شهادات خاصة أمين كعابنة (ابن البادية) ما زلت أتذكر إجاباتك ومداخلاتك..

في #رحاب مؤتمر التحول الرقمي، وقبيل أن تبدأ الجلسات وتتعاقب فقرات الأبحاث، شاءت الصدفة أن تجمعني بالدكتور عطية مصلح، أستاذي في مرحلة الماجستير، والذي كان لي شرف الدراسة على يديه في أكثر من مساق.
اقتربت منه، سلمت عليه، فلم يتذكرني شكلا. ولعل السنوات تفعل فعلها، فتبدل ملامح الوجوه التي مرت بنا، ولعل ظروفه الصحية المتعبة جعلت الذاكرة أكثر انتقاء لما تحتفظ به.
لكنه ما إن سمع صوتي حتى قال:
«ابن #البادية!»
ابتسمت وقلت: نعم.
ثم أخذ يجول في ذاكرته، حتى وصل إلى «الكعابنة»، فقال:
«أمين كعابنة؟»
قلت: نعم، أمين كعابنة.
وما إن نطق اسمي حتى تبدلت ملامح اللحظة. ابتسم وابتهج، وكأن اسما قديما فتح في الذاكرة بابا لم تغلقه السنوات. أخذ يستحضر بعض المواقف التي جمعتنا، ثم قال جملة لا أظنني سأنساها:
«أمين، ما زلت أتذكر إجاباتك، وما زلت أتذكر كم كنت أستمتع بها... كنت علامة فارقة بما تكتب.»
توقفت عند هذه الكلمات كثيرا...
لم يتذكر شكلي، لكنه تذكر ما كنت أكتب.
لم تسعفه الذاكرة في ملامح وجهي، لكنها احتفظت #بشيء من كلماتي.
وكم من كلمة نظنها عابرة ونحن نقولها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها استقرت في مكان ما من ذاكرة إنسان.

وكان لي شرف أن أجلس معه، وأن نلتقط صورة تذكارية معا، ثم جاءت المفارقة الأجمل؛ فقد شاركنا بمداخلتين حول الفكرة نفسها والبحث نفسه، وكأن السنوات أعادت ترتيب المشهد من جديد.

كنت أنظر إليه، وهو ينظر إلي نظرة الأب إلى ابنه، فخطر ببالي قول الشاعر..

«أعلّمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني»

لكنني في تلك اللحظة لم أشعر أنه علّمني الرماية ثم رماني، بل شعرت أنه علّمني الرماية، وها هو اليوم يرى تلميذه وقد اشتد ساعده، وأمسك القوس، وأجاد التصويب.
ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن يراه المعلم في مسيرته؛ أن يرى ما زرعه بالأمس قد أصبح شجرة تؤتي ثمارها.

أما مشاركتي في المؤتمر، فلم تكن بالنسبة لي مجرد حضور أو مداخلة في برنامج علمي، بل كان فيها شيء من رد الجميل.
كنت أقول في داخلي: لعلني أستطيع اليوم أن أرد شيئا من جميل هذا الرجل، وأن أريه أن تعبه لم يذهب هدرا، وأن الساعات التي قضاها معنا، والكلمات التي بذلها، والأسئلة التي كان يثيرها في عقولنا، قد وجدت طريقها إلى مكان ما.

وكما يقول أهل البادية: إذا هبت الريح اغتنمها، وإذا درت الناقة فاحتلبها.
فاغتنمت لحظة اللقاء، لا لأقول له شكرا بلساني فقط، بل لأقولها بما أستطيع أن أقدمه.

ولعل أجمل رد للمعلم أن يرى تلميذه واقفا حيث كان يحلم أن يراه؛ يفكر، ويكتب، ويحاور، ويشارك، ويترك بصمته.
هناك فقط يعرف المعلم أن تعبه لم يذهب سدى.
وتذكرت بيت الشعر:

«الخط يبقى زمانا بعد كاتبه
وصاحب الخط تحت الأرض مدفون»

فالأشكال تتغير، والوجوه يطويها الزمن، والذاكرة قد تعجز عن استحضار الملامح، لكن الموقف الصادق، والكلمة الطيبة، والعلم الذي نتركه في نفوس الآخرين، كل ذلك قد يبقى حين لا يبقى منا إلا الاسم.
ولعل في هذا اللقاء رسالة ربانية هادئة تقول لنا:
اصنع أثرا جميلا. ضع بصمتك. كن مؤثرا أينما حللت.

لا تجعل همك أن يراك الناس، بل اجعل همك أن تترك فيهم شيئا جميلا حين لا تكون بينهم.

فكم من وجه رأيناه ثم نسيناه، وكم من إنسان غاب عن أعيننا وبقي أثره فينا.

وهكذا، كان لقاء الدكتور #عطية مصلح أجمل ما حمله ذلك الصباح، قبل أن تبدأ جلسات مؤتمر التحول الرقمي.

كان يمكن أن يكون اللقاء سلاما عابرا بين أستاذ وطالب قديم، لكنه تحول إلى درس آخر، لا علاقة له بالتحول الرقمي، وإن حدث في رحابه:

#أن أعظم تحول يمكن أن يصنعه الإنسان هو أن ينتقل أثره من حضوره إلى غيابه.

أستاذي الدكتور عطية مصلح، أسأل الله أن يمن عليك بالصحة والعافية، وأن يلبسك ثوب السلامة، ويطيل في عمرك، ويجزيك عن طلابك خير الجزاء.

أما أنا، فسأظل أعتز بأن أستاذا لم يتذكر ملامحي بعد سنوات، لكنه تذكر كلماتي وإجاباتي.
وتلك، في نظري، #شهادة لا تشبه الشهادات.
لم يتذكر وجهي... لكنه تذكر أثري.
وهنيئا لمن يرحل عن الوجوه، ولا يرحل عن الذاكرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...