أ. د. ياس خضير البياتي - رحل صلاح القصب وبقي المسرح واقفًا على باب الحزن

في السادس عشر من آب/أغسطس 2026، أُسدل الستار على حياة أحد أبرز مخرجي المسرح العراقي والعربي؛ غاب صلاح القصب عن عمر ناهز واحدًا وثمانين عامًا، بعد مسيرة امتدت أكثر من خمسة عقود، لم يكن خلالها مجرد مخرج يقف خلف الخشبة، بل صاحب مشروع جمالي وفكري .
حاول أن يعيد تعريف المسرح من الداخل؛ أن يجعل الصورة لغة، والضوء معنى، والجسد نصًا، والصمت مساحةً للتأمل والسؤال. وحين نعته الأوساط الفنية العراقية، لم يكن النعي لرجل غادر فحسب، بل لفصل مهم من فصول التجريب المسرحي العراقي، ولواحد من أبرز رواد (مسرح الصورة).
وُلد القصب في بغداد عام 1945، وتخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1968، ثم واصل دراسته العليا في رومانيا، قبل أن يعود إلى العراق محملًا بمعرفة أكاديمية وتجارب مسرحية حديثة أخذت تتسلل إلى رؤيته، وتعيد تشكيل علاقته بالخشبة.



وكانت بداياته مع فرقة المسرح الفني الحديث، ممثلًا ثم مخرجًا، قبل أن تتبلور شخصيته الفنية شيئًا فشيئًا، فيتحول الإخراج عنده من ترتيب لحركة الممثلين إلى فعل أكثر اتساعًا؛ إعادة بناء للنص والفضاء والجسد والضوء والظل والصمت، ووضعها جميعًا في تكوين واحد نابض.
كان يحمل سؤالًا لا يفارقه: كيف يستطيع المسرح أن يتحرر من هيمنة الكلمة، وأن يجعل الصورة نفسها لغة؟ ولم يترك الإجابة في الكتب وحدها؛ ذهب بها إلى الخشبة.
في عام 1980 جاءت «هاملت»، وكأنها اللحظة التي فتح فيها القصب الباب على مشروعه الكبير. لم يدخل إلى نص شكسبير بوصفه نصًا مقدسًا ينتظر إعادة التلاوة، بل دخل إلى طبقاته النفسية والرمزية، ونبش في أعماقه عن صورة أخرى للحكاية.
أخذ الضوء من مكانه المعتاد، ودفع بالجسد إلى مقدمة المعنى، وأعطى للحركة والظل والفراغ أدوارًا لا تقل أهمية عن الحوار.
وهكذا بدأت ملامح «مسرح الصورة» تتشكل؛ لم يعد الديكور زينة، ولا الضوء مجرد إنارة، ولا الصمت فراغًا بين جملتين.
أصبحت الحركة إشارة، والجسد نصًا، والمكان شخصية، والضوء ذاكرة، والصمت كلامًا من نوع آخر.
كان القصب يريد من المتفرج ألا يجلس أمام العرض كما يجلس أمام حكاية جاهزة، بل أن يدخل إليها، وأن يبحث عن معناها، وأن يشارك في صنعه. ومن هنا جاءت مغامرته الجمالية التي جعلت المسرح العراقي يفتح نافذة جديدة على التجريب العربي والعالمي.
بعد «هاملت» لم يتوقف عند نجاح واحد، ولم يسمح للصورة التي ابتكرها أن تتحول إلى قالب يكرر نفسه. جاءت «الخليقة البابلية»، فاستعاد من الذاكرة العراقية القديمة أساطيرها وطقوسها وصورها، لا ليعرض الماضي كما هو، بل ليعيد خلقه فوق الخشبة. ثم جاء «طائر البحر»، و«الملك لير»، و«العاصفة»، و«الشقيقات الثلاث»، و«الخال فانيا»، و«الحلم الضوئي»، و«عزلة في الكريستال»، و«حفلة الماس»، و«ماكبث»، وغيرها من التجارب التي ظل فيها القصب يختبر الفكرة مرة بعد أخرى.
دخل إلى شكسبير، ثم تشيخوف، وعاد إلى بابل، لكنه لم يكن يعيد إخراج النصوص بقدر ما كان يعيد اختراعها.
كل نص كان عنده بابًا إلى عالم آخر. وكل خشبة مختبرًا جديدًا. وكل عرض محاولة للاقتراب من شيء لا يمكن القبض عليه تمامًا.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتجاوز القصب «مسرح الصورة» نفسه. فالفنان الذي كان يبحث عن لغة جديدة للصورة، لم يكن مستعدًا لأن يسجن نفسه داخل اللغة التي صنعها.
