في هذا المقال لا أريد أن أضع القراء في طابور، ولا أن أوزع عليهم شهادات اتفاق أو اختلاف.
أريد أن أتعامل مع خانة التعليقات باعتبارها المشهد الثاني من المقال السابق.
أن تتقاطع الأصوات كما تتقاطع الشخصيات في فيلم؛ قارئ يلتقط فكرة، وآخر يعترض عليها، وثالث يذهب بها إلى مكان لم أذهب إليه أنا، ثم نحاول أن نرى، من مجموع هذه الأصوات، شيئًا أوسع من التعليق نفسه:
ماذا تقول هذه الآراء عن المجتمع الفلسطيني، وعن وعيه، وعن الأسئلة التي يريد أن يضعها أمام القوى السياسية التي تطلب تمثيله؟
ولهذا حافظت على أسماء أصحاب التعليقات.
ليس من باب المجاملة، بل لأن الاسم هنا جزء من الفكرة.
أريد لكل من شارك أن يرى أثر كلمته في النص العام، وأن يعرف أن تعليقه لم يمر كرقم أسفل منشور، بل دخل الحوار وأصبح جزءًا منه.
فالكتابة، حين تفتح بابها للناس، لا تعود ملك الكاتب وحده.
وهذا المقال يبدأ من هنا.
بعد السطر الأخير… حين بدأ القراء كتابة المقال
قراءة في أصوات القراء بعد
«مسار جديد… هل نحتاج حزبًا جديدًا أم سياسة جديدة؟»
بقلم: -يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
نشرت المقال، واعتقدت أنني وضعت النقطة الأخيرة.
لكنني، وأنا أعود بعد ساعات إلى التعليقات، اكتشفت أن النقطة لم تكن نقطة.
كانت بابًا.
منه دخل أشخاص لم أكتب أصواتهم أنا.
قارئة أمسكت بكلمة واحدة في المقال وبدأت تفككها.
قارئ سأل إن كان الحزب الجديد قادرًا أصلًا على تغيير شيء.
آخر طالب الأحزاب القديمة بأن تفسح الطريق.
وثالث لم يثق بالجديد لمجرد أنه جديد.
ورابع رأى أن المشكلة ليست في الأحزاب أصلًا، وإنما في غياب القائد.
وخامس أعاد السؤال كله إلى المجتمع: هل الأحزاب تنتج المجتمع أم أن المجتمع هو الذي يجب أن ينتج أحزابه؟
عندها توقفت عن قراءة ما كُتب باعتباره «تعليقات على مقال».
بدأت أراه مشهدًا آخر.
كأن الكاميرا التي كانت في يدي طوال المقال خرجت مني، وانتقلت بين أيدي القراء.
كل واحد اختار زاويته.
وكل واحد التقط شيئًا مختلفًا.
وحين وضعت اللقطات إلى جوار بعضها، بدأت تظهر صورة لم أرسمها وحدي.
فاتن جرار… توقفت عند كلمة «الشراكة»
كتبت فاتن:
«مسار جديد يدعو إلى الانتقال من الصراع إلى الشراكة مع إسرائيل، والسؤال: ما المقصود بهذه الشراكة؟ هل هي شراكة بين دولتين بعد إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة؟ أم شراكة اقتصادية وأمنية وسياسية في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان؟ وما الذي سيحصل عليه الفلسطيني مقابل هذه الشراكة؟ وأين تقع القدس واللاجئون وحق تقرير المصير وحقوق الأسرى في هذا التصور؟»
فاتن لم تسأل: هل الحزب جيد أم سيئ؟
أمسكت بالمصطلح.
«الشراكة».
والكلمات في السياسة ليست بريئة دائمًا.
فالشراكة بين دولتين مستقلتين كاملتي السيادة شيء، والحديث عن الشراكة بين شعب واقع تحت الاحتلال والقوة التي تحتله شيء آخر تمامًا.
ولهذا كان سؤالها أعمق من المصطلح نفسه:
الشراكة متى؟ وبعد ماذا؟ وعلى أي أرض؟ وبين طرفين يمتلكان أي قدر من التكافؤ؟
ثم أعادت الفلسطيني إلى داخل الجملة:
ماذا سيحصل عليه؟
وأين القدس واللاجئون والأسرى وحق تقرير المصير؟
وكأنها تقول لـ«مسار جديد»:
قبل أن تحدثني عن إسرائيل التي تريد أن تشاركها، حدثني عن فلسطين التي تريدها أنت.
سحر أمالي… لم تطلب شعارًا، بل دفتر شروط
سحر كتبت:
«سأطلب موقفًا واضحًا من الاحتلال، إضافة لموقف محاسبة الفساد. سأطلب حقوقًا حقيقية للمرأة لا زينة تضاف لادعاء مشاركة. سأطلب معيارًا وزمنًا حقيقيًا للمناصب. سأطلب تصورًا واضحًا ومحددًا، لو كان بلا قوة بالوقت الحالي، لمواجهة الاحتلال وأعوانه، وسأطلب أن يتحلى الحزب ببعضٍ من الخجل».
في بضعة أسطر وضعت سحر أمام الحزب ما يشبه دفتر شروط المواطن.
الاحتلال.
الفساد.
المرأة.
تداول المناصب.
والقدرة على تحويل الموقف الوطني إلى سياسة.
لكنني توقفت عند عبارتها الأخيرة:
«بعض من الخجل».
ليس الخجل هنا ضعفًا.
أقرأه تواضعًا سياسيًا.
أن يدخل أي حزب جديد إلى مجتمع دفع كل هذا الثمن من دون أن يتصرف كأن التاريخ بدأ يوم تأسيسه.
وأن تقف القيادة أمام الناس وهي تعرف أنها تطلب ثقتهم، لا أنها تمنحهم شرف الانضمام إليها.
ناديا مصطفى… «أنا كمواطنة فلسطينية»
ناديا بدأت تعليقها بهذه الكلمات:
«أنا كمواطنة فلسطينية لا أريد من الانتخابات مجرد تغيير أسماء أو استبدال وجوه بوجوه».
توقفت أمام البداية قبل أن أكمل.
«أنا كمواطنة فلسطينية».
ليست عضوة في هذا الفصيل أو ذاك في هذه الجملة.
إنها مواطنة.
وتريد انتخابات تختار فيها من يمثلها، لا أسماء يتم اختيارها خلف الأبواب المغلقة ثم توضع أمامها لتنتخب بينها.
تريد قيادة تسمع الناس قبل الانتخابات وبعدها.
وتريد برنامجًا تعرف ماذا سيقدم.
