الدكتور مصطفى غَلْمان - الاستشراق وصناعة الحقيقة: من أسطورة الوعد إلى جغرافيا الاحتلال.

ثمة لقاءات عابرة في الزمن، لكنها تظل مقيمة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس. في نهاية تسعينيات القرن الماضي، اقترح علي مثقف عراقي مقيم في السويد زيارة مدينة مراكش ولقاء مثقفيها وشعرائها في جلسة مفتوحة للحوار والقراءة والتعارف. لم يكن الأمر يومها مجرد نشاط ثقافي اعتيادي مألوف، بل بدا أشبه بامتحان رمزي لإمكانية اللقاء بين عوالم مختلفة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالخيال، والمنفى بالهوية، واللغة بالإنسان.
في فضاء دار الباشا الكلاوي بالمدينة العتيقة، اجتمعنا حول الشعر والنثر والكلمة الحرة. كانت الأمسية، في جوهرها، احتفاءً بما يسميه الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير "اندماج الآفاق"، حيث لا يذوب أحد في الآخر، ولا ينتصر أفق على أفق، بل تتسع مساحة الفهم المشترك. يومها لفت انتباهي أن أغلب الضيوف القادمين من الشمال الأوروبي كانوا يحملون ثقافة إنسانية واسعة وانفتاحًا نادرا على الاختلاف، لا بوصفه موضوعا للتسامح فحسب، بل باعتباره شرطا من شروط المعرفة ذاتها.
ولعل هذا ما جعلني أعيد النظر في كثير من الصور النمطية التي رسختها الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الشرق والغرب. فقد سبق أن التقيت شعراء ومثقفين من بلدان أوروبية مختلفة، ولم ألمس لديهم ذلك القدر من الحماس الإنساني الذي وجدته لدى مثقفين اسكندنافيين. بدا الأمر كما لو أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة مسافة وجدانية، وأن القرب الحقيقي، كما كان يرى مارتن بوبر، لا يتحقق إلا عندما يتحول الآخر من "هو" إلى "أنت"، ومن موضوع للمعرفة إلى شريك في الوجود.
لهذا كان صدور كتاب "الاستشراق السويدي" للكاتب والمترجم العراقي سعيد الجعفر حدثا فكريا استوقفني على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يعيد الكتاب مساءلة مفهوم الاستشراق خارج المركزيات التقليدية التي احتكرت هذا الحقل لعقود طويلة، خصوصا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن جهة ثانية، يفتح نافذة على تجربة معرفية مختلفة، أقل ارتباطا بالمشروع الإمبراطوري وأكثر اتصالا بالفضول العلمي والإنساني.
يصعب الحديث عن الاستشراق دون المرور عبر المنعطف الذي أحدثه إدوارد سعيد في كتابه الشهير ّالاستشراق". فقد كشف سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد معرفة بريئة بالشرق، بل نظاما من التمثلات أنتجته علاقات القوة، وحوّل الشرق إلى موضوع للهيمنة والضبط والتصنيف. لقد بيّن أن المعرفة ليست دائما منفصلة عن السلطة، وهو ما سيتوسع فيه لاحقا ميشيل فوكو حين اعتبر أن كل خطاب معرفي يحمل في داخله شبكة من علاقات القوة التي تحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه.
غير أن القراءة المتأنية لتجارب الاستشراق الاسكندنافي، وخاصة السويدي، تضعنا أمام سؤال أكثر تركيبًا: هل كل معرفة بالآخر هي بالضرورة شكل من أشكال الهيمنة؟ أم أن ثمة إمكانا آخر للمعرفة يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف المتبادل؟
يبدو أن الكتاب الذي يقدمه سعيد الجعفر يراهن على هذا الاحتمال الثاني. فهو لا يكتفي بتوثيق أسماء ومستشرقين ورحالة، بل يعيد بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي نسجتها الرحلة والترجمة والبحث اللغوي، حيث يتحول الرحالة من مراقب خارجي إلى وسيط حضاري، وتتحول الرحلة من أداة استكشاف إلى أداة فهم.
ولعل المقارنة التي يقيمها الكتاب بين ابن بطوطة وسفين هدين تحمل دلالة عميقة. فكل منهما كان يبحث عن العالم، لكن العالم الذي عثر عليه لم يكن مجرد أمكنة ومدن وشعوب، بل كان في جوهره بحثا عن الذات من خلال الآخر. أستحضر هنا ما كتبه بول ريكور حين أكد أن فهم الذات لا يتم إلا عبر المرور بالغير، وأن الهوية ليست معطى ثابتا بل سردية تتشكل باستمرار من خلال اللقاءات والتجارب والتبادلات.
إن قيمة هذا العمل (أعكف على قراءته حاليا)، لا تكمن فقط في إعادة اكتشاف صفحة شبه منسية من تاريخ الاستشراق، بل في دعوته الضمنية إلى تجاوز الثنائيات الموروثة بين شرق وغرب، مركز وهامش، ذات وآخر. فالعالم المعاصر، كما يذكرنا زيغمونت باومان، لم يعد يحتمل الهويات المغلقة ولا الجدران الثقافية الصلبة، بل يتجه نحو فضاءات أكثر سيولة وتعقيدًا وتداخلاً.
وأعتقد أن الاستشراق السويدي لا يمكنه قراءته كموضوع أكاديمي أو أرشيف تاريخي، بل بإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. معرفة لا تقوم على امتلاك الآخر أو اختزاله، وإنما على الإصغاء إليه. معرفة تجعل من الرحلة فعلا أخلاقيا بقدر ما هي فعل معرفي، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للإقصاء.
مؤكد أن الكتاب سيتيح لي أن أقرأ جزءًا من تاريخنا بعين أخرى، وأن أرى نفسي في مرآة مختلفة. فربما لا تكون الحضارات، في نهاية المطاف، سوى حوار طويل بين ذواكر متعددة، تبحث جميعها عن شيء واحد: أن تفهم العالم دون أن تدّعي امتلاكه.
