إن "جعل القراءة شكلًا من أشكال الكتابة التي تسد الثغرات" هو أحد مواهب وقدرات القراءة الرديئة التي يُسلط البحث الضوء عليها. حيث لا يكمن السؤال في ما إذا كان المرء ينتمي إلى فئة القراء الجيدين أو الرديئين بعد هذه القراءة الأخيرة، بل في كيفية أن يصبح قارئًا أفضل من خلال الجمع بين نقاط قوة مناهج عدَّة، قد تكون غير مألوفة ومُربكة أحيانًا، والتي يمكن أن تعمل معًا في فعل القراءة والتفسير، مما يُعيد تنشيطهما.
Maxime Decout, Éloge du mauvaislecteur
مكسيم ديكو: مديح القارىء الرديء
خيط رفيع جداً
كما هو متوقع، من جهتي هنا، يمضي بنا كاتبنا الشاعر والروائي الكردي سليم بركات إلى ذات العالَم المعهود، أعني به المنسوج في متخيله الغرائبي لفتَ نظر إلى عالَم هو في أصله، كما يبدو، لا يخفي غرائبياته هذه، وذلك في روايته الأحدث صدوراً" إيثاكا" ( منشورات دار الزمان، دمشق، 2026، وبتجليد فني وأنيق، حيث إن لوحتي الرواية للكاتب نفسه)، ولعلها الرواية الأضخم من بين أعماله الشعرية والروائية وتلك المنتمية إلى النقد، إذ تقع في " 770 صفحة" من القطع الوسط، استمراراً لسلسلة من الروايات التي باتت تُعرَف مؤخراً، بضخامة حجمها، مقارنة برواياته التي امتدت لعقود من الزمن، ربما بدءاً من روايته " السماء شاغرة فوق أورشليم " وهذه في " جزئين " ، وما في هذا " التصعيد " الكتابي الروائي من إيحاء نفسي وتقديري لعلاقة الكاتب بعالمه المحيط به وأبعد، وهو المقيم في السويد منذ أكثر عقدين ونصف العقد من الزمن.
وقد نوَّهت إلى هذه النقطة في مقال لي منشور في إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن.
وفي هذه الرواية
في روايته هذه، التي تستدعي إحداثية مكانية – زمانية لها حضورها في ما هو أدبي أسطوري وملحمي " أوذيسة هوميروس" والمحرّك الذائع الصيت باسمه أوديسيوس أو يوليسيس، وذلك الربط/ النسج الذي تكفَّلَ به خيال بركات في إيقاظ ما كان في عهدة هوميروس وبطله الملحمي المقرَّب وكذلك المراقَب من آلهة يونانه في مغامرته التي عاش فيها كما كابد أهوالاً على مدى سنوات عشر، ليجري زجه، وقد جرى توليفه في متخيل بركات بطبعة خاصة به، نازعاً عن هوميروس اسم ملحمته، مسقطاً إياه معدَّلاً : أوذيسة: أوديسياس/ أوديسيوس، والأكثر حضوراً بما لا يقاس هو أوديسياس، مختلفاً تماماً عن قرينه الملحمي ذاك، مهزوماً وشاهد عصر على هزيمة لا تسمّيه المذنب الأوحد، من خلال الربط بين طروادة المأثورة بتاريخها، وإيثاكا مدينة يوليسيس وزوجته بينيلوبي التي انتظرته وهو يواجه أهولاً براً وبحراً،وإيثاكا الراهن، حيث الوضع مختلف، ومن خلال إحداثية قائمة ومهددة لما هون عالمي ، تتمثل في المتشددين دينياً، باسم الإسلام، والأفغان في الواجهة ، الاسم الذي يكاد يستقطب مجمل الكتاب، واعتماداً عليه، تكتسب إيثاكاً بكل حمولتها الرمزية حضوراً دلالياً آخر، خطاب واقع مستقصى يتوجه ليس إلى قارىء الرواية فحسب، إنما كل المعنيين بالحياة.
