أحاول، وأنا أمارس حرفة بيع الكتب، أن أكون قريبا من جميع التخصصات، وأن أفتح قلبي لكل صنوف المعرفة؛ فبائع الكتب لا يستطيع أن ينحاز طويلا إلى رف واحد، ولا أن يسجن نفسه داخل تخصص بعينه ؛ عليه أن يصاحب الجميع، وأن يعرف شيئا عن كل شيء، وأن يظل بعيدا عن الخنادق الفكرية والمواقف الجاهزة، لأن الكتاب، في النهاية، لا يسأل بائعَه عن موقفه قبل أن يستقر على الرف.
ومع ذلك، اكتشفت في الآونة الأخيرة أن لي ميلا خاصا لا أستطيع مقاومته؛ كلما وقعت يدي على سيرة أو مذكرات ، أو ترجمة، أو فهرست ، أو ببليوغرافيا، شعرت بشيء يشبه الحنين إلى زمن مضى دون أن يغادرني.
فتشت في خبايا الذاكرة عن أصل هذا الميل، وعن اليد الخفية التي قادتني، منذ سنوات بعيدة، إلى هذا النوع من الكتب، فإذا بي أعود إلى تسعينيات القرن الماضي، إلى مدرستي "مكتبة منار العرفان"، حيث كنت أخطو خطواتي الأولى في عالم الكتب، وأحاول أن أفك شيفراته وأتعرف إلى لغته وأسراره.
هناك كان يزورنا، مساء كل يوم تقريبا، الصحافي القدير عبد القادر الإدريسي ، كان يتصدر المجلس، ونطلب له قهوة بالحليب، ثم يبدأ الحديث.
لم يكن حديثا عابرا، ولا كلاما يُقال لملء المساء؛ كان يفتح أمامنا أبوابا واسعة لا نراها ، يحدثنا عن قراءاته، عن الكتب التي توقفت عندها ذاكرته، عن رجال ونساء تركوا في نفسه أثرا لا يمحى، عن أسفاره الطويلة إلى مصر وتركيا والسعودية ...، وعن التيارات الفكرية والسياسية، وعن الكتب الجديدة، وعن أكثر المؤلفات رواجا في سوق الكتاب العربي.
وكان، من حيث لا يدري، يضع بين يديّ خرائط سرية لعالم لم أكن قد دخلته بعد ، كنت أجلس منصتا ، ألتقط أسماء الشخصيات كما يلتقط المرء أحجارا كريمة من نهر عابر، وأحفظ عناوين الكتب، وأتعقب أسماء المؤلفين، وأندهش من حياة كاملة يمكن أن تختبئ خلف اسم صغير على غلاف كتاب.
ومن خلاله عرفت، شيئا فشيئا، أن وراء كل ترجمة حكاية، ووراء كل سيرة زمنا، ووراء كل اسم مكتبة من العلاقات والرحلات والأفكار والمواقف ، وعرفت أيضا أن الببليوغرافيا ليست مجرد قوائم باردة للعناوين؛ إنها ذاكرة الكتب نفسها، وأن كتب التراجم والسِّير ليست مجرد حكايات عن الذين رحلوا، بل محاولة لإنقاذهم من النسيان.
كان الأستاذ عبد القادر الإدريسي يتحدث، وكنت أنا أنصت ، ولم أكن يومها أعرف أن ذلك الشاب الذي يجلس في زاوية المجلس، ويصغي إلى حديث رجل أكبر منه تجربة ومعرفة، كان يتلقى أول دروسه في حب السير والتراجم والمذكرات.
لم يعطني كتابا في ذلك الوقت، ولكن قال لي : اقرأ هذا وذاك ، نصحني بقراءة مقدمات وفهارس الكتب ، جعلني أحب الكتاب قبل أن أعرف كيف أختاره .
وبعد سنوات طويلة، حين صرت بائع كتب، اكتشفت أن بعض اختياراتنا القرائية لا تبدأ يوم نفتح الكتاب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ ربما في مجلس عابر، أو في حديث رجل أحب الكتب وأحب الناس الذين صنعتهم الكتب، أو في مساء قديم لم نكن نظن أنه سيظل حيا في ذاكرتنا كل هذه العقود.
لذلك، كلما وجدتني أبحث بشغف عن سيرة مجهولة، أو ترجمة قديمة، أو كتاب مذكرات نادر، أو ببليوغرافيا مهجورة، أتذكر ذلك المجلس الصغير في مكتبة منار العرفان، وأتذكر ذلك المثقف النبيل الذي كان يحتسي قهوته بالحليب ويتحدث عن الذين أحبهم من أهل الفكر والأدب.
وأقول في سري: بعض الناس لا يعلّموننا القراءة مباشرة، لكنهم يتركون في أرواحنا حبّا للكتب ؛ ولعل أجمل ما في حرفة بائع الكتب أن تكتشف، بعد كل هذه السنين، أن بعض ما تظنه اختيارا شخصيا في ذائقتك، لم يكن اختيارا منك وحدك؛ كان هناك، في مكان ما من الماضي، شخص ما وضع البذرة في قلبك، ثم ترك للزمن مهمة إنباتها ، أما أنا فما زلت كلما فتحت كتابا في السيرة الذاتية أو التراجم، أشعر أنني أعود، للحظات، إلى ذلك المجلس القديم ، حيث كانت قهوة بالحليب، ورجل يتحدث عن الكتب، وشاب صغير يتعلم، دون أن يدري، كيف يصبح بائع كتب.
