إلى سمير اليوسف
كتبتُ تعليقاً صغيراً بعد قراءة مقابلتك، قلت فيه: «أنت لا تمنحنا الإجابات التي نحبها، وإنما تنتزع منا، ولو للحظة، اليقين الذي اعتدنا الاحتماء به.» وظننت يومها أن هذه الجملة تكفي. لكن المقابلة بقيت في ذهني، لا بوصفها مجموعة من المواقف التي يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف عليها، بل بوصفها نافذة فتحت من جديد أسئلة قديمة في كتابتك وتجربتك.
لذلك عدت، على مهل، إلى عدد من أعمالك التي قرأت بعضها في أوقات مختلفة، وتوقفت عند بعضها الآخر من جديد في ضوء هذه المقابلة: «يوم عطش الوحش»، «وهم العودة»، «غزة بلوز»، «استعارات الغريب»، «طريق بنتونفيل»، «الشاعر يقترب»، «اتفاقية حب»، «الحر الغانم»، «هموم عائلية»، و«حكاية أفلاطون والشعراء». لم أفعل ذلك لأبحث عن رد على ما قلته، ولا لأختبر مقولتك بمعايير الموافقة أو الرفض، وإنما لأحاول أن أفهم المسار الذي أنتج هذه الأسئلة: كيف تشكلت علاقتك بالمخيم، والمنفى، والعودة، والذاكرة، والغربة، واللغة، والفرد؛ وكيف انتقلت هذه الأسئلة، من عمل إلى آخر، من الجغرافيا إلى النفس، ومن التجربة الفلسطينية إلى سؤال الواقع نفسه.
ومع تراكم القراءة، بدا لي أن كثيراً من العبارات الحادة أو الصادمة في المقابلة لا يمكن فهمها إذا اقتُطعت من سياق مشروعك الأدبي والفكري الأوسع. خلف قولك إن المخيم كان «غرفة انتظار»، وإن العودة قد تكون وهماً، وإن الذاكرة عبء، وإن الإنسان ينبغي أن يتحرر من الشعارات والهويات الجاهزة، هناك تجربة طويلة من الشك والمراجعة ومحاولة تحرير الفرد من كل ما يمكن أن يتحول إلى يقين مغلق.
وهنا أدركت أنني لا أريد أن أكتب رداً عليك. فالرد يفترض أنني أملك جواباً مقابلاً، بينما تركتني أعمالك أمام شيء مختلف تماماً: رغبة في أن أحاور الأسئلة التي تطرحها، وأن أضع إلى جوارها أسئلة أخرى جاءتني من تجربتي ومن علاقتي بالمخيم والذاكرة والمنفى والعودة.
ولعلني بدأت أفهمك الآن أكثر.
أنت لا تكتب عن المخيم والمنفى والعودة فقط؛ إنما تكتب، في العمق، عن إنسان يحاول أن يعيش بعدما سقطت من حوله المسلمات التي كان يمكن أن تمنحه شعوراً بالانتماء. في «يوم عطش الوحش» هناك الرغبة في الخروج من المخيم، وفي «وهم العودة» يصبح الخروج حقيقة، لكن العودة تتحول إلى سؤال، وفي «طريق بنتونفيل» لا ينتهي الاغتراب بعد الوصول إلى لندن، وفي «استعارات الغريب» يتحول الغريب من وضع جغرافي إلى استعارة للوجود، وفي «الشاعر يقترب» يصبح حتى الواقع نفسه موضع مساءلة، وفي «الحر الغانم» تصل الغربة إلى الداخل، إلى الذات نفسها، إلى السيرة، وإلى العلاقة بين ما حدث فعلاً وما نتذكر أنه حدث.
لهذا لم أعد أراك كاتباً عن المخيم أو عن المنفى بالمعنى التقليدي. أراك كاتباً لديه سؤال أعمق:
ماذا يبقى للإنسان حين تسقط عنه الأماكن التي كان يعتقد أنها تمنحه تعريفاً لنفسه؟
ومن هنا أفهم قولك إنك «تطرد نفسك قبل أن يطردك الآخرون». هذه ليست عبارة نفسية عابرة في ضوء أعمالك؛ إنها تكاد تكون مفتاحاً لمشروعك كله. يبدو لي أنك لا تمنح المكان والانتماء والعودة والذاكرة ثقةً نهائية، وكأنك تحرص دائماً على ترك مسافة بينك وبين كل يقين يمكن أن يتحول إلى قيد.
وهنا تحديداً تبدأ مسافتي عنك.
