مقدمة
شكل العقل الاقتصادي السياسي أحد أهم المكونات المكونة للوعي الحضاري لأي أمة، فهو ليس مجرد مجموع تقنيات إدارة الموارد أو توزيع الثروات، بل هو نسق فكري ووجداني يحدد كيفية إدراك الجماعة البشرية لعلاقة الإنسان بالمال والسلطة والزمان والمكان. وفي الثقافة العربية والإسلامية، اكتسب هذا العقل طابعاً خاصاً نشأ من تفاعل النص الديني مع التجربة التاريخية العمرانية، ومع تحديات التمدن والانحطاط والنهضة. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا العقل ونقده من الداخل، لا من موقع خارجي يستورد معايير حداثية جاهزة، بل من موقع عمراني تاريخي يضع التجربة الإسلامية العربية في سياقها الخاص: سياق دورة الحضارة كما فهمها ابن خلدون، وسياق الشريعة كإطار قيمي للاقتصاد، وسياق السلطة كحاضنة أو معيقة للعمران. والنقد هنا لا يعني الهدم المجاني، بل الكشف عن نقاط القوة والقصور، وعن آليات الجمود والقدرة على التجدد. فهل يمكن نقد العقل الاقتصادي السياسي في الثقافة العربية والإسلامية؟ وماهي خصوصية مقاربة تاريخية عمرانية؟
أولاً: الإطار المفاهيمي للعقل الاقتصادي السياسي في السياق العربي الإسلامي
العقل الاقتصادي السياسي ليس عقلاً محايداً. هو عقل مشروط بثلاثة مستويات متداخلة: المستوى القيمي (ما يجوز وما لا يجوز في اكتساب المال وإنفاقه)، والمستوى المعرفي (كيف تُفهم آليات الإنتاج والتوزيع والتبادل)، والمستوى السياسي (من يتحكم في الموارد وكيف تُوظف السلطة في إعادة توزيعها). في الثقافة الإسلامية المبكرة، لم يكن هذا العقل منفصلاً عن الرؤية التوحيدية للكون. فالمال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، والعدل قيمة مركزية تتقدم على مجرد الكفاءة الكمية. غير أن هذه الرؤية النظرية واجهت منذ اللحظة التأسيسية تحديات واقعية: توسع الدولة، ظهور الطبقات، تحول الغنيمة إلى ضريبة، وتحول الخلافة إلى ملك. ومن هنا بدأ التوتر البنيوي بين المثال والممارسة، وهو التوتر الذي سيظل يلازم العقل الاقتصادي السياسي العربي الإسلامي عبر القرون.
ثانياً: المرحلة التأسيسية: من الاقتصاد النبوي إلى تجربة الراشدين
في العهد النبوي والراشدي، كان الاقتصاد السياسي بسيطاً نسبياً ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجماعة. الزكاة والخمس والجزية والخراج شكلت أدوات إعادة توزيع محدودة، لكنها فاعلة في مجتمع صغير الحجم نسبياً. كانت الغنيمة مصدر تمويل أساسياً للدولة الفاتحة، مما جعل الاقتصاد مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالتوسع العسكري. هذا الارتباط أنتج مفارقة مبكرة: نجاح الفتوحات أدى إلى تدفق ثروات هائلة، لكنه في الوقت نفسه خلق طبقات جديدة من الأثرياء (الصحابة الكبار، ثم الأمويون) وعمّق الفوارق الاجتماعية. ظهرت أولى بوادر النقد الداخلي في موقف بعض الصحابة من كنز الذهب والفضة، وفي موقف الخوارج الرافض للتحكيم السياسي-الاقتصادي، وفي ثورة الزبيريين ثم العباسيين الذين استغلوا الخطاب الاجتماعي ضد «الأمويين الجباة». العقل الاقتصادي في هذه المرحلة كان لا يزال يتحرك داخل إطار أخلاقي-ديني قوي، لكنه بدأ يكتشف حدود هذا الإطار أمام تعقيدات الإمبراطورية.