أخذ يسأل عمّا وراء الصورة، وعن المادة التي تتشكل منها، وعن علاقتها بالحركة والزمن والفضاء، واتجه في كتاباته وأبحاثه إلى موضوعات مثل «مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق»، و«ما بعد الصورة»، و«كيمياء العرض»، و«كيمياء الصورة»، و«ما وراء الصورة»، ثم وسّع أسئلته باتجاه الفيزياء والكوانتم وتكنولوجيا العرض.
كانت الصورة عنده تتحول من شكل نراه إلى مادة نفكر من خلالها. وهنا تكمن إحدى خصائص تجربته الأعمق: أنه لم يكن يكتفي بأن ينجح في اكتشاف شكل جديد، بل كان يريد أن يعرف ماذا يوجد بعد هذا الشكل. من الصورة إلى ما وراء الصورة. ومن المسرح إلى ما وراء المسرح. ومن اليقين إلى السؤال.
وامتد مشروعه خارج العراق، إلى مهرجانات وورش وتجارب عربية ودولية، فأصبح اسمه جزءًا من الحوار المسرحي حول التجريب والصورة والسينوغرافيا، فيما ظل أستاذًا في كلية الفنون الجميلة ببغداد، يترك أثره في أجيال من المسرحيين.
ولم يكن ما تركه في طلابه أقل أهمية مما تركه على الخشبة؛ فقد كان يزرع فيهم فضيلة السؤال، ويعلّمهم أن المسرح لا يعيش إذا توقف عن المغامرة .
لم يكن فنانًا يبحث عن الإجماع.
وهذه، ربما، واحدة من أجمل صفاته.
رجل لا يشبه نفسه
اختلف النقاد حول تجاربه؛ رأى بعضهم في غموضها ابتعادًا عن المتلقي، ورأى آخرون أن هذا الغموض هو جوهر جمالياتها، لأن القصب لم يكن يريد أن يمنح المتفرج معنى جاهزًا، بل كان يدفعه إلى أن يبحث، وأن يشارك، وأن يخرج من المسرح وفي داخله سؤال لم ينتهِ بانتهاء العرض.
الفن الذي لا يربكنا قليلًا لا يغيّرنا كثيرًا. والقصب اختار أن يربك. أن يختلف. أن يفتح في الجدار نافذة لم تكن موجودة.
عرفتُ الدكتور صلاح القصب منذ سبعينيات القرن الماضي، في تلك الأيام التي كانت بغداد لا تزال تعرف كيف تجمع أبناءها حول مائدة الفكر والجمال. كنا نلتقي في شقق شارع حيفا، أنا والراحل الفنان فاضل خليل البياتي وصلاح القصب.
كانت الشقق تضيق بنا، لكن الحديث كان يتسع لكل شيء؛ للمسرح، والفن، والكتب، والأحلام، وللعراق الذي كنا نراه أكبر من خرائطه وأكثر اتساعًا من واقعه.
لم تكن تلك الجلسات لقاءات عابرة. كانت مواسم من الضوء. كان صلاح يجلس بهدوئه المعروف، وفي هدوئه شيء من عاصفة مؤجلة. يصغي، ثم يقول جملة واحدة، فتتسع الفكرة أمامنا، وكأنها عثرت فجأة على باب لم نره. وكان فاضل خليل البياتي حاضرًا بروحه القريبة، وبذلك الشغف الذي يجعلك تشعر أن المسرح ليس مهنة، بل حياة.
كنا نظن، ونحن نجلس هناك، أن تلك الليالي ستبقى. لم نكن نعرف أن الزمن كان يخبئ لنا فراقات كثيرة. لم نكن نعرف أن بعض المقاعد ستفرغ واحدًا بعد آخر، وأننا سنعود يومًا إلى تلك الشقق في الذاكرة، فلا نجد سوى أصوات بعيدة، وضحكة غائبة، وظلال رجال كانوا ذات مساء يملأون المكان بالحياة.
ثم جاءت «مجلة فنون» عام 1978، حين ترأست تحريرها، فامتدت علاقتي بصلاح إلى فضاء آخر. لم يعد اللقاء في مجلس الأصدقاء فقط؛ أصبحت المجلة واحدة من المساحات التي نلتقي فيها حول الفن العراقي، نحاول أن نمنحه ما يستحق من حضور، وأن نفتح لتجاربه ومبدعيه نافذة تليق بهم.