إضاءة
استغرقت في قراءة الرواية من ألفها إلى يائها، كما هي علاقتي قارئاً وناقداً لأعمال بركات المختلفة، في مقالات عديدة، عدا عن كتابي عنه" قتل الأب في الأدب: سليم بركات نموذجاً- دمشق 2007"، من خلال قراءتي كنت أحاول توسيع زاوية القراءة أكثر فأكثر، مع وقفات في محاولة للربط وتبيّن المختلف،ومكاشفة المضاف والجديد، والإشارة إلى ذلك " بقلم الرصاص "، تجاوباً مع المساحة المعطاة والهائلة للرواية، وسردية الوقائع وتداخل الماضي والحاضي، ما يكون حقيقياً ومجازياً، ولعبة الأسماء ولبوسها فيها.
لا أخفي أنني عشت متعة القراءة هنا وهناك، ولا أٌقول جرياً على عادة المأخوذين بجاذبية الاسم بالمطلق كردياً، إنما تجاوباً مع محرّك النص، وتحرّي مغزاه في حدود المتاح، إنها متعة مفصَح عنها من خلال مؤتى النص هذا، وكيف جرى نسجه، أو نوعية السرد، وأي ضابط حركي غلب سريانَ فعله من أوله إلى آخره.
متعة تترافق مع خيبة ذات صلة بسيرورة النص وصيرورته، وأنا أجدني إزاء نص طويل جداً، وسرد قصير جداً بحيويته، لحظة اقتفاء فعل متخيل الكاتب، وكيف يتعامل مع الأحداث التي عُرِف بها نصه " الإيثاكي ".
لهذا، فأنا أعتبر قراءتي هذه قراءة رديئة، وعسى أن أن يتلمس القارىء القارىء" مضاعفاً " في هذه العبارة التي قد تكون غريبة عليه/ لديه، ما يحفز فيه إرادة النظر إلى ما وراء العبارة، أي ما تعنيه الرداءة، كقراءة إزاء نص له حضوره من خلال اسم كاتبه، وكاتب من خلال نصه هنا وهناك .
في المعترك
جعلتُ من عبارة ": قراءة رديئة " أكثر من كونها مدخلاً إلى رواية بركات، لتكون هذه خاصتي، ولا صلة لها برواية بركات، في الوقت الذي تشكلتْ في ذهني من خلال قراءتها، ولكن وضعها هكذا ينطلق من تقدير قائم على المغايرة النصية، على تنبيه غفل من الاسم، وما في الإجراء هذا من مغامرة صادمة للآخر.
حين يُقرأ هنا وهناك، ومن قبل غالبية قرائه الكرد بالعربية، قبل كل شيء، على أن كل ما يمضي عليه بركات لا يجب الشك في إبداعه المتفرد، أو المساءلة من باب التقليل مما جاء به الكاتب في نصه أو حتى مقاله.
وأنا أشير هنا، إلى أن الفصول العشرة التي تتقاسم رواية " إيثاكا " يمكن خفضها إلى خمسة فصول، في حدها الأقصى، دون أن تخسر الرواية شيئاً من قيمتها الجمالية، أو سرديتها الأدبية. خاصة حين يجري النظر في علاقة الفصول بمفهوم الزمان، حيث إن الفصل الثاني وهو الأطول في الرواية " صص 61-182 " يليه الثالث ترتيباً " صص 183-292 "ثم الخامس" صص 347-433 "، فالعاشر" صص693-766"..
إن الفصل الثاني الذي يتمحور حول الفترة التي أمضاها هو وزميله المختطف معه، وكذلك زميلتهما، وهم متطوعون في المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، في أفغانستان، ولو أن " إفرا " زميلتهما كانت أقل، لأنها تزوجت أفغانياً، وأعطيَ اسم " هادياً " تعبيراً عن " تعميد " ديني إسلامي مختلف لها،هذا الفصل يمثّل الفضاء الزماني- المكاني، للرواية، ويستغرق أربع عشرة سنة، وبدءاً من الفصل الأول الذي يجري فيه التحقيق حول قتل أوديسياس لزوجته إلى جانب خادمتيها: أندروميدا وكاساندرا وعشاقها السبعة، ضمناً زميله إيومينوس،لأنه اشتهى زوجته، حيث إنه انضم هو نفسه إلى قائمة عشاقها، ليكون هذا الفصل، وبدءاً من الصفحة" 753 " وانتهاء بالصفحة " 760 " الأكثر رعباً ودموية، في أسلوب القتل، بالسهام من جهة ابنه تيليماك، والمطرقة من جهة أوديسياس، ربما في كل أعماله من هذا الباب، وليباشر أوديسياس هذا،عملية تحطيم الحصان الذي نحتته زوجته، على مدى ثلاث صفحات ونيف" صص759-764" تخلصاً من كل أثر مما كان، وليظهر باسم أوديسيسوس في الصفحة" 765 " وقد اتصلت به " إفرا.."، مسلماً نفسه للشرطة، وباعتراف منه، إذ يجري التحقيق معه في الفصل الأول، وما يخص تعليقه على صوت سيارة الإسعاف تتقدمها عربة الشرطة، عندما استفسرت إفرا عنه، بقوله اللافت ( إنه نباح كلاب أفاقت على صهيل الحصان الخشبي في طروادة. ص 766 " وتنتهي الرواية.