الاستشراق خارج المركز الاستعماري:
قبل الولوج إلى متن الكتاب، يجد القارئ نفسه أمام مقدمة لا تؤدي وظيفة التمهيد التقليدي، بل تنهض مقام نص تأسيسي يحدد أفق القراءة ويؤطر أسئلتها الكبرى. فقد صاغ المستشرق السويدي جان جيربه، أحد أبرز المتخصصين في الإسلامولوجيا وصاحب مؤلفي «الإسلام والتقاليد» و«العرب والعروبة»، مقدمة كثيفة لا تكتفي بعرض تاريخ الاستشراق السويدي، وإنما تعيد مساءلة الشروط المعرفية والسياسية والثقافية التي جعلت من السويد، على الرغم من بعدها الجغرافي عن الشرق، أحد المراكز الأوروبية المؤثرة في الدراسات الشرقية منذ القرن السادس عشر.
ينطلق جيربه من سؤال يكاد يكون إبستمولوجيا بامتياز: كيف يتحول الاهتمام بلغة الآخر إلى مشروع حضاري لإنتاج المعرفة؟. إنه سؤال يعيد إلى الأذهان ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير حين اعتبر أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي "الوسط الذي يحدث فيه الفهم". فقبل أن يكون الاستشراق السويدي رحلة إلى الشرق، كان في جوهره رحلة إلى اللغة العربية، وإلى اللغات الشرقية عموما، بوصفها مفاتيح للدخول إلى عالم رمزي وثقافي مختلف.
يفسر جيربه الأهمية البالغة التي أولتها الجامعات السويدية لإنشاء كراسي للغات الشرقية، باعتبارها مؤسسات لإنتاج المعرفة أكثر من كونها فضاءات لتلقين اللغات. ولا يقف المؤلف عند البعد الأكاديمي وحده، بل يربط ازدهار الاستشراق السويدي بالتحولات الجيوسياسية التي عرفتها أوروبا الشمالية. فالنفوذ السويدي، الذي امتد في مرحلة تاريخية إلى فنلندا وبلدان البلطيق وأجزاء من روسيا وشمال ألمانيا، جعل من الشرق العثماني شريكا سياسيا واستراتيجيا لا مجرد موضوع للدراسة.
وقد تعزز هذا المسار بعد هزيمة الملك السويدي كارل الثاني عشر أمام القوات الروسية في معركة بولتافا سنة 1709، ولجوئه إلى إسطنبول، حيث تشكلت علاقات سياسية وعسكرية وثقافية عميقة بين السويد والدولة العثمانية، أفضت لاحقا إلى إنشاء معهد للبحوث السويدية واستمرار تحالف دفاعي دام قرابة قرن. وفي الوقت الذي أصبح فيه التاريخ، وفق تعبير فرنان بروديل، "بنية طويلة الأمد"، تتشابك فيها السياسة بالمعرفة، والدبلوماسية بالبحث العلمي، يكشف جيربه أن عصر الأنوار لم يكن مجرد لحظة فلسفية أوروبية، بل كان أيضا منعطفا في إعادة اكتشاف الشرق من خلال البعثات العلمية والرحلات البحثية. فمع صعود العلوم الطبيعية وازدهار الاقتصاد التجاري، تداخلت دوافع المعرفة مع مصالح التجارة والاستكشاف، ولم تعد الرحلة إلى الشرق فعلا استشراقيا صرفا، بل مشروعا متعدد الأبعاد، يلتقي فيه العالم الطبيعي بالمؤرخ، واللغوي بالتاجر، والدبلوماسي بالمستكشف. وفي هذا السياق برزت أسماء مثل كارل فون لينيه وبيتر فورسكال، اللذين لم ينظرا إلى الشرق باعتباره فضاء غرائبيا، بل مختبرا علميا وثقافيا لفهم الإنسان والطبيعة معا.
ويذكرنا هذا التصور بما كتبه كلود ليفي-ستروس حين رأى أن الرحلة العلمية ليست انتقالا في المكان بقدر ما هي انتقال في أنماط التفكير، وأن معرفة الآخر هي في العمق إعادة اكتشاف الذات. أما الرحلات الثقافية، فقد كانت، بحسب جيربه، امتدادا للمؤسسة الجامعية أكثر منها مغامرات فردية. فقد قصد المستشرقون الجامعات الشرقية للتتلمذ على أيدي العلماء، وجمع المخطوطات، وتوثيق المصادر، وإقامة حوار مباشر مع البيئات العلمية المحلية.
ويبرز في هذا الإطار جاكوب يوناس بيورنستول، والأخوان أدولف فريدريك وكارل فريدريك رودبيك، الذين أسهموا في إدماج النصوص العربية داخل المناهج الجامعية السويدية، الأمر الذي أتاح للطلبة منذ بدايات القرن التاسع عشر، الولوج المباشر إلى المخطوطات القرآنية، وعلوم العربية والبلاغة والتراث التاريخي والأدبي، من خلال ترجمة مؤلفات بارزة مثل كتاب «عجائب المقدور في أخبار تيمور» لأحمد بن عربشاه. ويمكن استحضار بعض تجليات إحدى أهم القضايا التي أثارها إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق. فجيربه يقدم نموذجا يختلف في جوانب عديدة، عن الصورة النمطية للاستشراق المرتبط حصرا بالمشروع الكولونيالي. إذ يكشف أن التجربة السويدية، بحكم غياب المشروع الاستعماري المباشر، كانت أقرب إلى استشراق أكاديمي ولغوي وثقافي، وإن لم تكن بمنأى عن شروط عصرها وتمثلاته. فالمعرفة كما يذكرنا ميشيل فوكو، لا توجد خارج علاقات القوة، لكنها لا تختزل فيها أيضا، بل تنتج فضاءات جديدة للفهم والتأويل.
