ثمة مقالات تنتهي بانتهاء قراءتها، وثمة مقالات تظلّ تلاحق القارئ بشيء من الأسئلة. ومقال مولود بن زادي، «جائزة بوكر… هل تختار أفضل رواية فعلا؟»، من النوع الثاني. ليس لأنه يقدم اكتشافًا يقلب مفهوم الجوائز الأدبية رأسًا على عقب، وإنما لأنه يضع يد القارئ على موضع يبدو مألوفًا إلى حد أننا لا نعود نسأل عنه: ماذا نعني حين نقول إن رواية ما هي «أفضل رواية في السنة»؟
قرأنا كثيرًا عن الروايات الفائزة، وعن لجان التحكيم، وعن الأسماء التي وصلت إلى القوائم القصيرة، لكننا نادرًا ما نتوقف عند الروايات التي لم تصل أصلًا إلى باب المنافسة. وهنا تبدأ أهمية المقال.
فالكاتب لا يطعن في قيمة الروايات التي فازت، ولا يتهم لجان التحكيم بالانحياز، وإنما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى الطريق الذي تسلكه الرواية قبل أن تصل إلى أعين المحكمين. من يملك حق إيصالها؟ ومن يقرر أن هذا النص يستحق أن يكون في المنافسة، وأن ذاك النص يمكن أن يبقى بعيدًا عن الضوء؟
هذه الزاوية هي أكثر ما استوقفني في المقال؛ لأنها تنقلنا من سؤال الاستحقاق إلى سؤال الفرصة. وقد يكون الاثنان مختلفين تمامًا. فمن الممكن أن تكون الرواية الفائزة رواية عظيمة فعلًا، وأن تكون قد استحقت ما نالته عن جدارة، لكن ذلك لا يمنحنا بالضرورة القدرة على القول إنها كانت أفضل رواية كُتبت في عامها، ما دمنا لا نعرف إلا الأعمال التي دخلت دائرة الاختيار.
وتزداد الفكرة وضوحًا حين يستعين الكاتب بصورة المسابقة المدرسية التي لا يُسمح فيها إلا لعدد محدود من المدارس بالمشاركة. قد يفوز طالب بجدارة، لكن هل نستطيع أن نسميه أفضل طالب في البلاد إذا لم نرَ أعمال آلاف الطلاب الذين لم تُتح لهم فرصة المشاركة؟ الصورة بسيطة، لكنها تصيب جوهر المسألة.
ولعل أجمل ما في المقال أنه لا يجعل المشكلة محصورة في الكاتب الجديد وحده. فبن زادي يلتفت إلى الناشر أيضًا، وإلى القيود التي تفرضها قواعد الترشيح على عدد الأعمال التي يستطيع تقديمها. وفي هذه النقطة يبدو الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالناشر ليس مؤسسة أدبية خالصة، وإنما هو أيضًا مؤسسة لها حساباتها وسوقها ومخاطرها. ومن الطبيعي، في عالم النشر، أن يبحث عن الاسم الذي يثق به أو الكتاب الذي يتوقع له رواجًا. غير أن ما هو مفهوم تجاريًا قد لا يكون بالضرورة عادلًا أدبيًا.
وهنا يطل سؤال صامت: كم من الأصوات الجديدة بقيت في الظل لأنها لم تحصل على الفرصة الأولى؟
غير أن المقال، في رأيي، كان يمكن أن يكون أكثر احتياطًا في بعض عباراته. فعدم وصول جميع الروايات إلى المنافسة لا يثبت أن الرواية الفائزة ليست أفضلها، وإنما يثبت أننا لا نستطيع أن نعرف ذلك على وجه اليقين. هناك فرق بين أن نقول: «هذه ليست أفضل رواية في السنة»، وأن نقول: «لا نستطيع الجزم بأنها أفضل رواية في السنة». والعبارة الثانية، وإن بدت أقل حدة، أكثر قوة من الناحية المنطقية.
كما أن المقال يفتح بابًا مهمًا حين يدعو إلى الاستفادة من الوسائل التقنية وإعادة النظر في آليات الترشيح، لكنه لا يمضي بعيدًا في رسم الصورة البديلة. وهذا أمر كنت أتمنى لو منحه الكاتب مساحة أكبر. ففتح الباب أمام الجميع يبدو عادلًا في ظاهره، لكنه يطرح سؤالًا آخر: ماذا يحدث حين يصبح أمام لجنة التحكيم آلاف الأعمال بدل مئاتها؟ ومن يفرزها؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في ذلك من دون أن تصبح هي نفسها سلطة جديدة تحدد ما يستحق أن يصل وما لا يستحق؟
هذه الأسئلة لا تهدم الفكرة التي يقوم عليها المقال، بل تمنحها امتدادًا آخر. فكل دعوة إلى تغيير نظام قديم ينبغي أن تسأل أيضًا عن النظام الذي سيأتي بعده.