في التقصّي
كما قلت آنفاً، يمكن تخليص الرواية من فصلول خمسة فيها على الأقل دون أن يُساء إلى محتواها.
لعل ذلك قد يصدم القارىء المعتاد، وهو يقرأ عبارة تقريرية كهذه. لا بأس. أنا أقدّر مسبقاً ما يمكن أن يقال. حين أرجع إلى بركات، وهو يحدد موقفه من الكتابة وما تعنيه بالنسبة إليه، عندما أذكّر بكتابه الحواري:
" لوعة كالرياضيات وحنين كالهندسة" حاوره وليد هرمز، المؤسسة العربية، بيروت، 2020" :
أنا هو الكتابة. وجودي هو الكتابة. أنا والكتابة- سطوراً وقصاصات ورق ٍ ، وملاحظات ، وتدوينات تسويداً- مشيئة كل يوم في النهوض من النوم حتى الخلود إلى النوم.ص19.
الكتابة تمرين عضلي. ص50
وما يقوله تعبيراً عن علاقته بما يكتب، شعراً أم رواية:
لا أبدأ إلا من مأزق، وكل كتاب لي هو مأزق أرمي بنفسي فيه. ص 84.
ذلك ما يمكن النظر فيه، الاختلاف عليه، في كيفية إخراج قول كهذا وطرحه ومكاشفة مغزاه. فالتوصيف جمالي ودلالي ومجازي في بنيته. أما عن الكتابة كمأزق، فهذا ما لا يختلف عليه اثنان. كل كتابة فعلية لها نسب مأزقي، هكذا هو الفكر في منبته، هكذا يكون الشعر، وكذلك أي نوع أدبي. المأزق محرقة الكاتب ومخاض ولادة فكرته أو نصه الذي ينتظره. إإنما التعبير يبقى مختلفاً تماماً.
بركات غير راض ٍ، ربما بصورة مطلقة إجمالاً، عن النقد، النقد العربي، كما في قوله في كتابه الحواري ذاك( عن النقد: كتبتُ مراراً عن مآسي النقد العربي الهزيل... نقد مستسلم، طيّع، يمشي على الجانب الآمن من أحكامه. ما يخرج على النمطي يُرْبكه، ويكشفه فقيراً، وأدبي لن يستسلم ليحظى بـ " شفاعة " البؤساء النقاد إلا قلَّة من الأقوياء الجسورين أحفظها لهم. أما في اللغات الأخريات ( أعني الترجمة) فقد نلت قسطاً وافراً من التكريم . ص 82 .).
لا بد أن في ذلك استعلاء ومكابرة. من جهة أخرى، ومن خلال متابعاتي عربياً وأجنبياً" فرنسياً على الأقل" لم يسبق لي أن عثرت على مقال يؤكد ما ذهب إليه بركات. ربما في السويدية أو غيرها يوجد ذلك، إنما لماذا لم يُترجَم أي أثر مترجم عن أعماله، أو عمل له، إلى العربية، أو الكردية من قبل قرائه، على الأقل ليكون في ذلك الدرس التربوي لمن يريد أن يتعلم القراءة وطريقة نقد النص، نصه أو كيفية تذوق الكتابة عينها.
بركات يتنفس الغرائبية في كتاباته، ذلك معهود في نصوصه، وقد كتِب عنه الكثير في هذا الشان( على الأقل، وأنا أشير إلى إسهامات الباحث الأكاديمي المغربي شعيب حليفي، في «شعرية الرواية الفانتاستيكية "، والباحث المغربي الآخر محمد بو عزة، في " هرمينوطيقا المحكي"...إلخ ".
