من كلمة "القندوح" إلى المسِّ بمقام رئيس الدولة

لقد سبق أن نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك مقالةً بتاريخ 16 غشت 2026 تحت عنوان "ويستمر بنكيران في التَّهريج واللاعقلانية". في هذه المقالة، بيَّنتُ أن السيد الأمين العام ل"حزب العدالة والتنمية" انتقل من سبِّ وشتم المغاربة الذين كان قد وصفهم ب"المٍكروبات"، في إحدى خرجاته، إلى توجيه اللوم إلى مستشاري ملك البلاد، حيث وصفهم ب"القنادِح". وقد بيَّنتُ، في نفس المقالة، متى وكيف يستعمِل المغاربة كلمةَ "قندوح"، من خلال تعريفها لغويا واصطلاحاً. وبينتُ، كذلك، عندما استعمل هذه الكلمة، كأن السيد الأمين العام ل"حزب العدالة والتَّنمية"يريد أن يقول لملك البلاد إنك لم تُحسِنْ اختيار مستشاريك. وهذه، بالطبع، إساءة وعدم احترام لمقامِ رئيس البلاد والعباد.

وعوض أن يتعقَّلَ الأمين العام ل"حزب العدالة والتَّنمية"، السيد عبد الإله بنكيران ويدخلَ "سوقَ رأسِه"، انتقل من توجيه اللوم إلى مستشاري رئيس الدولة إلى المسِّ بمقام جلالة الملك، قائلا : "خَصُنَا نْعَرْفُ أَشْنُ وْقَعْ". وهو يقصد ب"أَشْنُ وْقَعْ" الهجوم الكاسح لعشرات الآلاف من الشباب والأطفال الذين هاجروا أو كانوا يَنوون الهجرةَ إلى سبتة، على الخصوص. وحين أستعمِل، في هذه المقالة، كلمةَ "مقام"، فالأمرُ يتعلَّق يالمنزلة الرفيعة التي يضع فيها المغاربةُ (رجالاً ونساءً) ملكَ البلاد، احتراماً لمكانته وللمرتبة التي يحتلُّها في قلوب المغاربة.

والآن، دعونا نُحلِّل عبارة "خَصُنَا نْعَرْفُ أَشْنُ وْقَعْ". والبداية ب"خصنا". فعندما نستعمِل في سياق الكلام كلمتَي "خصوصا" وب"الأخص"، فالأمر يتعلَّق بالتركيز على شيءٍ من الأشياء أو أمرٍ من الأمور والاهتمام به دون غيره، أي إعطاءه قدرا كافيا من التركيز والاهتمام. إذن، الأمر فيه ضرورة مُلحة لمعرفة ما وقع وكيف وقع، أي من الضروري أن يعرفَ الأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية و حزبُه ما وقع وكيف وقع.

وكأن السيد الأمين العام يوجه أمرا لملك البلاد ليُطلعًه، هو وحزبُه، على ما جرى وكيف جرى أثناء الهجوم الكاسح على مدينة سبتة. وبالطبع، هذا التصرُّف يدخل في خانة "عدم احترام مقام رئيس الدولة". وبالطبع، كل المغاربة فوجِئوا بهذا الهجوم، وخصوصا، أنه وقع والشعب المغربي يحتفل بذكرى عيد العرش. ومن حق هذا الشعب أن يعرفَ ماذا حدث. لكن، لا أحدَ من هذا الشعب أساءَ لمقام ملك البلاد كما فعل السيد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.

السؤال الذي يفرضُه سياق عنوان هذه المقالة، هو الآتي : "لماذا السيد عبد الإله بنكيران، الأمين العام ل"حزب العدالة والتَّنمية" انتقل من سبِّ وشتم المغاربة إلى الانتقاص من سمعة مستشاري جلالة الملك ثم إلى المس بمقام جلالتٍه شخصيا؟

الأمر واضح للعيان. إنه، أولا، يريد أن يرفعَ عن جزبِه آثارَ النكسة التي أصابت حزبَه في الانتخابات التَّشريعية لسنة 2021 حيث حصل، فقط، على 13 مقعد في مجلس النواب. ثانيا، يريد السيد الأمين العام جلبَ أكبر عددٍ من الأصوات في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة.

وما يريد أن يُمرِّرَه من رسالة إلى الشعب المغربي، هو أنه هو القيادي الحزبي الوحيد الذي يملك الجرأة l'audace لسبِّ المغاربة حينما تقتضي الظروف ذلك. وله الجرأة، كذلك، للانتقاص من سمعة مستشاري ملك البلاد. بل إنه تجاوز الجرأةَ وأصبح، بكيفية مباشِرة وغير مباشِرة، ينتقص من مقام ملك البلاد ورئيس الدولة.

لا يا سيدي الأمين العام. لقد ارتكبتِ خطأً فادحاً لم يسبق لأي قيادي حزبي أن ارتكبَه للمس بمقام رئيس الدولة المغربية. لماذا؟

لأن مقامَ ملك البلاد مَسكنُه يوجد في قلوب المغاربة، منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون ونصف. لأن ملك البلاد، أولا، رمزٌ ديني، مُجسَّدٌ في إمارة المؤمنين، ورئيس للدولة، مُجسَّدٌ في ملك البلاد. وهو الضامن لوحدة البلاد واستقرارها السياسي. والتاريخ يشهد بذلك. لو لم يحملْ المغاربة ملكَهم في قلوبهم، "فلماذا، لما تم نفيُ محمد الخامس إلى مدغشقر، سارع المغاربة (رجالاً ونساءً) لشن هجمات فدائية على المستعمِر الفرنسي، ولم تنتهِ هذه الهجمات إلا بعد الإعلان عن رجوعه من المنفى؟

السيد عبد الإله بنكيران يعرف، حقَّ المعرفة، هذه الحقائق. لكنه يتغاضى عنها، ظانا، يقينيا، أن تصرّّفَه هذا سيجلب لحزبه مزيدا من الأصوات. قد يحدث هذا المزيد، لكن السيد عبد الإله بنكيران لن يستطيعَ أن يمحوَ، بتصرّفه الشاذ هذا، مكانةَ ملك البلاد في قلوب المغاربة.

وفي ختام هذه المقالة، أقول : "إن السيد عبد الإله بنكيران يُسيء لحزبه قبل أن يُسيء للغير. وصناديق الاقتراع هي الفيصل. سنرى!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...