كانت «فنون» أكثر من مجلة بالنسبة إلينا؛ كانت جزءًا من الحلم الثقافي في ذلك الزمن. وكان القصب واحدًا من أولئك الذين يضيفون إلى الحلم قلقه الجميل. فالفنان الحقيقي لا يطمئن إلى ما صنعه. يظل يسأل. ويظل يبحث. ويظل يخشى أن يتحول الفن إلى عادة.
وحين أستعيد تلك السنوات اليوم، لا أرى صلاح مخرجًا وأستاذًا فقط؛ أراه جزءًا من مرحلة كاملة من الثقافة العراقية، يوم كانت المجالس منابر للأفكار، والمسرح سؤالًا، والمجلة مساحة للحلم، وكان المبدعون يجتمعون حول الفكرة قبل الشهرة.
ولهذا فإن رحيله لا يستعيد في ذاكرتي رجلًا غاب وحده. إنه يستعيد بغداد. شارع حيفا، شقق تلك الأيام، فنون.
وجوهًا كثيرة صنعت جانبًا من ذاكرتنا الثقافية، ثم مضت. وكأن الزمن كان يكتب أسماءنا على جدار، ثم يأتي بعد سنوات ويمحو بعضها، ويتركنا نتلمس بقايا الحروف.
اليوم، حين أبحث عن الصديق صلاح، لا أجده في مقعده القديم. أجده في صورة. وهذه هي المفارقة التي ربما كان سيحبها لو بقي بيننا؛ الرجل الذي أمضى عمره يبحث عن الصورة، أصبح هو نفسه صورة في ذاكرة الذين عرفوه. صورة لا تثبت في مكان واحد.
مرة أراه في شقة من شقق شارع حيفا، يجلس إلى جانب فاضل، والليل البغدادي يتسلل من النافذة. ومرة أراه في «فنون»، محاطًا بالأفكار والأسئلة. ومرة أراه خلف خشبة «هاملت»، يراقب الضوء وهو يصنع شيئًا لا تستطيع الكلمات أن تصنعه. ومرة أراه أستاذًا أمام طلابه، يفتح لهم بابًا إلى المجهول.
وربما لهذا لا أحب أن أقول إن صلاح القصب أصبح من الماضي. الماضي هو ما ينتهي. وصلاح لم ينته. مشروعه ما زال يفتح الأسئلة. وصوره ما زالت معلقة. وتلاميذه ما زالوا يحملون شيئًا من صوته.
والخشبة التي غامر عليها ستظل تستعيد تجربته كلما حاول مخرج شاب أن يكسر المألوف، أو حاول ممثل أن يجعل جسده يقول ما تعجز اللغة عن قوله، أو وقف متفرج أمام صورة غامضة وظل يسأل نفسه: ماذا رأيت؟
رحل صلاح القصب، لكن مشروعه لم يرحل. ترك للمسرح العراقي والعربي طريقة مختلفة في النظر إلى الخشبة، وإلى العلاقة بين النص والجسد والفضاء والصورة.
ترك سؤالًا مفتوحًا حول ما يمكن أن يكونه المسرح عندما تتحول الصورة إلى لغة، والصمت إلى معنى، والضوء إلى فكرة.
ترك لنا أيضًا درسًا في الجرأة. أن لا نكرر أنفسنا. أن لا نخاف من الاختلاف. أن نبحث عن الطريق حتى لو لم يكن الطريق موجودًا. ولهذا لا ينبغي أن يكون وداعه مرثية فقط. إنه امتنان لرجل جعل الخشبة ترى بطريقة أخرى. وامتنان لزمن جمعنا به. وامتنان لمدينة كانت تمنحنا، ذات مساء، شققًا صغيرة في شارع حيفا، ومائدة، وأصدقاء، وحلمًا كبيرًا اسمه المسرح.
رحم الله صلاح القصب.
ورحم فاضل خليل البياتي.
ورحم تلك الأيام التي لن تعود.
تبقى في القلب غرفة صغيرة، نفتح بابها أحيانًا، فنجدهم جميعًا هناك؛ صلاح، وفاضل، وأنا، ومائدة الحديث، وضحكة بعيدة، ومدينة تنام خلف النافذة. نقف قليلًا عند الباب. لا ندخل. نخشى أن نوقظ أحدًا. ثم نغلقه ببطء.
رحل الرجل...وبقيت الصورة.
وداعًا يا صلاح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...