ولا يخفي بركات مدى رهانه على ذلك، حين نقرأ في كتابه :
التعجيل في قروض النثر، دار الزمان، 2010، :
وقصدي من " الغرائبية " هو الاشتغال في الجانب الغامض من المصائر. حيث الكمالُ الذي يُعمي، حيث رهان الحرية على أـمّه في سباق المعنى..ص158.
ذلك ما يمكن تجلّيه في نصوصه المختلفة في الشعر والرواية، وفي أعماله الروائية الأخيرة أكثر: موسوعة الكمال بلا تحريف" نشوء المعادن"- ميدوسا لا تسرّح شعرها- رؤوس وتوابل..- استئجار الاشباح..إلخ .
لا يخفي بركات تساؤلاً على تمام مباشر بما يخصه في عالمه الذي يعيش فيه، وطريقة عيشه، وكذلك كتابته في وضعه هذا، كما في قوله، والذي ورد في " التعجيل في قروض النثر ":
أسأل نفسي، أحياناً: هل اخترت بطش الكتابة بالتعويض، في العزلة، عن وجود " هنا"؟. لا أعرف أيّ الصياغات هي الأنسب : " الوجود في الكتابة"،" الوجود القائم بالكتابة"، " الكتابة القائمة بوجودها الذاتي". هذه أجزاء من الحيلة للعثور على مخرج.ص175.
سؤال موجه إلى الذات بالطبع، إنما يفيد قارئه وناقده معاً، وأرى أنه من المستحيل بمكان أن يكون هو طارح السؤال بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخر قارئاً أو ناقداً، ويكون الجواب من لدنه بالتالي.
في هذا المنحى يمكن المساءلة عما يكتب، وما وراء الكتابة، ما وراء هذا الحضور اللافت لرواية بمثل هذه الضخامة في إثر روايات أخرى، وأين يمكن للقارىء أن يُسمعَه صوته باعتباره شريكاً في انتاج النص، دون ذلك، أي معنى للكتابة عينها، إن كانت مجرد خطاب موجه إلى الآخر ودون رد؟
هنا، تكون لمفهوم " القراءة الرديئة " وقفته، أو وجاهته، وأي مكاشفة منتظَرة من خلاله، حين نقرأ في نص يحمل العنوان نفسه" القراءة الرديئة Mauvaislecteur ":
( تتمثل العقبة الرئيسة التي تواجه أي تأمل في القارئ الضعيف في القيمية الضمنية المتأصلة في مفهوم القراءة الرديئة. فمصطلح "رديئة" يعني، في الواقع، افتراض معيارٍ يُبنى عليه هذا التشخيص. وبهذا المفهوم، تفترض القراءة الرديئة أننا نستطيع أولًا تحديد ماهية القراءة الجيدة. في هذه الحالة، تُقيّم القراءة وفقًا لنتائجها، أي جودة التفسير الذي تُنتجه. وبينما قد يكون هذا الأمر ممكنًا بالنسبة للنصوص المعلوماتية البحتة، يصبح الوضع أكثر تعقيدًا عند التعامل مع النصوص الأدبية. من المعلوم أن الأعمال الأدبية في هذا المجال لا تتطلب تفسيراً واحداً أو قاطعاً. بل على العكس، تتميز بتعدد معانيها وقدرتها على توليد قراءات لا حصر لها، شديدة التباين، ومتجددة باستمرار، الأمر الذي دفع، على سبيل المثال، أمبرتو إيكو (1932-2016) إلى الحديث عن "عمل مفتوح" (1962). في ظل هذه الظروف، يصبح التمييز بين القراءة الجيدة والقراءة السيئة دقيقاً للغاية، بل وربما غير مؤكد.).
قيمة هذا القول تنويرية، وهي تنبّه إلى لامحدودية القراءة، أو نسبيتها، أي ما يمكن أن يضاف إلأيها، أو يوسّع فيها، قيمة تمضي بنا إلى نزع الثوابت في الكتابة، أو تجاوز القوالب أو الأطر، كما في الفن" الرسم " وما يكونه الإبداع تجاوزاً، وبكثير للامرئي في الإطار. كذلك الرواية هنا.
