في الصيف، حين يفر الناس من المدن إلى البحر، وتصير الشواطئ والمنتجعات والحدائق وجهة لمن أنهكهم عام كامل من العمل، جاءت تلك السيدة من فرنسا إلى المغرب لوجهة أخرى تماما.
كان يبدو عليها التقدم في السن ؛ امرأة أراها قد وضعت العمل جانبا، وأنزلت سلاحها قليلا، كاستراحة محارب بعد معركة طويلة . جاءت من أوروبا ، لا تحمل في حقيبتها برنامجا للسياحة، ولا قائمة بأسماء الأماكن التي ينبغي أن تزورها، وإنما تحمل مشروعا واحدا لا تريد أن تحيد عنه ، ولن ترجع إلى مكان إقامتها حتى تنفذ ما تطمح من أجله .
جاءت تبحث عن كتب أستاذها سعيد بنكراد ، لم تكن تريد كتابا أو كتابين، ولا عنوانا بعينه ، إنما تتملكها رغبة جامحة من أجل تجميع كل ما خطته يداه: ما ألّفه، وما ترجمه، حتى المقالات المبثوثة في المجلاّت ..وكل ما استطاعت أن تصل إليه من أعماله، حتى تصنع لنفسها مكتبة صغيرة تختزن فيها أثر رجل ترك في روحها ما هو أبعد من الدرس والمعرفة.
قالت لي كلاما بقي عالقا في ذاكرتي: " أشعر أن فوق عاتقي جميلا لن أستطيع أن أردّه له، مهما حاولت ؛ لكن أقل جميل يمكنني أن أجازيه به، أن أجمع حروفه كلها في خزانتي، وأن أعتز بها وأفتخر ، وسأقول بملء فمي: هذا أستاذي."
عندها أدركت أن بعض التلاميذ لا يغادرون مدرّسيهم حين تنتهي سنوات الدراسة ، هناك من يظل أستاذه يسكن في ذاكرته، في مكتبته، وفي اختياراته، وربما في الطريقة التي ينظر بها إلى العالم.
كان يمكنها أن تقضي صيفها بين البحر والمقاهي والمواقع السياحية، لكنها اختارت أن تُمضي أيامها بين الرفوف، تنقب عن الكتب كما يفتّش المرء عن شيء ثمين ضاع منه منذ زمن ، وكأنها لا تجمع كتبا فحسب ، لكنها تلملم أثرا .
وحين غادرت المكتبة، وهي تحمل بين يديها بعض كتب أستاذها، شعرت كأنني ساعدتها على أن تضع شيئا من الوفاء في خزانتها.
كان يبدو عليها التقدم في السن ؛ امرأة أراها قد وضعت العمل جانبا، وأنزلت سلاحها قليلا، كاستراحة محارب بعد معركة طويلة . جاءت من أوروبا ، لا تحمل في حقيبتها برنامجا للسياحة، ولا قائمة بأسماء الأماكن التي ينبغي أن تزورها، وإنما تحمل مشروعا واحدا لا تريد أن تحيد عنه ، ولن ترجع إلى مكان إقامتها حتى تنفذ ما تطمح من أجله .
جاءت تبحث عن كتب أستاذها سعيد بنكراد ، لم تكن تريد كتابا أو كتابين، ولا عنوانا بعينه ، إنما تتملكها رغبة جامحة من أجل تجميع كل ما خطته يداه: ما ألّفه، وما ترجمه، حتى المقالات المبثوثة في المجلاّت ..وكل ما استطاعت أن تصل إليه من أعماله، حتى تصنع لنفسها مكتبة صغيرة تختزن فيها أثر رجل ترك في روحها ما هو أبعد من الدرس والمعرفة.
قالت لي كلاما بقي عالقا في ذاكرتي: " أشعر أن فوق عاتقي جميلا لن أستطيع أن أردّه له، مهما حاولت ؛ لكن أقل جميل يمكنني أن أجازيه به، أن أجمع حروفه كلها في خزانتي، وأن أعتز بها وأفتخر ، وسأقول بملء فمي: هذا أستاذي."
عندها أدركت أن بعض التلاميذ لا يغادرون مدرّسيهم حين تنتهي سنوات الدراسة ، هناك من يظل أستاذه يسكن في ذاكرته، في مكتبته، وفي اختياراته، وربما في الطريقة التي ينظر بها إلى العالم.
كان يمكنها أن تقضي صيفها بين البحر والمقاهي والمواقع السياحية، لكنها اختارت أن تُمضي أيامها بين الرفوف، تنقب عن الكتب كما يفتّش المرء عن شيء ثمين ضاع منه منذ زمن ، وكأنها لا تجمع كتبا فحسب ، لكنها تلملم أثرا .
وحين غادرت المكتبة، وهي تحمل بين يديها بعض كتب أستاذها، شعرت كأنني ساعدتها على أن تضع شيئا من الوفاء في خزانتها.