وتريد للمرأة والمخيم والقدس وغزة والشتات مكانًا حقيقيًا في القرار.
ثم قالت:
«أريد انتخابات تجعل صوت المواطن هو الأساس، لا مجرد ورقة تستخدم للوصول إلى الكرسي».
هذه الجملة تكاد تختصر السؤال الذي حاول مقالي كله الوصول إليه.
هل المواطن الفلسطيني صوت انتخابي؟
أم أنه شريك في صناعة الخيار قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع؟
ناديا أجابت.
خالد عطية… من أين جاء الحزب أصلًا؟
خالد لم يناقش «مسار جديد» وحده.
ذهب إلى ما قبل الحزب.
كتب:
«الجديد، في تقديري، لا يبدأ من تأسيس حزب جديد، بل من تغيير العلاقة بين المجتمع والسياسة والتمثيل».
ثم طرح سؤالًا أعتقد أنه يجب أن يلاحق كل حزب جديد:
«ما الحاجة التي أنتجت هذا الحزب؟ ومن أي جزء من المجتمع جاءت؟ وهل يعبر عن حاجة اجتماعية وسياسية فعلية، أم أن مجموعة من النخب أنشأت إطارًا جديدًا ثم تبحث له عن قاعدة اجتماعية؟»
هنا انقلب السؤال.
لم يعد:
هل نحتاج حزبًا جديدًا؟
بل:
من الذي احتاجه؟
وهناك فرق هائل.
لأن الحزب يمكن أن يولد في مكتب، ثم يبحث عن جمهور.
ويمكن أن تولد الحاجة في المجتمع، ثم تبحث عن أداتها السياسية.
خالد يسمي المجتمع، بما يحمله من تاريخ وذاكرة وتجربة ونضال، «الحامل الوطني»؛ البنية الأعمق التي تبقى حتى عندما تتعطل المؤسسات وتفشل التنظيمات.
ثم يصل إلى السؤال الذي أراه من أهم ما كتب تحت المقال:
«هل نريد أحزابًا تبحث عن جمهور، أم مجتمعًا قادرًا على إنتاج قواه السياسية؟»
ربما بين هذين الخيارين تقع أزمة السياسة الفلسطينية كلها.
غالب سعد… لا يريد «تيارًا ثالثًا»
غالب أخذ النقاش إلى مساحة أوسع.
قال إن فكرة «التيار الثالث» طُرحت سابقًا، لكنه اليوم يفضل الحديث عن «تيار جديد».
لماذا؟
لأنه، في تقديره، لم يعد هناك تيار أول وثانٍ بالمعنى الذي يجعل الجديد «ثالثًا».
ثم رسم مشهدًا قاتمًا: إحباط من السلطة، تآكل في الحالة الفتحاوية، ضغوط على حماس بعد الحرب، وضعف في التنظيمات اليسارية والقومية، وانشغال قوى كثيرة بالحفاظ على وجودها.
لكنني توقفت عند فكرته التالية.
مشكلتنا مع الاحتلال، كما يقول، معروفة منذ أكثر من مئة عام؛ أما السؤال الذي يحتاج منا إلى مواجهة الذات فهو:
كيف ندير نحن أدواتنا وقوانا كشعب تحت الاحتلال؟
وهذا سؤال مؤلم.
لأنه يخرجنا للحظة من المساحة المريحة التي يكون فيها كل الخطأ خارجيًا، ويجبرنا على النظر إلى الداخل.
غالب يرى أن السلطة ابتلعت منظمة التحرير وشلت حركتها، وأن سياسة الانتظار أصبحت بديلًا عن المبادرة، ثم يذهب إلى نتيجة أكثر حدة: إذا استحال التغيير بانتخابات سليمة وقابلة للتنفيذ، فإنه يرى ضرورة حراك جماهيري ضاغط قد يصل إلى العصيان المدني.
يمكن الاتفاق مع غالب أو الاختلاف معه في الوسيلة.
لكن لا يمكن تجاهل أنه فعل شيئًا نفتقده كثيرًا:
انتقل من وصف الأزمة إلى السؤال عن أداة تغييرها.
محمد خالد… قبل أن تحدثني عن البرنامج، عرّف لي فلسطين
محمد وضع ثلاثة أسئلة:
ما فلسطين التي يمثلها الحزب ويطالب بها؟
أي جزء من الشعب يمثل: الفلسطينيين في أراضي 1967؟ اللاجئين والشتات؟ ماذا عن أهلنا في الداخل الفلسطيني؟
ثم:
هل الحزب أداة للوصول إلى السلطة، أم أداة لتصحيح مسار سياسي واجتماعي واقتصادي؟
هذا التعليق يعيدنا إلى نقطة البداية.
قبل أن تسألني عن الضرائب والتعليم والصحة — وهي أسئلة ضرورية — قل لي أولًا:
ما فلسطين التي تتحدث عنها؟
ومن هو الفلسطيني الذي تعتبر نفسك مسؤولًا أمامه؟
لأن تعريف الوطن يسبق برنامج إدارة الوطن.
محمد بركات… هل فقدنا الثقة بالحزب نفسه؟
محمد كتب:
«الأحزاب دائمًا تعمل لصالح أعضائها فقط وليس لصالح المجتمع، لكن يبدو أن هناك حاجة لتجديد الأفكار».
قد نختلف مع التعميم.
لكن ما يهمني هو الشعور الكامن وراءه.
هناك عدم ثقة بالأحزاب، وفي الوقت نفسه شعور بالحاجة إلى التجديد.
وهذا تناقض شديد الدلالة.
فربما لا تكون المشكلة فقط كيف ننشئ حزبًا جديدًا.
ربما السؤال الأصعب:
كيف نعيد ثقة المواطن بفكرة العمل السياسي المنظم نفسها؟
لأن الحزب الديمقراطي ليس ناديًا لأعضائه.
هو أداة يقدم من خلالها جزء من المجتمع تصورًا لخدمة المجتمع كله.
وعندما يفقد المواطن هذا المعنى، تكون الأزمة أعمق من أسماء الأحزاب.
سليمان فيومي… هل لبعض التنظيمات تاريخ بلا حاضر؟
سليمان كان أكثر حسمًا:
«المنظمات الفلسطينية التي تحولت إلى حركات وهمية عليها الانسحاب وتفسح الطريق لتشكيل أحزاب سياسية حقيقية ببرامج واقعية حقيقية لخدمة المواطن».
العبارة قاسية.