ويمتد تحليل جيربه إلى القرن العشرين والحاضر، حين يشير إلى أن دوافع دراسة لغات وثقافات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تعد تستند فقط إلى الفضول العلمي أو المصالح الدبلوماسية، وإنما فرضتها التحولات الديموغرافية التي شهدها المجتمع السويدي منذ سبعينيات القرن الماضي، مع تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين القادمين من المنطقة. فالشرق لم يعد موضوعا خارجيا للدراسة، بل أصبح مكونا داخليا في النسيج الثقافي السويدي. أما الآخر، وفق تعبير بول ريكور، فإنه لا يعود "غريبا" عندما يدخل فضاء الحياة المشتركة، بل يصبح شرطا ضروريا لإعادة تعريف الهوية ذاتها.
إن القيمة الفكرية لمقدمة جان جيربه تكمن في أنها تنقل النقاش من سؤال "لماذا دُرس الشرق؟" إلى سؤال أكثر عمقا: "كيف أنتجت اللغة والجغرافيا والسياسة والمؤسسة الجامعية معرفة متبادلة أعادت تشكيل صورة الشرق في الوعي الأوروبي، وصورة أوروبا في الوعي الشرقي؟"، ولذلك فإن هذه المقدمة لا تؤدي وظيفة افتتاحية فحسب، بل تؤسس لإبستمولوجيا جديدة في قراءة الاستشراق السويدي، بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية معقدة، تشكلت عند تقاطع المعرفة والرحلة والترجمة والدبلوماسية، وانتهت اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشرق والغرب داخل مجتمع واحد، حيث لم يعد الشرق مكانا بعيدا، بل أصبح، كما يقول جيربه، جزءا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للسويد نفسها.
سياسات الآخر... وتأويل الشرق:
هناك لحظات يتحول فيها النص من وثيقة تاريخية إلى فضاء للمساءلة، حيث تتقاطع المعرفة مع السياسة، والدين مع الجغرافيا، والذاكرة مع الصراع. عند هذه النقطة بالذات، يغادر هذا الكتاب المجال التقليدي للاستشراق بوصفه تاريخا للغات والرحلات والمخطوطات، ليدخل منطقة أكثر وعورة؛ منطقة تمتحن فيها الأفكار بقدرتها على تفسير العالم لا بوصفه ماضيا منتهيا، وإنما باعتباره تاريخا لا يزال يكتب نفسه تحت وقع الحروب والهويات المتصارعة. وكما يقول كارل بوبر: "الأسئلة هي التي تقود المعرفة، لا الأجوبة"، ولذلك يبدو الباب الثاني من هذا العمل أقرب إلى مختبر فلسفي لتحليل الأزمات المعاصرة منه إلى مجرد امتداد لتاريخ الاستشراق.
من بين أهم القضايا التي تستوقف القارئ، يبرز الجهد الذي بذله مترجم الكتاب في اختيار النصوص التي تعالج علاقة الاستشراق السويدي بالسياسة والدين والقضية الفلسطينية، وبالجدل الغربي حول الإرهاب ومعاداة السامية وصدام الهويات. وهي موضوعات نادرا ما حضرت في الثقافة العربية خارج منطق الاستقطاب الإيديولوجي، بينما يعرضها هذا العمل باعتبارها موضوعا للتحليل التاريخي والنقدي، لا للمرافعة أو الإدانة. ويستعيد الكتاب، في جانب منه، أحد الأدوار المضيئة للاستشراق الأوروبي، حين كان رهانه الأساسي هو بناء المعرفة التاريخية، وتسجيل الموقف الحضاري، وليس مجرد إعادة إنتاج الصور النمطية عن الشرق.
يفتتح المترجم باب "الاستشراق السويدي في جانبه السياسي" لإنجمار كارلسون، بمقولة لالمفكر الأمريكي ويليام فاف، بسؤال يحمل في ذاته تاريخا كاملا من المخاوف الغربية: «الخطر الأخضر... حقيقة أم وهم؟». وهو سؤال لا يتعلق بالإسلام في ذاته، بقدر ما يتعلق بالطريقة التي أعادت بها المجتمعات الغربية، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إنتاج مفهوم "العدو". فبانهيار الثنائية القطبية، وجد الغرب نفسه، كما يرى زيغمونت باومان، في حاجة إلى سردية جديدة تؤسس لمخاوفه الجماعية، لينتقل مركز القلق من "الخطر الأحمر" إلى ما اصطلح على تسميته بـ"الخطر الأخضر". ومن هنا يبدأ فاف في تفكيك هذا التصور، بالعودة إلى الجذور التاريخية للنهضة العربية، ثم إلى مسارات القومية العربية، والقضية الفلسطينية، وصعود الإسلام السياسي، وصولا إلى النقاش الراهن حول الديمقراطية والإسلام والعلاقة الملتبسة بين الدين والدولة.
إن هذه الفصول تمثل في الواقع، محاولة لاستعادة الوجه الآخر من الاستشراق الأوروبي، ذلك الوجه الذي همشته القراءات الاختزالية بعد كتاب إدوارد سعيد، رغم أن سعيد نفسه لم ينكر وجود مستشرقين انشغلوا بالتحقيق العلمي والبحث التاريخي الرصين بعيدا عن الوظيفة الكولونيالية. فليس كل استشراق، كما يذكرنا ماكسيم رودنسون، كان ذراعا للإمبريالية، كما أن المعرفة لا يمكن أن تختزل دائما في إرادة الهيمنة، حتى وإن لم تكن بمنأى عنها.
في مستهل الباب الثاني، يتوقف المترجم عند واحدة من أكثر الأطروحات إثارة للجدل، تحت عنوان «الخطر الأخضر: حقيقة أم وهم؟». وهو عنوان لا يعكس فقط القلق الغربي الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، بل يكشف أيضا عن كيفية انتقال صورة "العدو" من الشيوعية إلى الإسلام السياسي. وكأن التاريخ، بحسب تعبير زيغمونت باومان، لا يتوقف عن إنتاج "آخر" جديد يمنح المجتمعات الحديثة شعورا زائفا بالأمن من خلال صناعة الخوف. يناقش فاف هذه الفرضية بالعودة إلى جذور النهضة العربية في بلاد الشام، حيث تشكلت البدايات الفكرية للقومية العربية في فضاء تداخلت فيه المدارس التبشيرية، والجامعات الحديثة، وحركات الإصلاح الثقافي. فالنهضة في نظره، لم تكن حدثا سياسيا خالصا، بل كانت قبل ذلك ثورة في الوعي واللغة والتعليم. ومن هذه النقطة يتتبع مسار تشكل الفكرة القومية العربية، ثم انتقالها من مشروع للتحرر الثقافي إلى مشروع للدولة، قبل أن تصطدم بالاستعمار الأوروبي، ووعد بلفور، واحتلال فلسطين، ثم قيام إسرائيل، وما تلاه من سلسلة الهزائم العربية التي أعادت تشكيل الوعي السياسي العربي برمته.
