فاتن فاروق عبدالمنعم - الصليبيون الجدد (15)

(15)



عود على بدء:
كيف كانت البداية؟ ماهي دوافع الخطو الأول في الحروب الصليبية؟ تفكيك المفردات سيجيب على الكثير من الأسئلة وبها يتم محو الزيف الممنهج الذي مورس على الوعي الجمعي من قبل المستشرقين وذيولهم في بلادنا، وحتى لا يخرج علينا مأفون ليشكك فيما نقول زاعما أننا غارقون في نظرية المؤامرة فإننا نذكره بأن الحياة على الأرض قامت على الصراع بين آدم وذريته مع الشيطان وذريته، بمعنى أن الصراع بين الحق والباطل في ديمومة لا تتوقف ما يعني أن الشيطان وحوارييه لن يتوقفوا عن التآمر إلى قيام الساعة وهذه سنة الله في أرضه.
وبالنظر إلى أصل النزاع القائم فإننا نجد أن الصليبيين أقاموا مملكتهم في الشرق وقسمت القيادة بين مجموعتين بما يسمى الصقور والحمائم، بينهما فروق بسيطة لكن الهدف والمقصد واحد، حدثت بينهما خلافات كادت أن تصل إلى حرب أهلية في الوقت الذي أسس فيه صلاح الدين كتلة متماسكة في مواجهة الكتلة الصليبية في زمن الخلافة العباسية في فترة من التداعي تستشعر معها أن منصب الخليفة العباسي أصبح شرفيا أكثر منه قيادة مؤثرة في مقابل علو كعب صلاح الدين لدى عوام المسلمين الذين اصطفوا خلفه.
أما الصقور والحمائم فقد أصابهم غرورهم بالعمه ما جعل رينو دو شاتيون أو البرنس أرناط كما يسميه العرب واحد من الصقور أن يهاجم قوافل الحجيج المتجهة إلى المدينة المنورة عازما المضي قدما لمهاجمة المدينة ومكة "مدينة الكفار" والذي كان يقول عنها أن مرآها يمثل له إغراء لا يقاوم وينوي سحب النبي "راعي الإبل اللعين" من قبره والزحف على مكة وتسوية الكعبة بالأرض
(عندما احتل الانجليز مصر كان اللورد كرومر يقول جئت إلى مصر للقضاء على القرآن والأزهر والكعبة)
في الوقت الذين أبرموا اتفاق مسيق لهدنة مع صلاح الدين وهاهم قد نقضوا العهد بفعلهم هذا واتبعوه بالمزيد، وقد وصفت كارين فعل رينو بالقول:
"وبإمكاننا أن نرى في رينو دو شاتيون تجسيدا بليغا لمخاطر المتطرفين الدينيين في دولة إسرائيل الحالية، الذين يعتبرون السلام مع العرب خطيئة آثمة، والذين لا ينفكون يخوضون حربا مقدسة على الإسلام"
وردا على إغارة الصليبيين على الحجاج المتجهين إلى المدينة وأخذهم الغنائم قام صلاح الدين باحتجاز سفينة لحجاج مسيحيين تقل 150 حاجا ولم يعرف مصيرهم هل تحولوا إلى أرقاء وهاجم المسلمون ممالك الصليبيين وأغاروا عليها واستولوا على قلعة حبيس جلدك المسيحية نتيجة صلف رينو دو شاتيون.
واعتبرت كارين مجيء سيف الدين العادل أخا صلاح الدين انقذ الجانبين من مجزرة محققة لا يعلم متى ولا كيف ستنتهي فقالت:
"ومن حسن الحظ أن سيف الدين العادل، أخا صلاح الدين حضر على عجل من مصر للنجدة، فسحق الأسطول المسيحي، وساق الأسرى إلى المدينة وهم مقيدون إلى ظهور الأبعرة، وقطعت رؤوس القراصنة، ونجا رينو من هذا المصير لأنه تراجع إلى مؤاب"
وأقسم صلاح الدين أن يقتل رينو بيديه، أما غي دو لوزينيان وهو واحد من الحمائم والذي تصدى بجنوده لحصار صلاح الدين لهم في إحدى الممالك الصليبية مما جعل صلاح الدين يعود بجيشه دون أن يهاجمهم وعد هذا نصر لغي بينما هو نصر ليس له أي فائدة لغي تذكر وفي ذلك تقول كارين:
"فعدا أنه تشاجر مع الصقور، وازدري من قبل الجنود العاديين بسبب وقفته الخانعة أمام الإسلام"
ما بين الوضيع رينو والبرنس صلاح الدين:
في قصر رينو بالكرك أقيم حفل زفاف إيزابيلا وهمفواي، عد هذا الزواج معاهدة صلح بين الحمائم والصقور مما يعضد من الصليبيين ككتلة موحدة، كان صلاح الدين مازال على عهده بقتل رينو فحاصر القصر بجيشه وقام المدعوون للحفل بإرسال بعض الأطعمة الخاصة بحفل الزفاف لصلاح الدين لإخباره بأن هنا حفل زفاف فتراجع صلاح الدين ورفض مهاجمتهم، بينما حضر بالدوين بجيشه للذود عن القلعة المحصنة فانصرف المدعوون للحفل وهم منقسمون بين الانتماء للحمائم والصقور.