تقول إن لا مكان للنوستالجيا في حياتك أو في كتاباتك، وإنك لا تحن إلى الماضي، بل تشعر دائماً بأن الماضي كان أسوأ من الحاضر. أستطيع أن أفهم ذلك، بل ألتقي معك في جزء أساسي منه: الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة على الحاضر، ولا ينبغي أن يصبح الحنين بديلاً عن التفكير، ولا أن يتحول المكان الأول إلى فردوس متخيل لم يوجد أصلاً.
لكنني أتحفظ على مساواة استدعاء الماضي بالنوستالجيا.
ليس كل تذكر حنيناً، وليس كل كتابة عن المكان الأول رغبة في العودة إليه كما كان.
أنا أيضاً ابن مخيم. لكن تجربتي مع المكان قادتني إلى نتيجة مختلفة. لم يمنعني العيش في أوروبا من العودة إلى المخيم في الكتابة، ولم تجعلني المسافة الجغرافية أعتبر المكان الأول غرفة انتظار ينبغي إغلاق بابها خلفي. حدث العكس تقريباً: كلما ابتعدت، ازداد المكان حضوراً في أسئلتي. ولهذا كتبت عن الذاكرة الألمانية، وفي الوقت نفسه كتبت عن ذاكرة مخيم النيرب.
لم أكتب عن ألمانيا لأهرب من فلسطين، ولم أكتب عن النيرب لأهرب من أوروبا. المسافة جعلتني أرى الاثنين بصورة أوضح.
ولهذا أقول لك: ربما كانت أوروبا بالنسبة إليك مساحة للتحرر من بعض أوهام المكان، لكنها بالنسبة إليّ أصبحت مساحة لإعادة قراءة المكان.
وهذا فرق مهم.
أنت تنظر إلى المخيم من جهة ما حُرم الإنسان منه، وأنا أحاول أن أراه أيضاً من جهة ما صنعه الإنسان داخله.
أتفهم تماماً قولك إن المخيم بالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني كان مكاناً مؤقتاً، وإن حلم الخروج منه كان حلماً مشروعاً، وربما ضرورياً. لكنني أتحفظ على اختزال المخيم في وظيفته كـ«غرفة انتظار». لأن الغرفة التي ينتظر فيها الإنسان عشرات السنين تتحول، شئنا أم أبينا، إلى مكان تاريخي واجتماعي ووجداني. لم يكن المخيم مجرد الطريق إلى مكان آخر؛ كان أيضاً مدرسة وبيتاً وملعباً وسوقاً ومقبرة وصداقات وخصومات وأعراساً ووفيات وحباً وخوفاً وعملاً وطفولة وسياسة وحياة يومية.
أي أنه لم يكن فقط المكان الذي لم نصل إليه، بل كان المكان الذي عشنا فيه فعلاً.
وهنا ربما يكون اختلافنا الأساسي: يبدو لي أنك تريد أن تحرر الإنسان من سلطة المكان، وأنا أريد أن أفهم كيف صنع الإنسان، رغم حرمانه، حياة داخل المكان.
ولهذا أيضاً لا أرى الذاكرة بديلاً عن الوطن. حين أكتب عن النيرب لا أقول إن الذاكرة يمكن أن تحل محل فلسطين، ولا أقول إن المخيم هو الوطن، ولا أقول إن استعادة التفاصيل تعني العودة إلى الماضي. أقول شيئاً أبسط:
إن فقدان المكان لا ينبغي أن يؤدي إلى فقدان المعرفة به.
الذاكرة ليست بديلاً عن الأرض؛ إنها مقاومة لمحو العلاقة بالأرض.
وهنا أصل إلى «وهم العودة»، وهي النقطة التي أختلف معك فيها بصورة أوضح.
ليس لأنني أرفض حقك في تفكيك مفهوم العودة، بل لأنني أرى أن تفكيك الشعار لا يستلزم تفكيك الحق.
أنت نفسك تميز في المقابلة بين كون حق العودة «حقاً تاريخياً وقانونياً» وبين القول بأنه «مقدس». وأستطيع أن أفهم اعتراضك على اللغة التي تحول الحقوق السياسية إلى مقدسات لا يجوز التفكير فيها. لكنني لا أرى أن صعوبة التنفيذ تجعل الحق وهماً. هناك فرق بين استحالة تحقيق شيء في لحظة تاريخية معينة وبين كون الشيء نفسه وهماً.
ربما يكون الخلاف هنا متعلقاً بموقع النظر.
أنت نظرت إلى العودة من لندن. وتقول إنك في لندن تحررت من أوهام كثيرة. وأنا أصدقك. لكنني أعتقد أن المكان الذي يتحرر فيه الإنسان من وهم ما قد يصبح أحياناً المكان الذي يعيد تعريف الشيء نفسه باعتباره وهماً. وهذا ليس خطأ؛ إنه أثر الموقع.