ثالثاً: العصر الإمبراطوري: من الأمويين إلى العباسيين والمماليك والعثمانيين
مع تحول الدولة إلى إمبراطورية، ظهرت آليات أكثر تعقيداً: نظام الخراج، الإقطاع العسكري، نظام الإقطاع الإداري، ثم نظام الالتزام. أصبح الاقتصاد السياسي يدور حول سؤال مركزي: كيف تضمن الدولة استمرارية الموارد دون أن تدمر القاعدة الإنتاجية؟ هنا تبرز عبقرية ابن خلدون كناقد عمراني. فقد رأى أن الدورة الحضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد السياسي: العصبية القبلية تولّد الدولة، والدولة في طورها الأول تكون مقتصدة وعادلة نسبياً فتزدهر العمران، ثم يدخل الحكام في طور الترف والاستبداد فيرتفعون الضرائب ويضعفون العصبية، فينهار العمران. هذا التحليل ليس مجرد وصف تاريخي، بل نقد عميق للعقل السياسي الذي يظن أن زيادة الجباية تعني زيادة القوة، بينما هي في الحقيقة بداية الضعف. في العصر العباسي المتأخر والمملوكي والعثماني، تطور ما يمكن تسميته «العقل الجبائي». أصبحت الدولة تنظر إلى الرعية أساساً كمصدر للضرائب، لا كشريك في العمران. ظهر نظام الالتزام الذي حوّل الجباية إلى صفقة خاصة، مما أدى إلى استنزاف الفلاحين والحرفيين. وفي الوقت نفسه، ظل الخطاب الرسمي يردد مبادئ الشريعة في تحريم الربا والاحتكار، بينما كانت الممارسة اليومية تخلق أشكالاً متعددة من الربا المقنع والاستغلال. هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة أنتج عقلاً مزدوجاً: عقل فقهي نظري يحافظ على طهارته النظرية، وعقل عملي براغماتي يبرر ما تفرضه ضرورات السلطة.
رابعاً: نقد العقل الفقهي الاقتصادي
الفقه الإسلامي أنتج أدبيات غنية في المعاملات: البيوع، الشركات، المضاربة، السلم، الاستصناع. غير أن هذا الفقه ظل في معظمه فقه جزئيات، يتعامل مع العقود الفردية أكثر مما يتعامل مع البنية الكلية للاقتصاد. من أبرز نقاط الضعف في هذا العقل:
التركيز المفرط على تحريم الربا دون تطوير بدائل مؤسسية قادرة على تمويل الاقتصاد الكبير الحجم.
النظر إلى الملكية الخاصة نظرة شبه مطلقة في بعض المذاهب، مما أعاق فكرة المصلحة العامة في بعض الحالات.
ضعف الاهتمام بالجانب الإنتاجي مقارنة بالجانب التوزيعي. فالزكاة والصدقات أدوات توزيع، لكن السؤال عن كيفية توليد الثروة أصلاً ظل أقل حضوراً.
الجمود النسبي أمام التحولات الكبيرة: ظهور الرأسمالية التجارية ثم الصناعية، وظهور النقود الورقية والبنوك الحديثة، واجهها العقل الفقهي في كثير من الأحيان بردود دفاعية أكثر منها إبداعية.
هذا لا ينفي وجود اجتهادات مهمة في بعض العصور، لكنه يشير إلى ميل بنيوي نحو المحافظة على الأشكال أكثر من الاهتمام بالوظائف.
خامساً: الحقبة الاستعمارية وما بعدها: صدمة الحداثة الاقتصادية
شكل الدخول الاستعماري صدمة مزدوجة: صدمة عسكرية-سياسية وصدمة اقتصادية-معرفية. اكتشف العقل العربي الإسلامي فجأة أن النموذج الذي كان يعتبره مكتملاً قد أصبح هامشياً في العالم. ظهرت أسئلة جديدة: لماذا تقدموا وتأخرنا؟ هل المشكلة في الدين أم في فهم الدين أم في بنية السلطة؟
في هذه المرحلة، انقسم العقل الاقتصادي السياسي إلى تيارات متباينة:
تيار إصلاحي يحاول التوفيق بين الشريعة والرأسمالية الغربية، فيقبل بالبنوك مع محاولة «أسلمتها».