لكن وراءها سؤال يستحق التفكير:
هل وجود التنظيم السياسي حق مكتسب إلى الأبد؟
هل يكفي أن يكون للفصيل تاريخ كي يبقى حاضرًا في المؤسسات الوطنية مهما أصبح حجمه الاجتماعي؟
أم أن التنظيم، مثل أي أداة سياسية، يحتاج إلى إثبات قدرته على أداء وظيفة في الحاضر؟
التاريخ يستحق الاحترام.
لكنه، وحده، لا يستطيع التصويت نيابة عن الأحياء.
عصام شعبان… سبع كلمات حملت السؤال كله
سأل عصام:
«هل يمكن لحزب جديد أن يغير المشهد السياسي؟»
قد يبدو السؤال بسيطًا.
لكنه ربما أصعب سؤال في التعليقات.
الحزب الجديد قد يغير المشهد.
وقد يضيف لافتة أخرى إلى شارع مزدحم.
قد يكون عمر الحزب ستة أشهر وعقله السياسي خمسين عامًا.
وقد يكون تنظيم قديم قادرًا على مراجعة نفسه والتجدد.
لذلك فالسؤال ليس فقط:
كم عمر الحزب؟
بل:
ما الذي جاء ليغيره؟
عيسى سمندار… الجديد يولد محاطًا بالشك
عيسى استقبل الفكرة بحذر:
«في وضعنا الفلسطيني فإن نشوء حزب جديد ضمن ظروف صعبة ويبدأ افتتاحه بطريقة ناعمة مخفية يثير مخاوف. لقد تعلمنا من التجربة».
ثم حذر من استغلال الظروف الصعبة وتكاثر المبادرات المشابهة.
لا أقرأ هذا التعليق فقط كموقف من «مسار جديد».
أقرأه بوصفه مؤشرًا على أزمة ثقة.
في مجتمعات أكثر استقرارًا، قد يبدأ الحزب الجديد من نقطة الصفر.
عندنا يبدو أنه يبدأ من تحت الصفر.
عليه أولًا أن يقنع الناس بأنه ليس مشروع شخص، ولا عائلة، ولا ممول، ولا دولة، ولا ترتيبًا صُنع خارج المجتمع.
الثقة لم تعد هدية البداية.
أصبحت شيئًا يجب اكتسابه.
غادة برغوثي… أغلقت الباب عند جملة واحدة
غادة كتبت:
«"دمج إسرائيل في المنطقة مصلحة عربية إقليمية"! بمجرد أن أسمعه يقول هكذا عبارة أصفق الباب وأخرج».
ثم أضافت أن العبارة، بالنسبة إليها، تلخص التوجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، وتغنيها عن بقية الأسئلة.
وهنا يظهر اختلاف جميل بين قارئتين.
فاتن جرار سمعت «الشراكة» وقالت:
اشرحوا لي.
غادة سمعت تصور دمج إسرائيل وقالت:
فهمت، وهذا يكفيني.
الأولى تريد اختبار شروط المشروع.
والثانية تعتبر إحدى فرضياته الأساسية كافية لتحديد موقفها منه.
وهذا الاختلاف نفسه جزء من المجتمع الذي نحاول سماعه.
أبو شادي… أين الجديد؟
أبو شادي ذهب إلى الجذر السياسي للمشروع:
«مسار جديد (حل الدولتين)... أين الجديد في مسار عمره 52 سنة منذ 1974 والمرحلية/النقاط العشر؟»
وخلص إلى أن «المسار الجديد ولد ميتًا».
يمكن مناقشة النتيجة، لكن السؤال مشروع:
ماذا نعني بالجديد؟
هل يكفي أن يكون الحزب جديدًا بينما برنامجه السياسي ينتمي إلى مسار عمره عقود؟
أم أن «الجديد» يجب أن يقدم أيضًا إجابة جديدة عن واقع تغير جذريًا؟
وهنا يعود المعيار الذي بدأت أقتنع أكثر فأكثر بأهميته:
الجديد ليس شهادة ميلاد.
زياد نجيب درويش… يريد القائد لا الحزب
زياد رفض حتى المقارنة التي بدأت بها مقالي بين الفضائية والحزب.
ويرى أن أزمتنا لم تنتج من نقص الأحزاب، وأن ما نحتاجه هو:
«قائد فذ يطوي تاريخ من تشبهوا بالقادة وأدوا بنا إلى ما نحن عليه اليوم».
وهنا أتوقف.
لأنني أرى الأمر بصورة مختلفة.
أفهم الحنين إلى القائد في مجتمع خذلته مؤسساته.
لكنني أخشى من البحث مرة أخرى عن المنقذ.
القائد الاستثنائي قد يصنع لحظة.
لكن المؤسسة هي التي تحمي المستقبل.
وربما إحدى أزماتنا أننا وضعنا أحيانًا من الآمال في الأشخاص أكثر مما وضعنا من الضمانات في المؤسسات.
ومع ذلك، فإن تعليق زياد مهم جدًا لأنه يكشف اتجاهًا آخر في التفكير الفلسطيني:
هناك من لا يزال يرى أزمة فلسطين أزمة قيادة قبل أن تكون أزمة نظام سياسي.
وهذا نقاش يجب ألا نهرب منه.
ياسر الصيرفي… الحزب والدولة
كتب ياسر:
«الفارق بينا وبينهم إحنا دمرنا البلد لصالح الحزبين الأكبر، وهم دمروا الحزبين الأكبر لخدمة الدولة».
قد نختلف حول المقارنة ودقتها أو المقصود بـ«هم»، لكن الصورة التي رسمها تستحق التوقف.
من يخدم من؟
هل الحزب أداة لبناء الدولة؟
أم تصبح الدولة أداة لبقاء الحزب؟
هذا السؤال ليس فلسطينيًا فقط.
إنه أحد أسئلة السياسة في كل مكان.
لكن عندنا يصبح أكثر حساسية لأننا ما زلنا نناضل أصلًا من أجل الدولة.
فإذا تحولت المؤسسة العامة قبل اكتمالها إلى حصة لهذا التنظيم أو ذاك، فماذا سنترك للمواطن الذي لا يحمل بطاقة أي منهما؟
صالح ذيب الكيلاني… «في أمل»
وبين كل هذه الأسئلة والشكوك كتب صالح:
«في أمل إن شاء الله».
كلمات قليلة.
لا أريد أن أحملها نظرية سياسية لم يقصدها صاحبها.
لكنني لا أريد أن أمر عليها أيضًا.
لأن وسط كل هذا الغضب والشك وانعدام الثقة، هناك شيء يبحث عنه الفلسطيني:
الأمل.
وربما لهذا تثير كل مبادرة جديدة كل هذا النقاش.
ليس لأن الناس ساذجون ينتظرون منقذًا جديدًا.