للإيطالي ذي الصيت أمبرتو إيكو شهادة هي بمثابة اعتراف بخصوص علاقة اثنينية في عالم الكتابة: كتابة الروائي، كنموذج، وكتابة ناقد الرواية، ومتعة التشارك، حيث يقول في :
حكايات عن إساءة الفهم، ترجمة: ياسر شعبان، الهيئة العامة لقصور الثقافة،2006:
يجب علينا أن نحترم النص، وليس المؤلف بوصفه شخصاً وكذا وكذا. فكثيراً ما يقول المؤلفون أشياء لا ينتبهون إليها ولا يكتشفون ضرورة قولها إلا بعد ردود أفعال قرائهم.ص83.
المؤلف الذي يعطي لكتابه عنوناً مثل( اسم الوردة) يجب أن يكون جاهزاً لمواجهة تفسيرات مختلفة لعنوانه هذا.ص91
احترام النص! يقصي الكاتب عنه، لأنه أصبح ملْكية مشتركة، طالما تحرر من التشخيص.
بالطريقة هذه، كيف يمكن النظر إلى " إيثاكا "؟
ثمة ما يمكن قراءته، من زوايا مختلفة، وليس من نص مقدَّم بإقرار مثبت بما هو قاعدي، كعملية حسابية!
ماالذي جعل الأفغاني مادة بمثل هذا الاتساع في تأكيد الأثر، وتفعيل المعنى،محوراً رئيساً للرواية؟ كيف ارتقى الأفغاني" الطالباني" إلى مستوى النموذج لدى بركات، وثمة سؤال يخص خلفية الأفغاني الدينية ونوازعها الإيمانية ومراميها السياسية وتبعاتها المحيطية، وليس الأحدث في نموذج تنظيم الدولة الإسلامية " داعش " حتى اللحظة، حيث الأفغاني أصبح فرعاً من فروعه؟
للتذكير، فإن بركات خصص رواية كاملة عن ذلك، وهي :
" سبايا سنجار- المؤسسة العربية- بيروت، 2016"،
حيث نقرأ عن الثوب، الثوب الأفغاني أنموذجاً مقتدى به، والواسع بالذات، وربما بلسان الداعية( لماذا الثوب الافغاني، تحديداً، في اقتداء جنود الخلافة بالأسلاف؟ كل ثوب واسع يستر المفاتن ويخفيها. لا مطلوب أكثر. لكن طلب التمايز ينحو بمريدي الخلافة الجديدة إلى إحياء اللزوم بذبح اللزوم: ذبحٌ طُرُزٌ من الثياب كذبح طرز من الأعناق ، وتمجيد طرز من الثياب كتمجيد السكاكين رهيفةٌ ، ماضية في وضعها على الأعناق.
الأمر كله ذبح واسعه كثوب الأفغاني...ص184.) .
ودون أن يمضي أكثر من ذلك، أي إلى الأبعد في محيطه الجغرافي الذي ينتمي إليه" قامشلو- عامودا " كما أشرت إلى ذلك في كتابي عنه" مزاج الطحلب: سليم بركات في روايته" سبايا سنجار، عن مركز بيشكجي للدراسات الإنسانية، جامعة دهوك، العدد 61-2021 "؟
لا يؤخَذ الكاتب على أي خيار له، إنما يكون محط مساءلة عن نوعية الخيار مقارنة بسواه. بركات لا يدَّخر جهداً في الحديث عن المؤثر الإيماني في سلوك الأفغاني الاسم الجغرافي الذي أصبح لقبا، كما في هذا المشهد حيث يلتزم إيومينوس المختطف، والمحبوس الصمت وهو في أحد الكهوف الأفغانية، منبَّهاً من قبل أحد الأفغان لأن هناك من يصلّون( غطى فمه براحة يده اليسرى علامة التزام بالصمت الواجب في حضرة الخشوع استقبل به الأفغان المصلّون ربهم ، واستقبلهم ربهم .
التفتت أوجه المصلّين يميناً، ثم يساراً، في ختام الصلاة، يسلّمون بالكلمات صريحة المعاني على ملائكة شهود على صدق إيمانهم، يجاورونهم في الجلوس على الأرض، مدوّنين بأحرف من لغة الجلال النورانية حسنات لهم ستوضع في ميزان يوم القيامة- يوم الكيل بأوزان النور، وبأوزان الظلام، ككيل الدكاكين في الأرض قديماً بضائعها بالمكاييل الحديد، أو النحاس، قبل عصر اعتماد الأرقام تسطع على الألواح الزجاج مضيئة في الموازين الكهربية، الفائقة دقة لا تخطىء.ص77).