تيار اشتراكي قومي يرى في الدولة أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنه غالباً ما أنتج بيروقراطية فاسدة واقتصاداً ريعياً.
تيار سلفي يرفض معظم المؤسسات الحديثة ويطالب بالعودة إلى نموذج مثالي متخيل.
تيار ليبرالي يفصل بين الاقتصاد والسياسة والدين تماماً.
المشترك بين هذه التيارات في كثير من الأحيان هو غياب الرؤية العمرانية الخلدونية: أي فهم الاقتصاد كجزء من دورة حضارية كاملة تشمل الأخلاق والعصبية والعلم والعمران المادي.
سادساً: الاقتصاد الريعي وأزمة العقل السياسي المعاصر
في معظم البلاد العربية المعاصرة، أصبح النفط أو الغاز أو المساعدات الخارجية أو تحويلات المهاجرين المصدر الرئيسي للثروة. هذا الاقتصاد الريعي أعاد إنتاج عقل سياسي خاص: عقل لا يحتاج إلى مجتمع منتج ليبقى، لأنه يحصل على الريع من الخارج أو من باطن الأرض. نتائج هذا العقل وخيمة:
ضعف الحاجة إلى بناء مؤسسات إنتاجية حقيقية.
تفكك العقد الاجتماعي التقليدي: المواطن يحصل على جزء من الريع مقابل الولاء السياسي، لا مقابل المشاركة الإنتاجية.
تضخم دور الدولة كموزع للريع، وضعف المجتمع المدني والمبادرة الخاصة.
صعوبة الانتقال إلى اقتصاد المعرفة أو الاقتصاد الصناعي، لأن الريع يشوه الحوافز.
هنا يظهر نقد جوهري: العقل الاقتصادي السياسي العربي المعاصر لم ينجح في تحويل الثروة الريعية إلى رأسمال عمراني مستدام. بل حولها في كثير من الحالات إلى أداة لشراء الاستقرار السياسي قصير الأمد. سابعاً: البعد العمراني للنقد
العمران عند ابن خلدون ليس مجرد بناء المدن، بل هو جملة الشروط التي تجعل الاجتماع الإنساني منتجاً ومستمراً. والعقل الاقتصادي السياسي الذي يدمر هذه الشروط هو عقل انتحاري حضارياً. من علامات هذا التدمير:
إهمال التعليم المنتج لصالح التعليم الشكلي.
تدمير الثقة الاجتماعية التي هي أساس أي تبادل اقتصادي صحي.
تحويل المدن إلى فضاءات استهلاكية لا إنتاجية.
هجرة العقول والكفاءات بسبب غياب الفرص والعدالة.
المقاربة العمرانية تفرض علينا أن نسأل: أي عقل اقتصادي سياسي يبني عصبية جديدة قادرة على حمل مشروع حضاري؟ وأي عقل يدمرها؟
خاتمة
نقد العقل الاقتصادي السياسي في الثقافة العربية والإسلامية ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عمرانية. لقد أنتج هذا العقل إنجازات تاريخية هائلة في مراحل معينة، لكنه حمل في بنيته ميولاً نحو الجمود والانفصام بين المثال والممارسة، ونحو تغليب منطق الجباية على منطق الإنتاج، ونحو الركون إلى الريع بدلاً من بناء اقتصاد المعرفة. التحدي المعاصر يكمن في استعادة البعد الأخلاقي-العمري دون الوقوع في الحنين الرومانسي إلى الماضي، وفي استيعاب أدوات العصر دون التخلي عن الخصوصية القيمية. فالعقل الذي يستطيع أن يربط بين العدل والكفاءة، وبين الاستخلاف والإنتاج، وبين العصبية الجديدة والعمران المستدام، هو العقل القادر على الخروج من الدورة الخلدونية السلبية إلى دورة حضارية جديدة. هذا النقد ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالحضارات لا تنهار فقط بسبب أعدائها الخارجيين، بل أيضاً بسبب عجز عقلها الاقتصادي السياسي عن تجديد نفسه في اللحظة المناسبة. فماهو دور االحسبة والزكاة في الدورة الخلدونية؟ وهل يمكن ان تساعد نظرية العصبية في بناء الدولة الحديثة؟