ومع ذلك، اكتشفت في الآونة الأخيرة أن لي ميلا خاصا لا أستطيع مقاومته؛ كلما وقعت يدي على سيرة أو مذكرات ، أو ترجمة، أو فهرست ، أو ببليوغرافيا، شعرت بشيء يشبه الحنين إلى زمن مضى دون أن يغادرني.
فتشت في خبايا الذاكرة عن أصل هذا الميل، وعن اليد الخفية التي قادتني، منذ سنوات بعيدة، إلى هذا النوع من الكتب، فإذا بي أعود إلى تسعينيات القرن الماضي، إلى مدرستي "مكتبة منار العرفان"، حيث كنت أخطو خطواتي الأولى في عالم الكتب، وأحاول أن أفك شيفراته وأتعرف إلى لغته وأسراره.
هناك كان يزورنا، مساء كل يوم تقريبا، الصحافي القدير عبد القادر الإدريسي ، كان يتصدر المجلس، ونطلب له قهوة بالحليب، ثم يبدأ الحديث.
لم يكن حديثا عابرا، ولا كلاما يُقال لملء المساء؛ كان يفتح أمامنا أبوابا واسعة لا نراها ، يحدثنا عن قراءاته، عن الكتب التي توقفت عندها ذاكرته، عن رجال ونساء تركوا في نفسه أثرا لا يمحى، عن أسفاره الطويلة إلى مصر وتركيا والسعودية ...، وعن التيارات الفكرية والسياسية، وعن الكتب الجديدة، وعن أكثر المؤلفات رواجا في سوق الكتاب العربي.
وكان، من حيث لا يدري، يضع بين يديّ خرائط سرية لعالم لم أكن قد دخلته بعد ، كنت أجلس منصتا ، ألتقط أسماء الشخصيات كما يلتقط المرء أحجارا كريمة من نهر عابر، وأحفظ عناوين الكتب، وأتعقب أسماء المؤلفين، وأندهش من حياة كاملة يمكن أن تختبئ خلف اسم صغير على غلاف كتاب.
ومن خلاله عرفت، شيئا فشيئا، أن وراء كل ترجمة حكاية، ووراء كل سيرة زمنا، ووراء كل اسم مكتبة من العلاقات والرحلات والأفكار والمواقف ، وعرفت أيضا أن الببليوغرافيا ليست مجرد قوائم باردة للعناوين؛ إنها ذاكرة الكتب نفسها، وأن كتب التراجم والسِّير ليست مجرد حكايات عن الذين رحلوا، بل محاولة لإنقاذهم من النسيان.
كان الأستاذ عبد القادر الإدريسي يتحدث، وكنت أنا أنصت ، ولم أكن يومها أعرف أن ذلك الشاب الذي يجلس في زاوية المجلس، ويصغي إلى حديث رجل أكبر منه تجربة ومعرفة، كان يتلقى أول دروسه في حب السير والتراجم والمذكرات.
لم يعطني كتابا في ذلك الوقت، ولكن قال لي : اقرأ هذا وذاك ، نصحني بقراءة مقدمات وفهارس الكتب ، جعلني أحب الكتاب قبل أن أعرف كيف أختاره .
وبعد سنوات طويلة، حين صرت بائع كتب، اكتشفت أن بعض اختياراتنا القرائية لا تبدأ يوم نفتح الكتاب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ ربما في مجلس عابر، أو في حديث رجل أحب الكتب وأحب الناس الذين صنعتهم الكتب، أو في مساء قديم لم نكن نظن أنه سيظل حيا في ذاكرتنا كل هذه العقود.
لذلك، كلما وجدتني أبحث بشغف عن سيرة مجهولة، أو ترجمة قديمة، أو كتاب مذكرات نادر، أو ببليوغرافيا مهجورة، أتذكر ذلك المجلس الصغير في مكتبة منار العرفان، وأتذكر ذلك المثقف النبيل الذي كان يحتسي قهوته بالحليب ويتحدث عن الذين أحبهم من أهل الفكر والأدب.
وأقول في سري: بعض الناس لا يعلّموننا القراءة مباشرة، لكنهم يتركون في أرواحنا حبّا للكتب ؛ ولعل أجمل ما في حرفة بائع الكتب أن تكتشف، بعد كل هذه السنين، أن بعض ما تظنه اختيارا شخصيا في ذائقتك، لم يكن اختيارا منك وحدك؛ كان هناك، في مكان ما من الماضي، شخص ما وضع البذرة في قلبك، ثم ترك للزمن مهمة إنباتها ، أما أنا فما زلت كلما فتحت كتابا في السيرة الذاتية أو التراجم، أشعر أنني أعود، للحظات، إلى ذلك المجلس القديم ، حيث كانت قهوة بالحليب، ورجل يتحدث عن الكتب، وشاب صغير يتعلم، دون أن يدري، كيف يصبح بائع كتب.