وربما هناك جانب آخر يستحق التأمل: الأدب ليس مسابقة رياضية. ففي الرياضة نستطيع، في الغالب، أن نقيس الزمن والمسافة والسرعة، ثم نعلن فائزًا. أما في الأدب، فالأمر أكثر التباسًا. الرواية التي تهز قارئًا قد تمر على قارئ آخر دون أن تترك أثرًا، والعمل الذي تراه لجنة استثنائيًا قد يراه ناقد آخر أقل شأنًا من عمل لم يصل حتى إلى القائمة الطويلة. لذلك فإن كلمة «الأفضل» في الأدب تظل، مهما حاولنا، محملة بقدر من الذائقة والرؤية والخبرة.
ومن هنا ربما يصبح السؤال الذي يطرحه المقال أوسع من جائزة بوكر نفسها. هل نحن بحاجة فعلًا إلى أن تكون هناك «أفضل رواية»؟ أم أن وظيفة الجائزة، في حقيقتها، أن تقول لنا إن هذه الرواية تستحق أن نلتفت إليها، وأن نفتح لها أبواب القراءة والنقاش؟
أميل إلى أن قيمة الجوائز الأدبية لا تكمن في أنها تمتلك الحقيقة الأخيرة عن الأدب، وإنما في أنها تمنح بعض الأعمال فرصة أكبر لكي تُقرأ. لكن الخطر يبدأ حين نخلط بين «الرواية التي اختيرت» و«الرواية التي لا يمكن أن تكون هناك رواية أفضل منها».
وهنا أظن أن مقال بن زادي ينجح في أهم ما يريده من المقالة الفكرية: أن يجعل القارئ يعيد النظر في شيء اعتاد أن يراه مسلمًا به.
قد لا يكون المقال قد قدّم نظامًا بديلًا كاملًا، وقد تكون بعض نتائجه بحاجة إلى قدر أكبر من التحفظ، لكن هذا لا يقلل من قيمة السؤال الذي وضعه أمامنا. بل ربما كان ذلك هو أجمل ما فيه؛ فهو لا يغلق الباب بإجابة نهائية، وإنما يتركه مواربًا أمام احتمالات كثيرة.
فخلف كل رواية فائزة روايات أخرى. وخلف كل اسم وصل إلى الضوء أسماء ربما لم تجد الطريق إليه.
ولهذا، بعد أن انتهيت من قراءة المقال، لم يبقَ في ذهني سؤال: «هل جائزة بوكر مخطئة؟»، وإنما سؤال آخر أكثر إلحاحًا:
كم من الروايات التي كان يمكن أن نحبها، أو نختلف حولها، أو حتى نراها جديرة بالجائزة، لم نحصل على فرصة لرؤيتها أصلًا؟
وربما تكون هذه، في حد ذاتها، قيمة المقال: أن يجعلنا ننتبه إلى ما نراه،
.وإلى ما لا نراه أيضًا
بقلم: هجيرة نسرين بن جدو.
الجزائر في: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦
جائزة بوكر... هل تختار أفضل رواية فعلا؟ | مولود بن زادي
قرأنا كثيرًا عن الروايات الفائزة، وعن لجان التحكيم، وعن الأسماء التي وصلت إلى القوائم القصيرة، لكننا نادرًا ما نتوقف عند الروايات التي لم تصل أصلًا إلى باب المنافسة. وهنا تبدأ أهمية المقال.
فالكاتب لا يطعن في قيمة الروايات التي فازت، ولا يتهم لجان التحكيم بالانحياز، وإنما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى الطريق الذي تسلكه الرواية قبل أن تصل إلى أعين المحكمين. من يملك حق إيصالها؟ ومن يقرر أن هذا النص يستحق أن يكون في المنافسة، وأن ذاك النص يمكن أن يبقى بعيدًا عن الضوء؟
هذه الزاوية هي أكثر ما استوقفني في المقال؛ لأنها تنقلنا من سؤال الاستحقاق إلى سؤال الفرصة. وقد يكون الاثنان مختلفين تمامًا. فمن الممكن أن تكون الرواية الفائزة رواية عظيمة فعلًا، وأن تكون قد استحقت ما نالته عن جدارة، لكن ذلك لا يمنحنا بالضرورة القدرة على القول إنها كانت أفضل رواية كُتبت في عامها، ما دمنا لا نعرف إلا الأعمال التي دخلت دائرة الاختيار.
وتزداد الفكرة وضوحًا حين يستعين الكاتب بصورة المسابقة المدرسية التي لا يُسمح فيها إلا لعدد محدود من المدارس بالمشاركة. قد يفوز طالب بجدارة، لكن هل نستطيع أن نسميه أفضل طالب في البلاد إذا لم نرَ أعمال آلاف الطلاب الذين لم تُتح لهم فرصة المشاركة؟ الصورة بسيطة، لكنها تصيب جوهر المسألة.
ولعل أجمل ما في المقال أنه لا يجعل المشكلة محصورة في الكاتب الجديد وحده. فبن زادي يلتفت إلى الناشر أيضًا، وإلى القيود التي تفرضها قواعد الترشيح على عدد الأعمال التي يستطيع تقديمها. وفي هذه النقطة يبدو الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالناشر ليس مؤسسة أدبية خالصة، وإنما هو أيضًا مؤسسة لها حساباتها وسوقها ومخاطرها. ومن الطبيعي، في عالم النشر، أن يبحث عن الاسم الذي يثق به أو الكتاب الذي يتوقع له رواجًا. غير أن ما هو مفهوم تجاريًا قد لا يكون بالضرورة عادلًا أدبيًا.