بل لأنهم، رغم كل شيء، لم يتخلوا تمامًا عن احتمال أن تكون السياسة أفضل مما أصبحت عليه.
ثم ابتعدت بالكاميرا قليلًا
بعد أن قرأت هذه التعليقات، حاولت ألا أبقى داخل كل تعليق منفردًا.
وضعتها أمامي معًا.
فاتن.
سحر.
ناديا.
خالد.
غالب.
محمد.
سليمان.
عصام.
عيسى.
غادة.
زياد.
ياسر.
أبو شادي.
صالح.
لم يقولوا الشيء نفسه.
وهذا ما أعجبني.
بعضهم رحب بإمكان التجديد.
بعضهم شك فيه.
بعضهم رفض المشروع.
بعضهم يريد أحزابًا جديدة.
وبعضهم لا يثق بالأحزاب أصلًا.
واحد يبحث عن المؤسسة.
وآخر عن القائد.
واحد يرى الانتخابات طريقًا.
وآخر يشك في إمكان نزاهتها أصلًا.
قارئة تسأل الحزب عن المرأة.
وأخرى عن القدس واللاجئين والأسرى.
وقارئ يسأل: أي فلسطين تمثل؟
وآخر يسأل: من أين خرج الحزب، من المجتمع أم من النخبة؟
لا يوجد إجماع.
وهذا صحي.
لأن المجتمع الحي ليس جوقة تردد الجملة نفسها.
لكن خلف الاختلاف رأيت شيئًا مشتركًا.
هؤلاء لا يقولون للحزب الجديد:
تفضل، أقنعنا بشعار جميل.
إنهم يفتحون حقيبته.
يسألون عن البرنامج.
وعن الاحتلال.
وعن فلسطين.
وعن المرأة.
وعن الفساد.
وعن مدة القيادة.
وعن الانتخابات.
وعن المجتمع.
وعن الدولة.
وعن الشرعية.
وعن معنى «الجديد» نفسه.
وهنا تذكرت السؤال الذي بدأت منه مقالي السابق.
كنت أسأل:
هل سيذهب الفلسطيني إلى الانتخابات مجرد صوت يبحث عنه المرشح؟
أم سيذهب مواطنًا يريد المشاركة في صناعة الخيارات نفسها؟
وربما أعطتني هذه التعليقات أول إجابة صغيرة.
القارئ الذي دخل المقال بدأ يتصرف كمواطن.
لكن هذه ليست نتيجة استطلاع
من الضروري أن أقول ذلك بوضوح.
هذه التعليقات لا تمثل الشعب الفلسطيني إحصائيًا.
ولم تُجمع وفق عينة علمية.
ولا أستطيع أن أقول إن الفلسطينيين يفكرون جميعًا بهذه الطريقة.
إنها أصوات قراء اختاروا المشاركة.
لكن قيمتها ليست في العدد.
قيمتها في نوع الأسئلة التي خرجت عندما فتحنا الباب للنقاش.
كما أن الحوار أوسع من صفحتي الشخصية.
فالمقال أعيد نشره في عشرات الصفحات والمجموعات الفلسطينية والعربية، التي يصل عددها إلى نحو أربعين موقعًا وصفحة ومجموعة، من بينها «الفلسطينيون بالمهجر» و«عرب أمريكا» و«الكونغرس الفلسطيني»، وهناك تعليقات ونقاشات أخرى لم تدخل في هذه القراءة بعد.
أي أن الكاميرا ما تزال تصور.
وهذه اللقطات ليست الفيلم كله.
وربما هنا حدث الشيء الأهم
كنت أظن عندما كتبت عن «مسار جديد» أنني أكتب عن حزب.
ثم اكتشفت أن الحزب لم يكن إلا الباب.
خلفه ظهر سؤال أكبر:
ما السياسة التي يريدها الفلسطيني؟
وحين طلبت من القارئ ألا يكون متلقيًا فقط، فعل شيئًا ربما أهم من الاتفاق معي.
اختلف.
وسأل.
وشك.
واقترح.
واعترض.
وذهب بعضهم إلى أماكن لم أذهب إليها في المقال.
وهذا، بالنسبة لي، ليس هامشًا على النص.
هذا هو النص الذي كنت أبحث عنه.
فالديمقراطية لا تبدأ عندما يدخل المواطن غرفة الاقتراع.
تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ عندما يسمع كلمة «شراكة» فيسأل فاتن: أي شراكة؟
وعندما تسمع سحر حديثًا عن المشاركة فتقول: لا أريد المرأة زينة.
وعندما تقول ناديا: أنا مواطنة وأريد أن أختار.
وعندما يسأل خالد: هل أنتج المجتمع الحزب أم أنتج الحزب جمهورًا لنفسه؟
وعندما يقول غالب: دعونا نتحدث عن أدواتنا نحن.
وعندما يسأل محمد: أي فلسطين تمثلون؟
وحتى عندما يغلق أبو شادي الباب، أو تشك غادة، أو يبحث زياد عن قائد؛ فهذه كلها أصوات في المشهد الفلسطيني، ولا يحق لكاتب يتحدث عن المجتمع أن ينتقي منه فقط الأصوات التي تشبه صوته.
اللقطة الأخيرة
أعود إلى المقال على شاشة هاتفي.
في الأعلى اسمي.
تحته النص الذي كتبته.
ثم أصل إلى آخر سطر.
كان يفترض أن ينتهي المقال هناك.
لكنني أحرك الشاشة إلى أعلى قليلًا.
تظهر خانة التعليقات.
اسم.
ثم اسم آخر.
ثم آخر.
وتستمر الشاشة في النزول.
وفجأة يبدو اسمي في أعلى الصفحة أصغر بكثير.
وهذا يسعدني.
لأن المقال الذي يبدأ بصوت واحد ويظل صوتًا واحدًا حتى النهاية قد يكون مقالًا جيدًا.
أما المقال الذي يفتح مكانًا لأصوات أخرى، فيصبح شيئًا مختلفًا.
يصبح حوارًا.
وربما هذا بالضبط ما تحتاجه السياسة الفلسطينية أيضًا.
ليس قائدًا يتحدث وشعبًا يستمع.
ولا حزبًا يكتب البرنامج ومواطنًا يُستدعى للتصويت عليه.
بل مساحة يدخل إليها الجميع حاملين أسئلتهم واختلافاتهم ومصالحهم وأحلامهم، ثم يحاولون أن يصنعوا منها شيئًا مشتركًا.
أغلقت الهاتف.
لكن هذه المرة لم أشعر أن المقال انتهى.
لأن الكاميرا لم تعد في يدي وحدي.