ويذهب انجمار في هذا الصدد إلى أن انهيار المشروع القومي العربي لم يكن مجرد نتيجة للهزائم العسكرية، بل كان تعبيرا عن أزمة نموذج بأكمله. فالتجارب القومية، شأنها شأن النماذج الرأسمالية والاشتراكية التي تبنتها دول عربية مختلفة، أخفقت في بناء شرعية سياسية وتنموية قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية. وهو تحليل يقترب كثيرا مما كتبه محمد عابد الجابري حول أزمة الدولة العربية الحديثة، ومن أطروحات برهان غليون بشأن الانسداد التاريخي الذي أصاب المشروع القومي بعد تحوله إلى سلطة أكثر منه مشروع تحرير.
وفي الفراغ الذي خلفه تراجع هذه المشاريع، برزت الحركات الإسلامية بأطيافها المختلفة، الإصلاحية والثورية، باعتبارها فاعلا جديدا في المجال العام. غير أن فاف يرفض النظر إليها باعتبارها كتلة واحدة، بل يميز بين مساراتها المختلفة، ويرى أن تطورها ارتبط بالسياقات الوطنية أكثر مما ارتبط بفكرة الأمة الإسلامية العابرة للحدود.
و تأتي ملاحظته اللافتة بأن الحركات الإسلامية، «من الدار البيضاء إلى ألما آتا»، أعادت صياغة خطابها انطلاقا من مصالحها الاستراتيجية المحلية، فتحولت تدريجيا من تنظيمات تدعو إلى إقامة أمة إسلامية عالمية إلى قوى سياسية تسعى إلى الاعتراف بها داخل الدولة الوطنية. وبذلك تراجعت الأيديولوجيا الدينية الكونية لصالح أشكال من القومية الإسلامية، حيث أصبحت المشاركة في المجال السياسي الداخلي أولوية تتقدم على المشروع الأممي. وهذه الفكرة تستدعي ما ذهب إليه بندكت أندرسون حين اعتبر أن القومية ليست معطى طبيعيا، وإنما "جماعة متخيلة" يعاد إنتاجها باستمرار وفق شروط التاريخ والمصلحة.
ولا يغفل انجمار تتبع التحولات التي عرفها ما يسميه بـ"الأصولية الجديدة"، بوصفها رد فعل على أزمة الشرعية التي عرفتها الدول الوطنية في العالم الإسلامي. فالحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي، والدعم الذي تلقته الجماعات الجهادية آنذاك، ثم بروز تنظيم القاعدة، وأحداث الحادي عشر من شتنبر، وانهيار الدولة العراقية، كلها محطات يعتبرها الكاتب لحظات مفصلية في إعادة تشكيل صورة الإسلام داخل المخيال السياسي الغربي.
غير أن القراءة النقدية لهذه الأطروحة تقتضي، كما ينبه نعوم تشومسكي، الحذر من اختزال ظاهرة الإرهاب في بعدها الديني فقط، لأن العنف السياسي لا يولد في الفراغ، بل يتغذى أيضا من الاحتلال، والاستبداد، والتدخلات الدولية، واختلال موازين العدالة العالمية. ولذلك يخصص الكتاب محاور مستقلة لمناقشة العلاقة بين العالم الغربي والحركات الإسلامية، ثم الجدل الفكري حول الديمقراطية والإسلام، قبل أن ينتهي إلى سؤال بالغ الحساسية: هل يمكن أن تتصالح المرجعية الإسلامية مع الدولة الديمقراطية الحديثة؟، وهو سؤال يعيد إنتاج النقاش الذي فتحه محمد أركون وعبد الله العروي ويوسف الصديق، والذين رأوا أن الأزمة ليست في الإسلام بوصفه دينا، بل في أنماط تأويله التاريخية، وفي طبيعة الدولة التي احتكرت الحديث باسمه.
إن أهمية هذه الفصول، أبانت عن قدرتها على تفكيك الصور النمطية التي صنعتها الأيديولوجيات المتقابلة، سواء في الشرق أو في الغرب. فهي تضع القارئ أمام حقيقة فلسفية طالما أكدها يورغن هابرماس: لا يمكن لأي حضارة أن تفهم نفسها خارج الحوار مع الآخر، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يبني شرعيته على الخوف المتبادل، لأن الخوف مهما طال، لا ينتج معرفة، بل ينتج مزيدا من سوء الفهم. ومن هنا تتجاوز هذه النصوص وظيفتها التوثيقية لتغدو مساهمة في نقد الوعي المعاصر، واستعادة السؤال الحضاري حول إمكان بناء علاقة بين الشرق والغرب تؤسسها المعرفة، لا الصور المسبقة والحوار، لا الصدام.
من أسطورة الأصل إلى جغرافيا القوة في سؤال فلسطين:
حين تصبح الذاكرة التاريخية أداة لإنتاج الشرعية السياسية، لا يعود الماضي مجرد سجل للأحداث، بل يتحول إلى مجال للصراع حول المعنى والهوية والحق. ومن هنا تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا الحضارية تعقيدا، لأنها لا تتعلق فقط بصراع على الأرض، وإنما بصراع بين سرديات متنافسة تحاول كل واحدة منها امتلاك التاريخ وتوظيفه لتبرير الحاضر.