كاتب فلسفي
شكل العقل الاقتصادي السياسي أحد أهم المكونات المكونة للوعي الحضاري لأي أمة، فهو ليس مجرد مجموع تقنيات إدارة الموارد أو توزيع الثروات، بل هو نسق فكري ووجداني يحدد كيفية إدراك الجماعة البشرية لعلاقة الإنسان بالمال والسلطة والزمان والمكان. وفي الثقافة العربية والإسلامية، اكتسب هذا العقل طابعاً خاصاً نشأ من تفاعل النص الديني مع التجربة التاريخية العمرانية، ومع تحديات التمدن والانحطاط والنهضة. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا العقل ونقده من الداخل، لا من موقع خارجي يستورد معايير حداثية جاهزة، بل من موقع عمراني تاريخي يضع التجربة الإسلامية العربية في سياقها الخاص: سياق دورة الحضارة كما فهمها ابن خلدون، وسياق الشريعة كإطار قيمي للاقتصاد، وسياق السلطة كحاضنة أو معيقة للعمران. والنقد هنا لا يعني الهدم المجاني، بل الكشف عن نقاط القوة والقصور، وعن آليات الجمود والقدرة على التجدد. فهل يمكن نقد العقل الاقتصادي السياسي في الثقافة العربية والإسلامية؟ وماهي خصوصية مقاربة تاريخية عمرانية؟
أولاً: الإطار المفاهيمي للعقل الاقتصادي السياسي في السياق العربي الإسلامي
العقل الاقتصادي السياسي ليس عقلاً محايداً. هو عقل مشروط بثلاثة مستويات متداخلة: المستوى القيمي (ما يجوز وما لا يجوز في اكتساب المال وإنفاقه)، والمستوى المعرفي (كيف تُفهم آليات الإنتاج والتوزيع والتبادل)، والمستوى السياسي (من يتحكم في الموارد وكيف تُوظف السلطة في إعادة توزيعها). في الثقافة الإسلامية المبكرة، لم يكن هذا العقل منفصلاً عن الرؤية التوحيدية للكون. فالمال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، والعدل قيمة مركزية تتقدم على مجرد الكفاءة الكمية. غير أن هذه الرؤية النظرية واجهت منذ اللحظة التأسيسية تحديات واقعية: توسع الدولة، ظهور الطبقات، تحول الغنيمة إلى ضريبة، وتحول الخلافة إلى ملك. ومن هنا بدأ التوتر البنيوي بين المثال والممارسة، وهو التوتر الذي سيظل يلازم العقل الاقتصادي السياسي العربي الإسلامي عبر القرون.
ثانياً: المرحلة التأسيسية: من الاقتصاد النبوي إلى تجربة الراشدين
في العهد النبوي والراشدي، كان الاقتصاد السياسي بسيطاً نسبياً ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجماعة. الزكاة والخمس والجزية والخراج شكلت أدوات إعادة توزيع محدودة، لكنها فاعلة في مجتمع صغير الحجم نسبياً. كانت الغنيمة مصدر تمويل أساسياً للدولة الفاتحة، مما جعل الاقتصاد مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالتوسع العسكري. هذا الارتباط أنتج مفارقة مبكرة: نجاح الفتوحات أدى إلى تدفق ثروات هائلة، لكنه في الوقت نفسه خلق طبقات جديدة من الأثرياء (الصحابة الكبار، ثم الأمويون) وعمّق الفوارق الاجتماعية. ظهرت أولى بوادر النقد الداخلي في موقف بعض الصحابة من كنز الذهب والفضة، وفي موقف الخوارج الرافض للتحكيم السياسي-الاقتصادي، وفي ثورة الزبيريين ثم العباسيين الذين استغلوا الخطاب الاجتماعي ضد «الأمويين الجباة». العقل الاقتصادي في هذه المرحلة كان لا يزال يتحرك داخل إطار أخلاقي-ديني قوي، لكنه بدأ يكتشف حدود هذا الإطار أمام تعقيدات الإمبراطورية.