أصبحت بين أيديكم.
يحيى بركات
19/8/2026
أريد أن أتعامل مع خانة التعليقات باعتبارها المشهد الثاني من المقال السابق.
أن تتقاطع الأصوات كما تتقاطع الشخصيات في فيلم؛ قارئ يلتقط فكرة، وآخر يعترض عليها، وثالث يذهب بها إلى مكان لم أذهب إليه أنا، ثم نحاول أن نرى، من مجموع هذه الأصوات، شيئًا أوسع من التعليق نفسه:
ماذا تقول هذه الآراء عن المجتمع الفلسطيني، وعن وعيه، وعن الأسئلة التي يريد أن يضعها أمام القوى السياسية التي تطلب تمثيله؟
ولهذا حافظت على أسماء أصحاب التعليقات.
ليس من باب المجاملة، بل لأن الاسم هنا جزء من الفكرة.
أريد لكل من شارك أن يرى أثر كلمته في النص العام، وأن يعرف أن تعليقه لم يمر كرقم أسفل منشور، بل دخل الحوار وأصبح جزءًا منه.
فالكتابة، حين تفتح بابها للناس، لا تعود ملك الكاتب وحده.
وهذا المقال يبدأ من هنا.
بعد السطر الأخير… حين بدأ القراء كتابة المقال
قراءة في أصوات القراء بعد
«مسار جديد… هل نحتاج حزبًا جديدًا أم سياسة جديدة؟»
بقلم: -يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
نشرت المقال، واعتقدت أنني وضعت النقطة الأخيرة.
لكنني، وأنا أعود بعد ساعات إلى التعليقات، اكتشفت أن النقطة لم تكن نقطة.
كانت بابًا.
منه دخل أشخاص لم أكتب أصواتهم أنا.
قارئة أمسكت بكلمة واحدة في المقال وبدأت تفككها.
قارئ سأل إن كان الحزب الجديد قادرًا أصلًا على تغيير شيء.
آخر طالب الأحزاب القديمة بأن تفسح الطريق.
وثالث لم يثق بالجديد لمجرد أنه جديد.
ورابع رأى أن المشكلة ليست في الأحزاب أصلًا، وإنما في غياب القائد.
وخامس أعاد السؤال كله إلى المجتمع: هل الأحزاب تنتج المجتمع أم أن المجتمع هو الذي يجب أن ينتج أحزابه؟
عندها توقفت عن قراءة ما كُتب باعتباره «تعليقات على مقال».
بدأت أراه مشهدًا آخر.
كأن الكاميرا التي كانت في يدي طوال المقال خرجت مني، وانتقلت بين أيدي القراء.
كل واحد اختار زاويته.
وكل واحد التقط شيئًا مختلفًا.
وحين وضعت اللقطات إلى جوار بعضها، بدأت تظهر صورة لم أرسمها وحدي.
فاتن جرار… توقفت عند كلمة «الشراكة»
كتبت فاتن:
«مسار جديد يدعو إلى الانتقال من الصراع إلى الشراكة مع إسرائيل، والسؤال: ما المقصود بهذه الشراكة؟ هل هي شراكة بين دولتين بعد إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة؟ أم شراكة اقتصادية وأمنية وسياسية في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان؟ وما الذي سيحصل عليه الفلسطيني مقابل هذه الشراكة؟ وأين تقع القدس واللاجئون وحق تقرير المصير وحقوق الأسرى في هذا التصور؟»
فاتن لم تسأل: هل الحزب جيد أم سيئ؟
أمسكت بالمصطلح.
«الشراكة».
والكلمات في السياسة ليست بريئة دائمًا.
فالشراكة بين دولتين مستقلتين كاملتي السيادة شيء، والحديث عن الشراكة بين شعب واقع تحت الاحتلال والقوة التي تحتله شيء آخر تمامًا.
ولهذا كان سؤالها أعمق من المصطلح نفسه:
الشراكة متى؟ وبعد ماذا؟ وعلى أي أرض؟ وبين طرفين يمتلكان أي قدر من التكافؤ؟
ثم أعادت الفلسطيني إلى داخل الجملة:
ماذا سيحصل عليه؟
وأين القدس واللاجئون والأسرى وحق تقرير المصير؟
وكأنها تقول لـ«مسار جديد»:
قبل أن تحدثني عن إسرائيل التي تريد أن تشاركها، حدثني عن فلسطين التي تريدها أنت.
سحر أمالي… لم تطلب شعارًا، بل دفتر شروط
سحر كتبت:
«سأطلب موقفًا واضحًا من الاحتلال، إضافة لموقف محاسبة الفساد. سأطلب حقوقًا حقيقية للمرأة لا زينة تضاف لادعاء مشاركة. سأطلب معيارًا وزمنًا حقيقيًا للمناصب. سأطلب تصورًا واضحًا ومحددًا، لو كان بلا قوة بالوقت الحالي، لمواجهة الاحتلال وأعوانه، وسأطلب أن يتحلى الحزب ببعضٍ من الخجل».
في بضعة أسطر وضعت سحر أمام الحزب ما يشبه دفتر شروط المواطن.
الاحتلال.
الفساد.
المرأة.
تداول المناصب.
والقدرة على تحويل الموقف الوطني إلى سياسة.
لكنني توقفت عند عبارتها الأخيرة:
«بعض من الخجل».
ليس الخجل هنا ضعفًا.
أقرأه تواضعًا سياسيًا.
أن يدخل أي حزب جديد إلى مجتمع دفع كل هذا الثمن من دون أن يتصرف كأن التاريخ بدأ يوم تأسيسه.
وأن تقف القيادة أمام الناس وهي تعرف أنها تطلب ثقتهم، لا أنها تمنحهم شرف الانضمام إليها.
ناديا مصطفى… «أنا كمواطنة فلسطينية»
ناديا بدأت تعليقها بهذه الكلمات:
«أنا كمواطنة فلسطينية لا أريد من الانتخابات مجرد تغيير أسماء أو استبدال وجوه بوجوه».
توقفت أمام البداية قبل أن أكمل.
«أنا كمواطنة فلسطينية».
ليست عضوة في هذا الفصيل أو ذاك في هذه الجملة.
إنها مواطنة.
وتريد انتخابات تختار فيها من يمثلها، لا أسماء يتم اختيارها خلف الأبواب المغلقة ثم توضع أمامها لتنتخب بينها.
تريد قيادة تسمع الناس قبل الانتخابات وبعدها.
وتريد برنامجًا تعرف ماذا سيقدم.
وتريد للمرأة والمخيم والقدس وغزة والشتات مكانًا حقيقيًا في القرار.