في هذا السياق يفتح انجمار كارلسون، في مقاربته لمسألة "النضال من أجل فلسطين"، سؤالا مركزيا يتجاوز الجدل السياسي المباشر نحو تفكيك البنية الفكرية التي قامت عليها الحركة الصهيونية: "هل تأسست إسرائيل على امتداد رمزية الملك داوود الدينية والتاريخية، أم أنها كانت مشروعاً سياسياً حديثاً صاغه تيودور هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر؟.
إن أهمية السؤال تكمن في كشف التوتر العميق بين مستويين متداخلين: مستوى الذاكرة الدينية التي تستدعي الماضي المقدس، ومستوى المشروع القومي الحديث الذي أعاد صياغة هذه الذاكرة داخل إطار سياسي استيطاني. وهو تناقض يضيء ما سماه بندكت أندرسون "الجماعات المتخيلة"، حيث لا تقوم الأمم فقط على الوقائع المادية، بل على القصص المؤسسة والرموز المشتركة التي تمنح الجماعة إحساساً بالاستمرارية التاريخية.
لقد ظهرت الصهيونية الحديثة في بداياتها، باعتبارها حركة سياسية علمانية أكثر منها حركة دينية. وكان تيودور هرتزل، مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، يرى أن حل "المسألة اليهودية" يمر عبر إقامة وطن قومي لليهود، بعيداً عن انتظار الخلاص الديني. ففي كتاباته، ومنها روايته "الأرض القديمة الجديدة"، قدم تصورا يوتوبيا لدولة يهودية حديثة في فلسطين، تقوم على إعادة بناء مجتمع سياسي جديد. لكن هذا المشروع اصطدم منذ البداية بالتصور الديني اليهودي التقليدي الذي كان يرى العودة إلى فلسطين مرتبطة بظهور المخلص، لا بمبادرة سياسية بشرية. فقد اعتبرت التيارات الأرثوذكسية أن هرتزل يتجاوز الإرادة الإلهية بمحاولة استباق التاريخ المقدس وتحويل الوعد الديني إلى مشروع قومي.
غير أن التاريخ السياسي أظهر لاحقا تداخلا معقدا بين العلماني والديني؛ إذ لم تبق الصهيونية مجرد حركة قومية حديثة، بل استعادت تدريجيا الرموز الدينية باعتبارها أدوات تعبئة ومنح الشرعية. وهنا يظهر ما أشار إليه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق من أن السيطرة لا تمارس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر إنتاج رواية تمنح الذات حق تعريف الآخر وتحديد موقعه في التاريخ.
لقد أدى تصاعد الهجرات اليهودية إلى فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى بروز مواجهة سياسية وقومية مع السكان الفلسطينيين، الذين رأوا في المشروع الصهيوني تهديدا لبنيتهم الاجتماعية والسياسية. ومع تطور الحركة الصهيونية، ظهرت خطابات لدى عدد من قادتها تجمع بين القومية الحديثة والموروث الديني، رغم انتمائهم العلماني. فقد استُخدمت مفاهيم توراتية في الخطاب السياسي الصهيوني لمنح المشروع بعدا تاريخيا يتجاوز اللحظة السياسية.
وفي إعلان قيام إسرائيل، استُحضرت مفردات دينية مثل "صخرة إسرائيل"، بما يعكس استمرار حضور المرجعية الدينية بوصفها خزانا رمزيا داخل الدولة الحديثة. وهنا يبرز سؤال فلسفي عميق حول علاقة الدولة بالأسطورة المؤسسة: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تتحرر كليا من رواياتها المقدسة؟ أم أن كل مشروع سياسي يحتاج إلى ذاكرة رمزية تمنحه المعنى والشرعية؟.
لقد بينت حنا أرندت، في تحليلاتها حول القومية والدولة، أن تحويل الهوية التاريخية إلى مشروع سياسي مغلق قد يقود إلى إقصاء الآخر وتحويل الاختلاف إلى تهديد وجودي. وهذا ما ظهر في مسار العلاقة بين المشروع الصهيوني والسكان الفلسطينيين، حيث تحولت الأرض من فضاء مشترك للعيش إلى رمز سياسي متنازع عليه.
ويشير المستشرف انجمار إلى أن البعد الديني لم يكن هامشيا في تطور السياسة الإسرائيلية، بل أصبح عنصرا مؤثرا في بنية الحكم، خصوصا بعد حرب يونيو 1967 التي شكلت لحظة فاصلة في صعود التيارات الدينية والقومية المتشددة. فقد أدى احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية إلى إعادة إنتاج خطاب ديني يرى في السيطرة على هذه المناطق تحقيقا لوعد تاريخي مقدس.
لقد أصبح النص الديني، في هذا السياق، جزءاً من الجغرافيا السياسية، حيث لم تعد الأرض مجرد مجال للسيادة، بل تحولت إلى "أرض موعودة" داخل المخيال السياسي. وهو ما يفسر تصاعد نفوذ التيارات الدينية القومية داخل إسرائيل، وتحول العلاقة بين الدين والدولة إلى أحد أكثر الأسئلة حساسية في بنية النظام السياسي الإسرائيلي.
ومن منظور فوكو، فإن السلطة لا تكتفي بالسيطرة على المجال المادي، بل تنتج أيضا أنظمة للحقيقة تحدد ما يُقبل باعتباره معرفة مشروعة. وفي الحالة الفلسطينية، يصبح الصراع صراعا حول من يملك حق رواية التاريخ، ومن يمتلك القدرة على تحويل الذاكرة إلى قانون وسيادة.
غير أن القراءة التاريخية الهادئة تكشف أن احتكار الذاكرة ليس ممكنا؛ فكما يؤكد انجمار، فإن الاستناد إلى النسب الديني وحده لا يمكن أن يلغي حقوق الآخرين، إذ إن العرب أيضا ينتمون إلى الإرث الإبراهيمي نفسه، ولا يمكن تحويل التاريخ الديني إلى أداة لإلغاء وجود شعب آخر أو نفي علاقته بالأرض.