فالعودة، إذا كان المقصود بها إعادة الزمن إلى الوراء، واستعادة العالم كما كان عام 1948، هي بالتأكيد مستحيلة. الزمن لا يعود، والقرى تغيرت، والأجيال تغيرت، والعالم تغير. لكن هل يعني ذلك أن حق العودة نفسه صار وهماً؟ هنا أقول: لا.
العودة ليست بالضرورة عودة الزمن.
يمكن أن تكون استعادة للحق، واستعادة للعلاقة بالمكان، وإنهاءً لوضع اللجوء، وإعادة بناء علاقة الفلسطيني بأرضه وممتلكاته ضمن ترتيبات تاريخية وسياسية وقانونية يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة.
فعدم معرفتنا اليوم بالشكل النهائي لتحقيق الحق لا يجعل الحق نفسه وهماً.
ولهذا ربما أستبدل، في مواجهتي مع عبارتك، «وهم العودة» بمفهوم آخر:
واقعية العودة.
واقعية تعترف بأن العالم تغير، لكنها ترفض أن تجعل تغير العالم حجة لإلغاء الحق.
وأنا لا أريد أيضاً أن أحول العودة إلى عقيدة أو قداسة. أريد أن أحررها من العقيدة، لكنني لا أريد أن أحولها إلى وهم.
وهنا، مرة أخرى، أظن أن تجربتي مع الذاكرة الألمانية كانت مهمة بالنسبة إلي. لقد جعلتني أرى أن المجتمعات لا تتحرر من الماضي بمجرد إعلان أنه عبء. تحتاج إلى أن تسأل: ماذا حدث؟ كيف حدث؟ من المسؤول؟ كيف نتذكر؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى مسؤولية أخلاقية؟
ولهذا كتبت عن ذاكرتين تبدوان بعيدتين: الذاكرة الألمانية وذاكرة النيرب. الأولى تسأل: كيف يتحمل مجتمع مسؤولية ماضيه؟ والثانية تسأل: كيف يحافظ شعب على ذاكرته بعد اقتلاعه؟ وبين السؤالين خيط واحد:
الذاكرة ليست عبادة للماضي، بل طريقة لفهم الحاضر.
لذلك لا أرى الماضي مجرد كابوس، رغم أنني أفهم لماذا تراه كذلك. الذاكرة يمكن أن تكون عبئاً بالفعل، لكنها يمكن أيضاً أن تكون مادة معرفة، وأحياناً تصبح مسؤولية.
وأنا أتفق معك تماماً في شيء آخر: الضحية ليست قديساً.
هذه من النقاط التي أقدرها كثيراً في كتابتك. أنت ترفض أن تمنح الفلسطيني حصانة أخلاقية لمجرد أنه فلسطيني، وهذا مهم. الفلسطيني يمكن أن يكون ضحية وظالماً، جباناً وشجاعاً، نبيلاً وانتهازياً، عاشقاً ومؤذياً، أو مجرد إنسان عادي. والاعتراف بذلك لا ينتقص من القضية، بل يجعل الفلسطيني إنساناً كاملاً.
لكنني أضيف معادلة أخرى لا تقل أهمية:
إذا كانت المظلومية لا تمنح الفلسطيني براءة مطلقة، فإن أخطاء الفلسطيني لا تسقط مظلوميته.
يمكنني أن أنتقد الفصائل والسلطة والمجتمع والعائلة والمثقف والمقاومة، وأبقى مقتنعاً بأن الاقتلاع اقتلاع، وأن النكبة حدث تاريخي، وأن الاحتلال احتلال.
وهنا ألتقي مع نقدك للبروباغندا. الفن ليس منشوراً سياسياً، والرداءة لا تصبح جمالاً لأنها تخدم قضية عادلة. بل أذهب أبعد قليلاً: القضية العادلة تحتاج إلى فن عظيم لأنها تستحق أن تُرى في تعقيدها الإنساني.
لا أريد أدباً يقول إن الفلسطيني طيب دائماً، كما لا أريد أدباً يذهب إلى الطرف المقابل فيجعل الفلسطيني مجرد فرد غريب في عالم عبثي، والتاريخ مجرد خلفية.
لأن التاريخ أحياناً ليس خلفية.
التاريخ هو الذي صنع الشخصية.
وهنا أجد نفسي أختلف معك في بعض النتائج، لا في حقك في طرح الأسئلة.
أنت تريد تحرير الفرد من سلطة الجماعة، وأنا أريد تحرير الفرد أيضاً، لكنني لا أرى أن عليه أن يقطع صلته بالسياق الذي صنعه لكي يصبح حراً.