عدت كارين هذا السلوك من المسلمين والمسيحيين راقيا مبهرا بينما المتعصبون هم دائما ما يقودون المشهد إلى الجنون.
استنفار عام:
عاد رينو للاستفزاز مجددا وأطلق طاقته العدوانية من عقالها وهاجم قافلة أخرى للتجار والحجيج فذبح جميع الرجال وساق الباقين أسرى إلى الكرك ومن بينهم شقيقة صلاح الدين ولما ذكره أحد الأسرى بالهدنة المعقودة بينه وبين صلاح الدين قال رينو في هزء وتهكم:
"ليأت محمدكم إذن لفك أسراكم"
فأعلن الاستنفار العام للجهاد المقدس ضد الفرنجة واستجاب المسلمون من كافة الثغور حتى بدت المدينة غارقة في بحر من الخوذات اللامعة والبيارق المتماوجة، تحف بها عدد لا حصر لها من الخيام المصنوعة من وبر الجمال يتقي بها العساكر حر الشمس، ولأول مرة منذ قرون يتم تعبئة الإسلام في حرب مقدسة وناجحة على هذا النحو، ولم يستطع الصقور والحمائم تقدير الخطر الماحق بهم فظلت خلافاتهم في تصاعد، وحدث النزال الذي انتهى بنصر ساحق للمسلمين تبادل الصقور والحمائم في أعقابه الاتهامات، كل يلقي باللائمة على الآخر فيما سمي بمجزرة عين الأقحوانة.
ولنا هنا وقفة:
عندما يحتدم الأمر كان الصليبيون يقولون عن خصمهم "الإسلام" دون تسمية القائد أو جيشه الذي خرج جنده من ثغور شتى مدفوعا فقط بنصرة الإسلام الذي يناوئه العدو ولا يرى أمامه سوى الإسلام بغض النظر عن جنسية جنده، كلهم ممثلون للإسلام، ولي سؤال ملح هل المترفون الذين يعيثون في بلادنا فسادا ويتصدرون المشهد يمثلون الإسلام! الذي لا يرى عدونا سواه، هل عراة الساحل الشرير مواطني إيجيبت يمثلون الإسلام؟ هل لو أعلن الاستنفار العام لمواجهة عدو صائل لا يرى فينا سوى الإسلام سيواجهونه؟ أم أنهم سيطيرون إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط أو المحيط ويتركوننا بإسلامنا المزعج!! نقبض على الجمر بأيدينا.
هل الوجوه التي تتصدر مختلف الوسائط الجديدة والتي تقدم محتوى ما بفراغ عقولهم ومحتواهم المبتذل ووجوههم وأشكالهم الغريبة بل ومفرداتهم وطريقتهم في التعبير ومنطقهم الأسوأ تمثل الإسلام؟
فمن أين هبطوا علينا إذن؟
هبطوا من الانقسامات التي مارسها المحتل منذ أن حل نابليون بخيله ورجله إلى بلادنا وقد فجر الأرض بأعراقها وقومياتها ولغاتها ليقطعنا شراذم متضادة، ويأتي كل جيل ليكمل المسيرة حتى بلغنا منعطفا خطيرا من كوننا أصبحنا دوائر مغلقة على نفسها لا تتماس ولا تلتقي في نقطة إلا لتبادل السباب والاتهامات، تجمعات سكنية بأسوار عالية ومدارس تنتمي إلى لغات وثقافات شتى لا يوجد رابط بينها، هي ليست إلا مزيد من الانقسامات والتغريب وضياع الهوية والدين واللغة فيكون منتوجها في النهاية مسوخ ضعيفة في كل شيء، ولا تشبه الإسلام في شيء ولا تشبه حتى الثقافات التي تربت عليها، فأي هوان أصبحنا فيه.
جنود الحملات الصليبية خرجوا من بلادهم لمواجهة الإسلام، أما نابليون وجنوده وما تلاهم فقد حرصوا على طمس الرؤية علينا فلا نرى الحقيقة بمساعدة التغريبين الذين مازالوا يقومون بدورهم على أكمل وجه فمتى نستفيق؟
وللحديث بقية إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...