إن مأساة فلسطين في جوهرها، ليست فقط مأساة حدود متنازع عليها، بل مأساة تحويل التاريخ إلى سلاح، والرمز إلى أداة للهيمنة، والذاكرة إلى مبرر للصراع. ولذلك فإن تفكيك الأساطير المؤسسة لا يعني إنكار التاريخ، بل تحريره من الاستخدامات السياسية التي تحول الماضي إلى جدار يمنع إمكانية العدالة في الحاضر.
ينتقل انجمار بعد ذلك إلى تفكيك إحدى أكثر المفاهيم رسوخا في الخطاب الصهيوني، وهي فكرة "الأرض الموعودة"؛ ذلك أن هذا المفهوم في نظره، لا يمثل مجرد استعارة دينية أو رمزاً لاهوتياً، بل تحول عبر الزمن إلى مشروع جيوسياسي كامل، أعاد رسم الخرائط قبل أن يعيد رسم الوقائع. فالمشكلة لا تكمن في وجود نصوص دينية تتحدث عن الوعد، وإنما في لحظة تحويل النص إلى برنامج سياسي، والأسطورة إلى وثيقة سيادة، والإيمان إلى حدود دولية.
ولذلك يبين انجمار كارلسون أن الامتداد الجغرافي الذي استندت إليه بعض الأدبيات الصهيونية لم يكن مقتصرا على فلسطين التاريخية، بل شمل تصورات توسعية تمتد، وفق بعض التأويلات، إلى أجزاء من سيناء والضفة الغربية وغزة، ومناطق من الأردن ولبنان وسوريا، وصولا إلى تخوم دمشق، بينما احتلت القدس مركز هذا الخيال السياسي بوصفها القلب الرمزي للوعد التوراتي.
وهنا لا تعود الجغرافيا علماً للمكان، وإنما تصبح ـ بتعبير ميشيل فوكو ـ خطابا تنتجه السلطة، فتغدو الخرائط أدوات للهيمنة أكثر من كونها أوصافاً للأرض. ومن هذا المنطلق، يستعرض انجمار السردية الإسرائيلية التي تعيد جذور القدس إلى الأزمنة الكنعانية، مستحضرة روايات عن مرور إبراهيم بها، ثم احتلالها على يد النبي داود، ومستندة إلى قراءات لنصوص مصرية قديمة، وإلى ما يعرف بـ"لفائف قمران"، باعتبارها شواهد تؤسس لاستمرارية تاريخية تمنح المشروع الصهيوني شرعية الماضي.
غير أن انجمارلا يناقش هذه الروايات من زاوية لاهوتية، بقدر ما يحاكمها بمنهج المؤرخ الذي يميز بين الذاكرة والتاريخ، وبين الاعتقاد الديني والدليل التاريخي. وهنا يلتقي مع ما ذهب إليه بول ريكور حين أكد أن الذاكرة، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا يمكن أن تحل محل النقد التاريخي؛ فالذاكرة تنتمي إلى عالم الهوية، أما التاريخ فينتمي إلى عالم البرهان. ولذلك فإن تحويل الذاكرة المقدسة إلى وثيقة ملكية يفضي إلى إقصاء التاريخ نفسه، لأن التاريخ لا يعترف بالاحتكار المطلق للماضي، بل بتراكم الحضارات وتعدد الشعوب وتعاقبها على المكان.
كما ويفتح انجمار أحد أكثر الأسئلة حساسية في الفكر السياسي المعاصر: "هل يمنح الماضي حقاً سيادياً على الحاضر؟"، و"هل يمكن لحدث ديني أو رواية تراثية أن تلغي حقوق جماعات بشرية عاشت قروناً متصلة على الأرض نفسها؟". إن هذا السؤال يعيد القضية الفلسطينية إلى مستوى فلسفة الحق، لا إلى مستوى النزاع العسكري فقط. فحق السكان الأصليين لا ينبع من الأسطورة، وإنما من استمرارية الوجود التاريخي والاجتماعي والثقافي. ولذلك يؤكد كثير من فقهاء القانون الدولي أن السيادة الحديثة لا تُبنى على الوعود اللاهوتية، وإنما على قواعد تقرير المصير وحقوق الشعوب.
ولعل هذه النقطة تحديدا تكشف، كما يرى انجمار، عن أحد أكبر التناقضات في الخطاب الغربي الحديث. فالغرب الذي رفع منذ عصر الأنوار، شعارات الحرية وحقوق الإنسان والمساواة، وجد نفسه في الحالة الفلسطينية، أمام استثناء أخلاقي وسياسي بالغ التعقيد، حيث يستدعي بشارة بصورة ضمنية، سؤال إدوارد سعيد حول العلاقة بين المعرفة والسلطة؛ إذ لم يكن الاستشراق مجرد إنتاج للصور عن الشرق، بل كان أيضا إنتاجا لموازين الشرعية، بحيث بدا الفلسطيني في كثير من السرديات الغربية مجرد «عائق» أمام تحقق المشروع الحضاري، بينما قُدمت الصهيونية بوصفها امتداداً للقيم الأوروبية الحديثة.
ولم يكن هذا الانحياز وليد التعاطف وحده، بل تشكل عبر تداخل معقد بين عدة عوامل؛ أولها الإرث الثقيل للمحرقة النازية، التي خلقت داخل الوعي الأوروبي شعورا أخلاقيا بالذنب تجاه اليهود، فتحول هذا الشعور في كثير من الأحيان، إلى دعم سياسي غير مشروط لإسرائيل. وثانيها أن إسرائيل قُدمت خلال الحرب الباردة، باعتبارها الحليف الأكثر استقرارا للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، بما وفر لها موقعاً استراتيجيا داخل منظومة الأمن الغربي.