ثالثاً: العصر الإمبراطوري: من الأمويين إلى العباسيين والمماليك والعثمانيين
مع تحول الدولة إلى إمبراطورية، ظهرت آليات أكثر تعقيداً: نظام الخراج، الإقطاع العسكري، نظام الإقطاع الإداري، ثم نظام الالتزام. أصبح الاقتصاد السياسي يدور حول سؤال مركزي: كيف تضمن الدولة استمرارية الموارد دون أن تدمر القاعدة الإنتاجية؟ هنا تبرز عبقرية ابن خلدون كناقد عمراني. فقد رأى أن الدورة الحضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد السياسي: العصبية القبلية تولّد الدولة، والدولة في طورها الأول تكون مقتصدة وعادلة نسبياً فتزدهر العمران، ثم يدخل الحكام في طور الترف والاستبداد فيرتفعون الضرائب ويضعفون العصبية، فينهار العمران. هذا التحليل ليس مجرد وصف تاريخي، بل نقد عميق للعقل السياسي الذي يظن أن زيادة الجباية تعني زيادة القوة، بينما هي في الحقيقة بداية الضعف. في العصر العباسي المتأخر والمملوكي والعثماني، تطور ما يمكن تسميته «العقل الجبائي». أصبحت الدولة تنظر إلى الرعية أساساً كمصدر للضرائب، لا كشريك في العمران. ظهر نظام الالتزام الذي حوّل الجباية إلى صفقة خاصة، مما أدى إلى استنزاف الفلاحين والحرفيين. وفي الوقت نفسه، ظل الخطاب الرسمي يردد مبادئ الشريعة في تحريم الربا والاحتكار، بينما كانت الممارسة اليومية تخلق أشكالاً متعددة من الربا المقنع والاستغلال. هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة أنتج عقلاً مزدوجاً: عقل فقهي نظري يحافظ على طهارته النظرية، وعقل عملي براغماتي يبرر ما تفرضه ضرورات السلطة.
رابعاً: نقد العقل الفقهي الاقتصادي
الفقه الإسلامي أنتج أدبيات غنية في المعاملات: البيوع، الشركات، المضاربة، السلم، الاستصناع. غير أن هذا الفقه ظل في معظمه فقه جزئيات، يتعامل مع العقود الفردية أكثر مما يتعامل مع البنية الكلية للاقتصاد. من أبرز نقاط الضعف في هذا العقل:
التركيز المفرط على تحريم الربا دون تطوير بدائل مؤسسية قادرة على تمويل الاقتصاد الكبير الحجم.
النظر إلى الملكية الخاصة نظرة شبه مطلقة في بعض المذاهب، مما أعاق فكرة المصلحة العامة في بعض الحالات.
ضعف الاهتمام بالجانب الإنتاجي مقارنة بالجانب التوزيعي. فالزكاة والصدقات أدوات توزيع، لكن السؤال عن كيفية توليد الثروة أصلاً ظل أقل حضوراً.
الجمود النسبي أمام التحولات الكبيرة: ظهور الرأسمالية التجارية ثم الصناعية، وظهور النقود الورقية والبنوك الحديثة، واجهها العقل الفقهي في كثير من الأحيان بردود دفاعية أكثر منها إبداعية.
هذا لا ينفي وجود اجتهادات مهمة في بعض العصور، لكنه يشير إلى ميل بنيوي نحو المحافظة على الأشكال أكثر من الاهتمام بالوظائف.
خامساً: الحقبة الاستعمارية وما بعدها: صدمة الحداثة الاقتصادية
شكل الدخول الاستعماري صدمة مزدوجة: صدمة عسكرية-سياسية وصدمة اقتصادية-معرفية. اكتشف العقل العربي الإسلامي فجأة أن النموذج الذي كان يعتبره مكتملاً قد أصبح هامشياً في العالم. ظهرت أسئلة جديدة: لماذا تقدموا وتأخرنا؟ هل المشكلة في الدين أم في فهم الدين أم في بنية السلطة؟
في هذه المرحلة، انقسم العقل الاقتصادي السياسي إلى تيارات متباينة:
تيار إصلاحي يحاول التوفيق بين الشريعة والرأسمالية الغربية، فيقبل بالبنوك مع محاولة «أسلمتها».