ثم قالت:
«أريد انتخابات تجعل صوت المواطن هو الأساس، لا مجرد ورقة تستخدم للوصول إلى الكرسي».
هذه الجملة تكاد تختصر السؤال الذي حاول مقالي كله الوصول إليه.
هل المواطن الفلسطيني صوت انتخابي؟
أم أنه شريك في صناعة الخيار قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع؟
ناديا أجابت.
خالد عطية… من أين جاء الحزب أصلًا؟
خالد لم يناقش «مسار جديد» وحده.
ذهب إلى ما قبل الحزب.
كتب:
«الجديد، في تقديري، لا يبدأ من تأسيس حزب جديد، بل من تغيير العلاقة بين المجتمع والسياسة والتمثيل».
ثم طرح سؤالًا أعتقد أنه يجب أن يلاحق كل حزب جديد:
«ما الحاجة التي أنتجت هذا الحزب؟ ومن أي جزء من المجتمع جاءت؟ وهل يعبر عن حاجة اجتماعية وسياسية فعلية، أم أن مجموعة من النخب أنشأت إطارًا جديدًا ثم تبحث له عن قاعدة اجتماعية؟»
هنا انقلب السؤال.
لم يعد:
هل نحتاج حزبًا جديدًا؟
بل:
من الذي احتاجه؟
وهناك فرق هائل.
لأن الحزب يمكن أن يولد في مكتب، ثم يبحث عن جمهور.
ويمكن أن تولد الحاجة في المجتمع، ثم تبحث عن أداتها السياسية.
خالد يسمي المجتمع، بما يحمله من تاريخ وذاكرة وتجربة ونضال، «الحامل الوطني»؛ البنية الأعمق التي تبقى حتى عندما تتعطل المؤسسات وتفشل التنظيمات.
ثم يصل إلى السؤال الذي أراه من أهم ما كتب تحت المقال:
«هل نريد أحزابًا تبحث عن جمهور، أم مجتمعًا قادرًا على إنتاج قواه السياسية؟»
ربما بين هذين الخيارين تقع أزمة السياسة الفلسطينية كلها.
غالب سعد… لا يريد «تيارًا ثالثًا»
غالب أخذ النقاش إلى مساحة أوسع.
قال إن فكرة «التيار الثالث» طُرحت سابقًا، لكنه اليوم يفضل الحديث عن «تيار جديد».
لماذا؟
لأنه، في تقديره، لم يعد هناك تيار أول وثانٍ بالمعنى الذي يجعل الجديد «ثالثًا».
ثم رسم مشهدًا قاتمًا: إحباط من السلطة، تآكل في الحالة الفتحاوية، ضغوط على حماس بعد الحرب، وضعف في التنظيمات اليسارية والقومية، وانشغال قوى كثيرة بالحفاظ على وجودها.
لكنني توقفت عند فكرته التالية.
مشكلتنا مع الاحتلال، كما يقول، معروفة منذ أكثر من مئة عام؛ أما السؤال الذي يحتاج منا إلى مواجهة الذات فهو:
كيف ندير نحن أدواتنا وقوانا كشعب تحت الاحتلال؟
وهذا سؤال مؤلم.
لأنه يخرجنا للحظة من المساحة المريحة التي يكون فيها كل الخطأ خارجيًا، ويجبرنا على النظر إلى الداخل.
غالب يرى أن السلطة ابتلعت منظمة التحرير وشلت حركتها، وأن سياسة الانتظار أصبحت بديلًا عن المبادرة، ثم يذهب إلى نتيجة أكثر حدة: إذا استحال التغيير بانتخابات سليمة وقابلة للتنفيذ، فإنه يرى ضرورة حراك جماهيري ضاغط قد يصل إلى العصيان المدني.
يمكن الاتفاق مع غالب أو الاختلاف معه في الوسيلة.
لكن لا يمكن تجاهل أنه فعل شيئًا نفتقده كثيرًا:
انتقل من وصف الأزمة إلى السؤال عن أداة تغييرها.
محمد خالد… قبل أن تحدثني عن البرنامج، عرّف لي فلسطين
محمد وضع ثلاثة أسئلة:
ما فلسطين التي يمثلها الحزب ويطالب بها؟
أي جزء من الشعب يمثل: الفلسطينيين في أراضي 1967؟ اللاجئين والشتات؟ ماذا عن أهلنا في الداخل الفلسطيني؟
ثم:
هل الحزب أداة للوصول إلى السلطة، أم أداة لتصحيح مسار سياسي واجتماعي واقتصادي؟
هذا التعليق يعيدنا إلى نقطة البداية.
قبل أن تسألني عن الضرائب والتعليم والصحة — وهي أسئلة ضرورية — قل لي أولًا:
ما فلسطين التي تتحدث عنها؟
ومن هو الفلسطيني الذي تعتبر نفسك مسؤولًا أمامه؟
لأن تعريف الوطن يسبق برنامج إدارة الوطن.
محمد بركات… هل فقدنا الثقة بالحزب نفسه؟
محمد كتب:
«الأحزاب دائمًا تعمل لصالح أعضائها فقط وليس لصالح المجتمع، لكن يبدو أن هناك حاجة لتجديد الأفكار».
قد نختلف مع التعميم.
لكن ما يهمني هو الشعور الكامن وراءه.
هناك عدم ثقة بالأحزاب، وفي الوقت نفسه شعور بالحاجة إلى التجديد.
وهذا تناقض شديد الدلالة.
فربما لا تكون المشكلة فقط كيف ننشئ حزبًا جديدًا.
ربما السؤال الأصعب:
كيف نعيد ثقة المواطن بفكرة العمل السياسي المنظم نفسها؟
لأن الحزب الديمقراطي ليس ناديًا لأعضائه.
هو أداة يقدم من خلالها جزء من المجتمع تصورًا لخدمة المجتمع كله.
وعندما يفقد المواطن هذا المعنى، تكون الأزمة أعمق من أسماء الأحزاب.
سليمان فيومي… هل لبعض التنظيمات تاريخ بلا حاضر؟
سليمان كان أكثر حسمًا:
«المنظمات الفلسطينية التي تحولت إلى حركات وهمية عليها الانسحاب وتفسح الطريق لتشكيل أحزاب سياسية حقيقية ببرامج واقعية حقيقية لخدمة المواطن».
العبارة قاسية.
لكن وراءها سؤال يستحق التفكير:
هل وجود التنظيم السياسي حق مكتسب إلى الأبد؟
هل يكفي أن يكون للفصيل تاريخ كي يبقى حاضرًا في المؤسسات الوطنية مهما أصبح حجمه الاجتماعي؟
أم أن التنظيم، مثل أي أداة سياسية، يحتاج إلى إثبات قدرته على أداء وظيفة في الحاضر؟
التاريخ يستحق الاحترام.