أما العامل الثالث، فهو نجاح المؤسسات الصهيونية في بناء خطاب إعلامي وأكاديمي شديد التأثير، استطاع أن يجعل الرواية الإسرائيلية أكثر حضورا داخل الفضاء السياسي والثقافي الغربي، مقارنة بالرواية الفلسطينية التي بقيت، لعقود طويلة، محاصرة بين ضعف التمثيل والانقسام العربي. ولذلك فإن قوة إسرائيل داخل السياسة الغربية ليست، في نظر انجمار، مجرد نتيجة لتحالفات دبلوماسية، بل هي تعبير عن منظومة معرفية وثقافية كاملة، تداخل فيها التاريخ مع الإعلام، والاقتصاد مع الأمن، والذاكرة مع الجغرافيا. فحين تصبح الرواية السياسية جزءاً من البنية الثقافية للدول الكبرى، يغدو تعديلها أكثر صعوبة من تعديل السياسات نفسها.
وإلى ذلك يطرح بشارة سؤاله المحوري: "ما الذي يترتب على هذا الموقع الاستثنائي الذي تحتله إسرائيل داخل السياسة الغربية؟". فأخطر النتائج لا تتمثل فقط في استمرار التفوق العسكري أو في اتساع الحماية الدبلوماسية، بل في إعادة تشكيل مفهوم العدالة الدولية ذاته. إنه حين يصبح القانون قابلا للتأويل وفق ميزان القوة، تتحول الشرعية إلى امتياز سياسي لا إلى مبدأ كوني.
وأستحضر هنا تحذير حنة آرندت من أن الدولة التي تجعل الأمن فوق العدالة، والقوة فوق القانون، تفتح الباب أمام تآكل الأسس الأخلاقية للنظام الدولي نفسه. كما أستحضر أيضا بعدا آخر من توقيع فرانتز فانون، الذي يرى أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يعمل على استعمار المخيلة، بحيث يصبح المهيمن قادرا على تعريف الضحية وتحديد موقعها داخل التاريخ. ومن ثم فإن أخطر انتصارات القوة ليست احتلال الجغرافيا، وإنما احتلال السردية.
ولهذا يغدو الصراع الفلسطيني في عمقه، ليس مجرد نزاع حدود، بل معركة حول من يمتلك حق رواية التاريخ، ومن يحدد معنى العدالة، ومن يملك سلطة تسمية الضحية والجلاد. وهي القضية التي لخصها والتر بنيامين في عبارته الشهيرة: «التاريخ الذي يكتبه المنتصرون يخفي دائماً أصوات المهزومين». ولذلك فإن استعادة الرواية الفلسطينية ليست مجرد فعل سياسي، بل هي قبل كل شيء فعل فلسفي يعيد الاعتبار لذاكرة أريد لها أن تُمحى، ولإنسان أريد له أن يغيب عن سجل التاريخ.
لاهوت العنف وسياسات الذاكرة:
يشكل الفصلان الثالث والرابع من الباب الثاني بنية فكرية متكاملة، إذ يبدوان للوهلة الأولى، وكأنهما يعالجان موضوعين منفصلين؛ غير أن القراءة المتأنية تكشف أنهما ينتميان إلى سؤال فلسفي واحد: "كيف يتحول الدين إلى موضوع للصراع السياسي، وكيف تتحول الذاكرة التاريخية إلى أداة لإعادة إنتاج العنف؟.
الفصل الأول يناقش مقولة "الحرب والإرهاب باسم الله"، بينما يتناول الثاني ظاهرة "معاداة السامية" بوصفها نتاجا لتاريخ أوروبي طويل، لا لخصوصية شرق أوسطية. وفي الحالتين معا، لا يشتغل المؤلف على الوقائع وحدها، بل على البنية المعرفية التي تصنع المفاهيم، وتعيد إنتاجها داخل الخطاب السياسي والإعلامي.
إن أول ما يلفت الانتباه في مقاربة الباحث هو رفضه التعامل مع مفهوم "الجهاد" باعتباره مرادفا جاهزا للعنف. فالمفاهيم كما يذكرنا راينهارت كوسيليك، لا تمتلك معنى ثابتا خارج سياقها التاريخي؛ إنها تتحول بتغير الأزمنة، وتتبدل وظائفها بتبدل البنى الاجتماعية والسياسية. ومن ثم فإن الجهاد، قبل أن يصبح شعارا أيديولوجيا أو مادة إعلامية، كان مفهوما فقهيا وأخلاقيا واسع الدلالة، تراوح بين مجاهدة النفس والدفاع عن الجماعة وتنظيم العلاقة بالحرب والسلم وفق شروط وضوابط دقيقة.
ومن ثمة يتم تفكيك واحدة من أكثر الصور رسوخا في الإعلام الغربي المعاصر، وهي اختزال الإسلام في كونه دينا يؤسس للعنف أو يمارس الإقصاء تجاه الأقليات الدينية. فهذه الصورة في نظر المؤؤلف، لا يمكن فهمها خارج ما سماه إدوارد سعيد "الاقتصاد المعرفي للاستشراق"، حيث لا يُقدَّم الشرق كما هو، بل كما تحتاجه المخيلة السياسية الغربية؛ شرقٌ يُعرَّف باستمرار عبر مفردات التطرف والعنف واللاعقلانية، بما يبرر استمرار الهيمنة الثقافية والسياسية عليه. ولا يعني هذا إنكار أن جماعات متشددة ارتكبت أعمالا إرهابية باسم الإسلام؛ فكاتبنا لا ينفي الوقائع، لكنه يرفض تحويلها إلى تعريف للدين نفسه.
إن الفارق كبير بين النصوص المؤسسة، وتأويلاتها التاريخية، واستعمالها السياسي. ويمكن هنا الإحالة إلى ما يذهب إليه طلال أسد، الذي يرى أن العنف لا يصدر عن الدين بوصفه جوهرا ثابتا، بل عن أنماط معينة من توظيفه داخل مشاريع السلطة والصراع. فالحرب المقدسة ليست اختراعا إسلاميا، بل هي مفهوم عرفته الديانات الإبراهيمية جميعا، بل وتجاوزها إلى حضارات أخرى. وقد شهد التاريخ المسيحي الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، كما عرف التاريخ اليهودي نصوصا دينية ارتبطت بفكرة الحرب، شأنه في ذلك شأن كثير من الموروثات الدينية القديمة. ولذلك فإن إسناد العنف إلى دين بعينه، مع تجاهل السياقات التاريخية المقارنة، لا يعدو أن يكون انتقائية معرفية تفتقر إلى النزاهة المنهجية. ومن زاوية التاريخ الإسلامي، يستعيد الكتاب تجربة الدولة الإسلامية الأولى في تنظيم علاقتها بأهل الكتاب، حيث لم يكن اليهود والمسيحيون يُنظر إليهم باعتبارهم جماعات خارج المجتمع، بل باعتبارهم مكونات اجتماعية خاضعة لنظام قانوني خاص، عُرف تاريخيا بنظام الذمة، وهو نظام ارتبط بزمانه وشروطه التاريخية، شأنه شأن أنظمة المواطنة التي عرفتها الإمبراطوريات القديمة.