وهنا يطل سؤال صامت: كم من الأصوات الجديدة بقيت في الظل لأنها لم تحصل على الفرصة الأولى؟
غير أن المقال، في رأيي، كان يمكن أن يكون أكثر احتياطًا في بعض عباراته. فعدم وصول جميع الروايات إلى المنافسة لا يثبت أن الرواية الفائزة ليست أفضلها، وإنما يثبت أننا لا نستطيع أن نعرف ذلك على وجه اليقين. هناك فرق بين أن نقول: «هذه ليست أفضل رواية في السنة»، وأن نقول: «لا نستطيع الجزم بأنها أفضل رواية في السنة». والعبارة الثانية، وإن بدت أقل حدة، أكثر قوة من الناحية المنطقية.
كما أن المقال يفتح بابًا مهمًا حين يدعو إلى الاستفادة من الوسائل التقنية وإعادة النظر في آليات الترشيح، لكنه لا يمضي بعيدًا في رسم الصورة البديلة. وهذا أمر كنت أتمنى لو منحه الكاتب مساحة أكبر. ففتح الباب أمام الجميع يبدو عادلًا في ظاهره، لكنه يطرح سؤالًا آخر: ماذا يحدث حين يصبح أمام لجنة التحكيم آلاف الأعمال بدل مئاتها؟ ومن يفرزها؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في ذلك من دون أن تصبح هي نفسها سلطة جديدة تحدد ما يستحق أن يصل وما لا يستحق؟
هذه الأسئلة لا تهدم الفكرة التي يقوم عليها المقال، بل تمنحها امتدادًا آخر. فكل دعوة إلى تغيير نظام قديم ينبغي أن تسأل أيضًا عن النظام الذي سيأتي بعده.
وربما هناك جانب آخر يستحق التأمل: الأدب ليس مسابقة رياضية. ففي الرياضة نستطيع، في الغالب، أن نقيس الزمن والمسافة والسرعة، ثم نعلن فائزًا. أما في الأدب، فالأمر أكثر التباسًا. الرواية التي تهز قارئًا قد تمر على قارئ آخر دون أن تترك أثرًا، والعمل الذي تراه لجنة استثنائيًا قد يراه ناقد آخر أقل شأنًا من عمل لم يصل حتى إلى القائمة الطويلة. لذلك فإن كلمة «الأفضل» في الأدب تظل، مهما حاولنا، محملة بقدر من الذائقة والرؤية والخبرة.
ومن هنا ربما يصبح السؤال الذي يطرحه المقال أوسع من جائزة بوكر نفسها. هل نحن بحاجة فعلًا إلى أن تكون هناك «أفضل رواية»؟ أم أن وظيفة الجائزة، في حقيقتها، أن تقول لنا إن هذه الرواية تستحق أن نلتفت إليها، وأن نفتح لها أبواب القراءة والنقاش؟
أميل إلى أن قيمة الجوائز الأدبية لا تكمن في أنها تمتلك الحقيقة الأخيرة عن الأدب، وإنما في أنها تمنح بعض الأعمال فرصة أكبر لكي تُقرأ. لكن الخطر يبدأ حين نخلط بين «الرواية التي اختيرت» و«الرواية التي لا يمكن أن تكون هناك رواية أفضل منها».
وهنا أظن أن مقال بن زادي ينجح في أهم ما يريده من المقالة الفكرية: أن يجعل القارئ يعيد النظر في شيء اعتاد أن يراه مسلمًا به.
قد لا يكون المقال قد قدّم نظامًا بديلًا كاملًا، وقد تكون بعض نتائجه بحاجة إلى قدر أكبر من التحفظ، لكن هذا لا يقلل من قيمة السؤال الذي وضعه أمامنا. بل ربما كان ذلك هو أجمل ما فيه؛ فهو لا يغلق الباب بإجابة نهائية، وإنما يتركه مواربًا أمام احتمالات كثيرة.
فخلف كل رواية فائزة روايات أخرى. وخلف كل اسم وصل إلى الضوء أسماء ربما لم تجد الطريق إليه.
ولهذا، بعد أن انتهيت من قراءة المقال، لم يبقَ في ذهني سؤال: «هل جائزة بوكر مخطئة؟»، وإنما سؤال آخر أكثر إلحاحًا:
كم من الروايات التي كان يمكن أن نحبها، أو نختلف حولها، أو حتى نراها جديرة بالجائزة، لم نحصل على فرصة لرؤيتها أصلًا؟
وربما تكون هذه، في حد ذاتها، قيمة المقال: أن يجعلنا ننتبه إلى ما نراه،
.وإلى ما لا نراه أيضًا
بقلم: هجيرة نسرين بن جدو.
الجزائر في: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦
جائزة بوكر... هل تختار أفضل رواية فعلا؟ | مولود بن زادي