لكنه، وحده، لا يستطيع التصويت نيابة عن الأحياء.
عصام شعبان… سبع كلمات حملت السؤال كله
سأل عصام:
«هل يمكن لحزب جديد أن يغير المشهد السياسي؟»
قد يبدو السؤال بسيطًا.
لكنه ربما أصعب سؤال في التعليقات.
الحزب الجديد قد يغير المشهد.
وقد يضيف لافتة أخرى إلى شارع مزدحم.
قد يكون عمر الحزب ستة أشهر وعقله السياسي خمسين عامًا.
وقد يكون تنظيم قديم قادرًا على مراجعة نفسه والتجدد.
لذلك فالسؤال ليس فقط:
كم عمر الحزب؟
بل:
ما الذي جاء ليغيره؟
عيسى سمندار… الجديد يولد محاطًا بالشك
عيسى استقبل الفكرة بحذر:
«في وضعنا الفلسطيني فإن نشوء حزب جديد ضمن ظروف صعبة ويبدأ افتتاحه بطريقة ناعمة مخفية يثير مخاوف. لقد تعلمنا من التجربة».
ثم حذر من استغلال الظروف الصعبة وتكاثر المبادرات المشابهة.
لا أقرأ هذا التعليق فقط كموقف من «مسار جديد».
أقرأه بوصفه مؤشرًا على أزمة ثقة.
في مجتمعات أكثر استقرارًا، قد يبدأ الحزب الجديد من نقطة الصفر.
عندنا يبدو أنه يبدأ من تحت الصفر.
عليه أولًا أن يقنع الناس بأنه ليس مشروع شخص، ولا عائلة، ولا ممول، ولا دولة، ولا ترتيبًا صُنع خارج المجتمع.
الثقة لم تعد هدية البداية.
أصبحت شيئًا يجب اكتسابه.
غادة برغوثي… أغلقت الباب عند جملة واحدة
غادة كتبت:
«"دمج إسرائيل في المنطقة مصلحة عربية إقليمية"! بمجرد أن أسمعه يقول هكذا عبارة أصفق الباب وأخرج».
ثم أضافت أن العبارة، بالنسبة إليها، تلخص التوجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، وتغنيها عن بقية الأسئلة.
وهنا يظهر اختلاف جميل بين قارئتين.
فاتن جرار سمعت «الشراكة» وقالت:
اشرحوا لي.
غادة سمعت تصور دمج إسرائيل وقالت:
فهمت، وهذا يكفيني.
الأولى تريد اختبار شروط المشروع.
والثانية تعتبر إحدى فرضياته الأساسية كافية لتحديد موقفها منه.
وهذا الاختلاف نفسه جزء من المجتمع الذي نحاول سماعه.
أبو شادي… أين الجديد؟
أبو شادي ذهب إلى الجذر السياسي للمشروع:
«مسار جديد (حل الدولتين)... أين الجديد في مسار عمره 52 سنة منذ 1974 والمرحلية/النقاط العشر؟»
وخلص إلى أن «المسار الجديد ولد ميتًا».
يمكن مناقشة النتيجة، لكن السؤال مشروع:
ماذا نعني بالجديد؟
هل يكفي أن يكون الحزب جديدًا بينما برنامجه السياسي ينتمي إلى مسار عمره عقود؟
أم أن «الجديد» يجب أن يقدم أيضًا إجابة جديدة عن واقع تغير جذريًا؟
وهنا يعود المعيار الذي بدأت أقتنع أكثر فأكثر بأهميته:
الجديد ليس شهادة ميلاد.
زياد نجيب درويش… يريد القائد لا الحزب
زياد رفض حتى المقارنة التي بدأت بها مقالي بين الفضائية والحزب.
ويرى أن أزمتنا لم تنتج من نقص الأحزاب، وأن ما نحتاجه هو:
«قائد فذ يطوي تاريخ من تشبهوا بالقادة وأدوا بنا إلى ما نحن عليه اليوم».
وهنا أتوقف.
لأنني أرى الأمر بصورة مختلفة.
أفهم الحنين إلى القائد في مجتمع خذلته مؤسساته.
لكنني أخشى من البحث مرة أخرى عن المنقذ.
القائد الاستثنائي قد يصنع لحظة.
لكن المؤسسة هي التي تحمي المستقبل.
وربما إحدى أزماتنا أننا وضعنا أحيانًا من الآمال في الأشخاص أكثر مما وضعنا من الضمانات في المؤسسات.
ومع ذلك، فإن تعليق زياد مهم جدًا لأنه يكشف اتجاهًا آخر في التفكير الفلسطيني:
هناك من لا يزال يرى أزمة فلسطين أزمة قيادة قبل أن تكون أزمة نظام سياسي.
وهذا نقاش يجب ألا نهرب منه.
ياسر الصيرفي… الحزب والدولة
كتب ياسر:
«الفارق بينا وبينهم إحنا دمرنا البلد لصالح الحزبين الأكبر، وهم دمروا الحزبين الأكبر لخدمة الدولة».
قد نختلف حول المقارنة ودقتها أو المقصود بـ«هم»، لكن الصورة التي رسمها تستحق التوقف.
من يخدم من؟
هل الحزب أداة لبناء الدولة؟
أم تصبح الدولة أداة لبقاء الحزب؟
هذا السؤال ليس فلسطينيًا فقط.
إنه أحد أسئلة السياسة في كل مكان.
لكن عندنا يصبح أكثر حساسية لأننا ما زلنا نناضل أصلًا من أجل الدولة.
فإذا تحولت المؤسسة العامة قبل اكتمالها إلى حصة لهذا التنظيم أو ذاك، فماذا سنترك للمواطن الذي لا يحمل بطاقة أي منهما؟
صالح ذيب الكيلاني… «في أمل»
وبين كل هذه الأسئلة والشكوك كتب صالح:
«في أمل إن شاء الله».
كلمات قليلة.
لا أريد أن أحملها نظرية سياسية لم يقصدها صاحبها.
لكنني لا أريد أن أمر عليها أيضًا.
لأن وسط كل هذا الغضب والشك وانعدام الثقة، هناك شيء يبحث عنه الفلسطيني:
الأمل.
وربما لهذا تثير كل مبادرة جديدة كل هذا النقاش.
ليس لأن الناس ساذجون ينتظرون منقذًا جديدًا.