ولا يعني ذلك إضفاء طابع مثالي على التجربة؛ فقد شهد التاريخ الإسلامي، كما شهدت كل الحضارات، لحظات ازدهار ولحظات ظلم، غير أن الصورة العامة تكشف أن التعايش ظل، في فترات طويلة، ممكناً ومؤسسياً.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما عرفه التاريخ العثماني بعد سقوط الأندلس سنة 1492، حين استقبلت الدولة العثمانية عشرات الآلاف من اليهود السفارديم الفارين من محاكم التفتيش الإسبانية، ومنحتهم حق الإقامة والعمل والمشاركة الاقتصادية في مدن مثل إسطنبول وسالونيك وإزمير.
ولا يقدم بالكتاب هذه الواقعة بوصفها مديحا لإمبراطورية بعينها، وإنما باعتبارها دليلا تاريخيا على أن معاداة اليهود لم تكن السمة المؤسسة للعلاقة بين الإسلام واليهودية، كما توحي بعض السرديات المعاصرة. ومن هنا ينتقل إلى تفكيك مفهوم "الإرهاب الديني". فالمشكلة، في نظره، لا تكمن في توصيف الأفعال الإرهابية حين تستهدف المدنيين، بل في الانتقائية التي تحكم استخدام المصطلح. فكثيرا ما يُلصق وصف "الإرهاب الإسلامي" بجماعات أو أفراد ينتمون إلى خلفية دينية معينة، بينما توصف أعمال عنف أخرى بأنها "دفاع عن النفس"، أو "عمليات أمنية"، أو "حروب استباقية"، رغم أن آثارها الإنسانية لا تقل تدميرا. وهنا يستحضر القارئ أطروحة حنة آرندت التي ميزت بين القوة والسلطة والعنف، مبينة أن احتكار تعريف العنف هو في ذاته أحد أشكال السلطة.
ولا يغفل الكتاب الإشارة إلى أن بعض الفاعلين الإقليميين، ومن بينهم النظام الإيراني، يوظفون المرجعيات الدينية في بناء الشرعية السياسية أو في تأطير الصراعات الجيوسياسية، بما يؤكد أن الدين قد يتحول، في سياقات معينة، إلى لغة للسياسة أكثر منه تعبيراً عن الإيمان. غير أن هذا الاستخدام لا يجوز تعميمه على الدين نفسه، تماما كما لا يمكن اختزال المسيحية في تاريخ الحروب الصليبية، أو اليهودية في سياسات دولة إسرائيل.
وفي المقابل، يوسع بالمؤلف دائرة النقاش ليتناول ما يمكن تسميته بـ"الإرهاب السياسي العلماني"، أي ذلك العنف الذي تمارسه دول أو حركات أو أنظمة لا تستند إلى مرجعية دينية، بل إلى أيديولوجيات قومية أو عنصرية أو شمولية. فالقرن العشرون، كما يذكر زيغمونت باومان، لم يكن قرن الأديان بقدر ما كان قرن البيروقراطيات القاتلة؛ إذ ارتُكبت أفظع المجازر باسم العرق والأمة والثورة والأمن القومي والتطهير الإثني. ولذلك فإن ربط الإرهاب بالدين وحده يحجب عن الوعي واحداً من أخطر أشكال العنف الحديث: عنف الدولة المنظمة.
ومن هذا الأفق الفكري يعبر الكاتب إلى الفصل الرابع، حيث يناقش معاداة السامية، لا بوصفها ظاهرة شرق أوسطية، بل باعتبارها مرضاً تاريخياً أوروبياً تشكل عبر قرون من الإقصاء الديني والاقتصادي والاجتماعي. فقد عاش اليهود في أوروبا قرونا من العزل والتمييز والمذابح، وصولا إلى الكارثة النازية التي مثلت الذروة المأساوية لهذا المسار. ومن ثم فإن تحميل العرب أو المسلمين المسؤولية التاريخية عن معاداة السامية يمثل في نظره، قفزا على الوقائع التاريخية وإعادة توزيع للذاكرة بما يخدم توازنات سياسية معاصرة. ويعيد بشارة التذكير بأن العلاقات بين المسلمين واليهود لم تكن عبر التاريخ، قائمة على عداء دائم. ففي الأندلس، كما في بغداد ودمشق والقاهرة وإسطنبول، ازدهرت فترات طويلة من التفاعل العلمي والتجاري والثقافي بين المسلمين واليهود، وأسهم علماء ومفكرون يهود في بناء الحضارة الإسلامية، كما أسهم المسلمون في حماية جماعات يهودية خلال مراحل مختلفة من التاريخ. أما في فلسطين، فقد ظل العرب واليهود، قبل صعود المشروع الصهيوني الحديث، يعيشون ضمن نسيج اجتماعي معقد تحكمه علاقات الجوار والمصالح الاقتصادية والانتماء المحلي. ولم يتحول هذا التعايش إلى صراع وجودي إلا مع انتقال الصهيونية من فكرة قومية إلى مشروع استيطاني ارتبط بإقامة دولة على أرض مأهولة بسكانها.
ـــــــــــــــــــ
*"الاستشراق السويدي" منتخبات مترجمة: د سعيد الجعفر، دار المامون، العراق ـ ط1/ 2021 (348 صفحة)
https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa.../





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...