمالهم الحضور وقوفًا بين يديه في حديقة الكرمة.. وهذا والله لا هو غرور ولا هو شوفينية.. وإنما هو طرح علمي بحت يتذرع بأسباب فنية موضوعية.. وهي تؤكد أن شوقي بك، رحمه الله، كان في كل، أو أغلب، إسهاماته، الرأس الشامخ الذي طاول الكبار وفاقهم طولاً، والرائد المجدد الذي سار وراءه غيره وبنوا على ما أسس، والنهر شديد التدفق الذي تفرعت منه الجداول..
وختامًا.. فإنني أستطيع أن أزعم، غير كاذب إن شاء الله، أن مشروع شوقي الإبداعي هو المشروع الأكثر اكتمالاً في تاريخ الشعر العربي.. الذي نستطيع أن نقدمه للعالم ونقول له: تفضل هذا المشروع يمثلنا في جهة الشعر ويتحدث بلساننا ويستطيع الصمود في المنافسة أمام كثير من الأسماء الكبرى في تاريخ الشعر العالمي"..
وأثق أن أي ناقد غربي أو شرقي منصف يطلع على هذا المشروع كاملاً ستكون إجابته الواضحة تأكيد هذه المقولة والتعبير عن الاندهاش لأننا قضينا وقتًا طويلاً نصدر إليهم أسماء ومشروعات شعرية لا تملك من الإمكانات والأبعاد والأعماق ما يُمَكِّنُها من الصمود بضع ثوانٍ في مواجهة شاعر غربي من الدرجة الثانية أو الثالثة... ولكن بعض أبناء جلدتنا يعيشون عقدة نقص مؤسفة تجعلهم يتلذذون بما هم فيه من دونية تجاه كل آخر.. ويتفننون في إهالة التراب على كل جميل نتج من قرائح أبناء بلادنا.. ويظلون يصرخون: فلان أشعر من شوقي.. وشوقي لم يضف لسابقيه جديدًا.. ولاحقو شوقي تفوقوا عليه.. إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يستحق عناء ترديده... وبالله لو وقف هؤلاء مع أنفسهم وقفة صدق لشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين..
رحم الله أمير الشعراء.. وجزاه عنا وعن ثقافتنا وعن فن العربية الأول في تجلياته المختلفة خير الجزاء..

@متابعين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...