بل لأنهم، رغم كل شيء، لم يتخلوا تمامًا عن احتمال أن تكون السياسة أفضل مما أصبحت عليه.
ثم ابتعدت بالكاميرا قليلًا
بعد أن قرأت هذه التعليقات، حاولت ألا أبقى داخل كل تعليق منفردًا.
وضعتها أمامي معًا.
فاتن.
سحر.
ناديا.
خالد.
غالب.
محمد.
سليمان.
عصام.
عيسى.
غادة.
زياد.
ياسر.
أبو شادي.
صالح.
لم يقولوا الشيء نفسه.
وهذا ما أعجبني.
بعضهم رحب بإمكان التجديد.
بعضهم شك فيه.
بعضهم رفض المشروع.
بعضهم يريد أحزابًا جديدة.
وبعضهم لا يثق بالأحزاب أصلًا.
واحد يبحث عن المؤسسة.
وآخر عن القائد.
واحد يرى الانتخابات طريقًا.
وآخر يشك في إمكان نزاهتها أصلًا.
قارئة تسأل الحزب عن المرأة.
وأخرى عن القدس واللاجئين والأسرى.
وقارئ يسأل: أي فلسطين تمثل؟
وآخر يسأل: من أين خرج الحزب، من المجتمع أم من النخبة؟
لا يوجد إجماع.
وهذا صحي.
لأن المجتمع الحي ليس جوقة تردد الجملة نفسها.
لكن خلف الاختلاف رأيت شيئًا مشتركًا.
هؤلاء لا يقولون للحزب الجديد:
تفضل، أقنعنا بشعار جميل.
إنهم يفتحون حقيبته.
يسألون عن البرنامج.
وعن الاحتلال.
وعن فلسطين.
وعن المرأة.
وعن الفساد.
وعن مدة القيادة.
وعن الانتخابات.
وعن المجتمع.
وعن الدولة.
وعن الشرعية.
وعن معنى «الجديد» نفسه.
وهنا تذكرت السؤال الذي بدأت منه مقالي السابق.
كنت أسأل:
هل سيذهب الفلسطيني إلى الانتخابات مجرد صوت يبحث عنه المرشح؟
أم سيذهب مواطنًا يريد المشاركة في صناعة الخيارات نفسها؟
وربما أعطتني هذه التعليقات أول إجابة صغيرة.
القارئ الذي دخل المقال بدأ يتصرف كمواطن.
لكن هذه ليست نتيجة استطلاع
من الضروري أن أقول ذلك بوضوح.
هذه التعليقات لا تمثل الشعب الفلسطيني إحصائيًا.
ولم تُجمع وفق عينة علمية.
ولا أستطيع أن أقول إن الفلسطينيين يفكرون جميعًا بهذه الطريقة.
إنها أصوات قراء اختاروا المشاركة.
لكن قيمتها ليست في العدد.
قيمتها في نوع الأسئلة التي خرجت عندما فتحنا الباب للنقاش.
كما أن الحوار أوسع من صفحتي الشخصية.
فالمقال أعيد نشره في عشرات الصفحات والمجموعات الفلسطينية والعربية، التي يصل عددها إلى نحو أربعين موقعًا وصفحة ومجموعة، من بينها «الفلسطينيون بالمهجر» و«عرب أمريكا» و«الكونغرس الفلسطيني»، وهناك تعليقات ونقاشات أخرى لم تدخل في هذه القراءة بعد.
أي أن الكاميرا ما تزال تصور.
وهذه اللقطات ليست الفيلم كله.
وربما هنا حدث الشيء الأهم
كنت أظن عندما كتبت عن «مسار جديد» أنني أكتب عن حزب.
ثم اكتشفت أن الحزب لم يكن إلا الباب.
خلفه ظهر سؤال أكبر:
ما السياسة التي يريدها الفلسطيني؟
وحين طلبت من القارئ ألا يكون متلقيًا فقط، فعل شيئًا ربما أهم من الاتفاق معي.
اختلف.
وسأل.
وشك.
واقترح.
واعترض.
وذهب بعضهم إلى أماكن لم أذهب إليها في المقال.
وهذا، بالنسبة لي، ليس هامشًا على النص.
هذا هو النص الذي كنت أبحث عنه.
فالديمقراطية لا تبدأ عندما يدخل المواطن غرفة الاقتراع.
تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ عندما يسمع كلمة «شراكة» فيسأل فاتن: أي شراكة؟
وعندما تسمع سحر حديثًا عن المشاركة فتقول: لا أريد المرأة زينة.
وعندما تقول ناديا: أنا مواطنة وأريد أن أختار.
وعندما يسأل خالد: هل أنتج المجتمع الحزب أم أنتج الحزب جمهورًا لنفسه؟
وعندما يقول غالب: دعونا نتحدث عن أدواتنا نحن.
وعندما يسأل محمد: أي فلسطين تمثلون؟
وحتى عندما يغلق أبو شادي الباب، أو تشك غادة، أو يبحث زياد عن قائد؛ فهذه كلها أصوات في المشهد الفلسطيني، ولا يحق لكاتب يتحدث عن المجتمع أن ينتقي منه فقط الأصوات التي تشبه صوته.
اللقطة الأخيرة
أعود إلى المقال على شاشة هاتفي.
في الأعلى اسمي.
تحته النص الذي كتبته.
ثم أصل إلى آخر سطر.
كان يفترض أن ينتهي المقال هناك.
لكنني أحرك الشاشة إلى أعلى قليلًا.
تظهر خانة التعليقات.
اسم.
ثم اسم آخر.
ثم آخر.
وتستمر الشاشة في النزول.
وفجأة يبدو اسمي في أعلى الصفحة أصغر بكثير.
وهذا يسعدني.
لأن المقال الذي يبدأ بصوت واحد ويظل صوتًا واحدًا حتى النهاية قد يكون مقالًا جيدًا.
أما المقال الذي يفتح مكانًا لأصوات أخرى، فيصبح شيئًا مختلفًا.
يصبح حوارًا.
وربما هذا بالضبط ما تحتاجه السياسة الفلسطينية أيضًا.
ليس قائدًا يتحدث وشعبًا يستمع.
ولا حزبًا يكتب البرنامج ومواطنًا يُستدعى للتصويت عليه.
بل مساحة يدخل إليها الجميع حاملين أسئلتهم واختلافاتهم ومصالحهم وأحلامهم، ثم يحاولون أن يصنعوا منها شيئًا مشتركًا.
أغلقت الهاتف.
لكن هذه المرة لم أشعر أن المقال انتهى.
لأن الكاميرا لم تعد في يدي وحدي.
أصبحت بين أيديكم.
يحيى بركات
19/8/2026