تيار اشتراكي قومي يرى في الدولة أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنه غالباً ما أنتج بيروقراطية فاسدة واقتصاداً ريعياً.
تيار سلفي يرفض معظم المؤسسات الحديثة ويطالب بالعودة إلى نموذج مثالي متخيل.
تيار ليبرالي يفصل بين الاقتصاد والسياسة والدين تماماً.
المشترك بين هذه التيارات في كثير من الأحيان هو غياب الرؤية العمرانية الخلدونية: أي فهم الاقتصاد كجزء من دورة حضارية كاملة تشمل الأخلاق والعصبية والعلم والعمران المادي.
سادساً: الاقتصاد الريعي وأزمة العقل السياسي المعاصر
في معظم البلاد العربية المعاصرة، أصبح النفط أو الغاز أو المساعدات الخارجية أو تحويلات المهاجرين المصدر الرئيسي للثروة. هذا الاقتصاد الريعي أعاد إنتاج عقل سياسي خاص: عقل لا يحتاج إلى مجتمع منتج ليبقى، لأنه يحصل على الريع من الخارج أو من باطن الأرض. نتائج هذا العقل وخيمة:
ضعف الحاجة إلى بناء مؤسسات إنتاجية حقيقية.
تفكك العقد الاجتماعي التقليدي: المواطن يحصل على جزء من الريع مقابل الولاء السياسي، لا مقابل المشاركة الإنتاجية.
تضخم دور الدولة كموزع للريع، وضعف المجتمع المدني والمبادرة الخاصة.
صعوبة الانتقال إلى اقتصاد المعرفة أو الاقتصاد الصناعي، لأن الريع يشوه الحوافز.
هنا يظهر نقد جوهري: العقل الاقتصادي السياسي العربي المعاصر لم ينجح في تحويل الثروة الريعية إلى رأسمال عمراني مستدام. بل حولها في كثير من الحالات إلى أداة لشراء الاستقرار السياسي قصير الأمد. سابعاً: البعد العمراني للنقد
العمران عند ابن خلدون ليس مجرد بناء المدن، بل هو جملة الشروط التي تجعل الاجتماع الإنساني منتجاً ومستمراً. والعقل الاقتصادي السياسي الذي يدمر هذه الشروط هو عقل انتحاري حضارياً. من علامات هذا التدمير:
إهمال التعليم المنتج لصالح التعليم الشكلي.
تدمير الثقة الاجتماعية التي هي أساس أي تبادل اقتصادي صحي.
تحويل المدن إلى فضاءات استهلاكية لا إنتاجية.
هجرة العقول والكفاءات بسبب غياب الفرص والعدالة.
المقاربة العمرانية تفرض علينا أن نسأل: أي عقل اقتصادي سياسي يبني عصبية جديدة قادرة على حمل مشروع حضاري؟ وأي عقل يدمرها؟
خاتمة
نقد العقل الاقتصادي السياسي في الثقافة العربية والإسلامية ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عمرانية. لقد أنتج هذا العقل إنجازات تاريخية هائلة في مراحل معينة، لكنه حمل في بنيته ميولاً نحو الجمود والانفصام بين المثال والممارسة، ونحو تغليب منطق الجباية على منطق الإنتاج، ونحو الركون إلى الريع بدلاً من بناء اقتصاد المعرفة. التحدي المعاصر يكمن في استعادة البعد الأخلاقي-العمري دون الوقوع في الحنين الرومانسي إلى الماضي، وفي استيعاب أدوات العصر دون التخلي عن الخصوصية القيمية. فالعقل الذي يستطيع أن يربط بين العدل والكفاءة، وبين الاستخلاف والإنتاج، وبين العصبية الجديدة والعمران المستدام، هو العقل القادر على الخروج من الدورة الخلدونية السلبية إلى دورة حضارية جديدة. هذا النقد ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالحضارات لا تنهار فقط بسبب أعدائها الخارجيين، بل أيضاً بسبب عجز عقلها الاقتصادي السياسي عن تجديد نفسه في اللحظة المناسبة. فماهو دور االحسبة والزكاة في الدورة الخلدونية؟ وهل يمكن ان تساعد نظرية العصبية في بناء الدولة الحديثة؟
كاتب فلسفي