في هذا الفصل يمكن التعرف على أشياء كثيرة، من خلال مخيال غرائبي ممضيّ عليه من قبل بركات بفرادة معتبرة، أشياء لها صلة مباشرة بتوضعات الحقائق في عالمنا، بصدد القوة وتوجهاتها ومن يتولى أمرها تسمية أو تصفية أو تسوية، إن جاز التعبير، كما هو المعايَن راهناً، خيال بركات أكثر مما هو على الأرض، حيث يصعب القول عن أن بركات يلمّ ولو قليلاً بجغرافية أفغانستان، ولغة الأفغان، وسلوكيات الأفغان، كما هو المتوقع سرده في مشاهد تضفي على السرد مصداقية علاقة حسية. وهو يسترسل في نقاط كثيرة، منطلقاً من قدرته النشطة على استحداث مشاهد، عبر حوارات سريعة، أو عبارة شذراتية هنا أو هناك، كما في الحديث عن مفهوم " الأمم المتحدة":
( أمم تتقاتل في أمكنة. بعضها يسرق المياه من بعضها في تقاسم الأنهار. شعوب بأديان يكره دينٌ دينَ الآخر. يسمُ بعضهم أعراق بعض بالوضاعة، جيران يتآمرون على جيران..ص128).
وحين يتعلق الأمر بالدجاج وأثره في أحد الكهوف، واسترسالات متخيل السارد عن الدجاج:
اكتشِف الدجاج ، برصد العلم للكائنات، قبل عشرة آلام عام، أو في العام الخمسمائة بعد الألف قبل الميلاد..
...
وفي التنبيهات التاريخية من سيرة الدجاج أنه فت البشرَ بألوان ريشه وبضوضاء صوته، وبصياح ديكته الذكور، فعد طيراً غامضاً مثيراً.ص171.
وكما في الحديث عن السبّاك، وقول أوديسياس:
( أعتقد أن سلطة السبّاكين تعادل سلطة رؤوساء الدول. كل مطبخ يُصاب بعُسْر هضم في المواسير، عاجلاً أم آجلاً. إن لبّى السباك نداء الاستغاثة، لإصلاح عسر الهضم، عُدَّ حضورُه سعادة فردوسية للمطبخ.ص 675).
لتكون العبرة الكبرى، في عملية القتل، في نهاية، بداية لنهاية جديدة، لحياة أوديسياس، وهو يعلِم ابنه بالمقصد من القتل ذاك، أو لماذ فعل ما فعل:
-هشمتُ المرآة .ص 760.
لأن العالم الذي اشتاقه، العالم الذي تحمل العذاب حباً به، أصبح منخوراً، أو فاسداً وفيه من الوقاحة الكثير.
كما لو أنه هو نفسه يضع نهاية لحياته، وهو يعلِم الجهات المعنية بجريمة القتل، مبعداً ابنه عن ساحة الجريمة، ليتابع حياته، فهو الوسيط بين أبيه، رغم سخطه منه، والذين كانوا يحيطون به، أي عشاق أمه ومعها، وأبعد، وما في ذلك كم كوميديا سوداء، دون أن نعلم ماذا يمكن أن يحصل بعد ذلك.
وهو ما يعطي القارىء أهلية تفاعل مع المتوقع استناداً إلى نباهته، ورؤيته لقادم الأيام.
توقيع
أشدد على ما ذهبت إليه مجدداً، جهة الرواية في فصولها العشرة، وما توقفت عنده، حيث لم أقم بدراسة تتناول جملة النقاط التي تكوّن نص" إيثاكا " وكيفية التقابل بين تاريخين، كيفية التقابل بين واقع، ما كان لخيال بركات أن يوهَب مثل هذا الخيال الغرائبي صوب عالم لم يذهب إليه بشخصه، إنما استقى منه عبر قراءات معينة، ما يراه ضامناً لخياله مثل هذا النجاح في مهمة الكتابة، أو هذه القابلية لكتابة رواية في " 770 " صفحة.
أقولها ، وأنا أحتفظ بقراءتي الرديئة لنفسي، ولأدع للقارىء وصلته بذائقة القراءة هنا وهناك، المهم، أن تستمر القراءة خارج دفتيّ الكتاب: الرواية، وهذا المسطور في هذا المقال " الرديء "؟!