علي سيف الرعيني -| التكنولوجيا : ونحن الى اين وصلنا ؟

لقد تحولت التكنولوجيا في كثير من صورها، إلى منظومةٍ واسعة تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وتعيد تعريف العمل والوقت والعلاقات وحتى معنى الحرية. والمفارقة الأكثر قسوة أن الإنسان، الذي صنع الآلة ومنحها القدرة عبئ التعلم والحساب والاستجابة اصبح ربما اقل حرية منها
نحن نعيش زمنا تستطيع فيه الآلة أن تتوقف عندما تنتهي مهمتها، بينما يُطلب من الإنسان أن يستمر حتى بعد أن ينتهي منه التعب. الروبوت لا يشعر بالإهانة حين يُعار تشغيله، ولا يحمل إلى بيته قلق مديره، ولا يستيقظ منتصف الليل خارقا من رسالة قد تهدد مستقبله الوظيفي. أما الإنسان، فيحمل عمله معه إلى منزله، ويحمل خوفه إلى سريره، وربما يحمل الاثنين إلى أحلامه
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: الروبوت أكثر حريةً من الإنسان
ليس لأنه يملك إرادة أوحقوقا، وإنما لأن الإنسان نفسه صار يُعامل أحيانًا كجزء من آلة أكبر؛ آلةٍ لا تهتم إلا بالإنتاج والسرعة والأرقام
وهكذا تحولت التكنولوجيات من وسيلة لتحرير الإنسان من مشقة العمل إلى وسيلة لمضاعفة العمل عليه المشكلة ليست في الروبوت ولا في الذكاء الاصطناعي، ولا في الخوارزميات. المشكلة في الإنسان حين يستخدم هذه الأدوات بلا أخلاق وحين يجعل التقنية ستارًا يخفي خلفه الجشع والاستغلال وإلغاء الكرامة.
فالتقدم الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان وإنما أن يصبح الإنسان أكثر إنسانية
ليس إنجازا. أن نملك أنظمةً أستطيع مراقبة العامل طوال ساعات اليوم، إذا كنا عاجزين عن منحه ساعةً واحدة يشعر بيها بأنه إنسان لا رقم. وليس تقدما أن نستطيع قياس إنتاجيته بدقة، بينما نعجز عن قياس مقدار ما يتركه الضغط النفسي في روحه لقد صنعت التكنولوجيا عالما مذهلا من السرعة والاتصال لكنها لم تضمن لنا عالما أكثر عدلا وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا: إذا كانت التكنولوجيا قد وُجدت لتحرير الإنسان، فلماذا يشعر الإنسان اليوم أنه محاصرٌ أكثر؟ربما لأننا أخطأنا حين جعلنا التكنولوجيا غاية بدل أن تكون وسيلة
فالآلة لا تطلب راتبا، ولا تبحث عن كرامة، ولا تخاف من الغد، ولا تشتكي من الإرهاق. أما الإنسان، فله قلبٌ يتعب، وأسرة تنتظر، وأحلام يريد أن يعيش من أجلها ولذلك فإن المعركة القادمة ليست بين الإنسان والروبوت كما تصورها بعض الخيالات إنها معركة الإنسان ضد تحويل الإنسان إلى روبوت
أن نحافظ على حقه في الراحة، وحقه في الخطأ وحقه في الخصوصية، وحقه في أن يقول: تعبت دون أن يُنظر إليه باعتباره آلة تعطلت.
فالإنسان لم يخلق ليكون ترسًا في ماكينة الإنتاج، ولا رقمًا في جدول، ولا إشعارًا في تطبيق، ولا مؤشرًا على شاشة
وحين نصل إلى اللحظة التي تصبح فيها الآلة قادرة على التوقف دون عقاب بينما لا يستطيع الإنسان أن يتوقف دون أن يخسر لقمة عيشه فعلينا ألا نسأل فقط: إلى أين وصلت التكنولوجيا؟ بل علينا أن نسأل السؤال الأهم:إلى أين وصلنا نحن؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...