يمكنني أن أكون فلسطينياً نقدياً دون أن أكون فلسطينياً طهورياً.
يمكنني أن أنتقد جماعتي دون أن أتنكر لها.
يمكنني أن أرفض شعاراتها الجاهزة دون أن أرفض تاريخها.
يمكنني أن أعيش في أوروبا دون أن أضطر إلى قتل المكان الذي جئت منه كي أشعر بأنني حر.
وهذا ربما هو الفرق الأعمق بيننا.
يبدو لي أنك تبدأ من القطيعة لكي تحمي حرية الفرد، وأنا أبدأ من إعادة الوصل النقدي لكي أحمي الإنسان من أن يصبح بلا تاريخ.
أنت تخشى أن تتحول الذاكرة إلى سجن.
وأنا أخشى أن يتحول التحرر منها إلى محو.
وأعتقد أن هناك طريقاً ثالثاً.
أن نتذكر دون أن نعبد الماضي، وأن نختلف دون أن نهدم الحق، وأن نغادر المكان دون أن نفقده، وأن نعيش في العالم دون أن نضطر إلى إنكار المكان الذي جئنا منه.
وأنا أتفق معك أيضاً في أن اللغة يمكن أن تحرر الكاتب من بعض القيود التي تفرضها اللغة الأم، لكنني لا أعتقد أن العربية هي التي تنتج بالضرورة «الخطاب العاطفي التقليدي». المشكلة ليست في العربية، بل في الكاتب الذي لا يغامر داخل لغته. يمكن للعربية أن تكون فلسفية وساخرة وقاسية وتجريبية ومزعجة، كما يمكن للإنكليزية أن تكون تقليدية ومبتذلة.
اللغة لا تحرر الكاتب وحدها.
وعي الكاتب باللغة هو الذي يفعل.
وأنت نفسك مثال على ذلك، لأنك لم تتحرر من العربية حين كتبت بالإنكليزية؛ لقد حملت مشكلتك وتجربتك وأسئلتك إلى لغة أخرى. «وهم العودة» لم تصبح أقل فلسطينية لأنها كتبت بالإنكليزية؛ انتقلت التجربة إلى لغة أخرى.
وهذا يؤكد أن اللغة تستطيع تغيير طريقة ظهور الهوية، لكنها لا تمحو مصدرها التاريخي بالضرورة.
أما «بيكيت» الذي يعود في كل مكان في كتابتك، فقد فهمت بعد القراءة لماذا هو مهم بالنسبة إليك. بيكيت لم يعطك فلسفة بقدر ما أعطاك طريقة في الشك؛ علّمك أن الإنسان يمكن أن يتكلم طويلاً وهو غير متأكد من شيء، وأن اللغة يمكن أن تكشف العجز بقدر ما تكشف المعرفة.
لكنني، رغم إعجابي بهذه الطريقة، أظل متحفظاً على نقلها كاملة إلى التجربة الفلسطينية.
لأن هناك لحظات يصبح فيها الشك الوجودي أقل أهمية من الواقعة التاريخية نفسها.
ليس كل شيء بحاجة إلى أن يتحول إلى سؤال ميتافيزيقي.
أحياناً البيت الذي هُدم كان بيتاً.
والذي طُرد منه كان صاحبه.
والذي عاش في المخيم كان لاجئاً.
والذي فقد أرضه فقدها.
بعد ذلك يمكن للفيلسوف أن يأتي ويسأل: ماذا تعني الخسارة؟ وكيف نعيد بناء الواقع في الذاكرة؟ وكيف تصنع اللغة تجربتنا؟
لكن لا ينبغي للفلسفة أن تبتلع الواقعة.
وهنا، ربما، يقع الاختلاف الحقيقي بيننا.
أنت تبدأ من السؤال:
هل ما نسميه واقعاً هو واقع فعلاً؟
وأنا أبدأ من سؤال آخر:
كيف نحمي ما حدث فعلاً من أن يذوب داخل تأويلاتنا له؟
أنت تخشى عبادة الحقيقة.
وأنا أخشى ذوبان الحقيقة.
أنت تحاول تحرير الإنسان من اليقين.
وأنا أحاول أن أترك له شيئاً يقف عليه بعد سقوط اليقين.
ومع ذلك، لا أريد أن أحول هذا إلى خلاف بين «الفلسفة» و«الذاكرة». أنا أحتاج إلى الفلسفة لكي أسأل: ما الذي أتذكره؟ لماذا أتذكره؟ من الذي نسي؟ من الذي يكتب الذاكرة؟ من الذي يملك أرشيفها؟ أين تنتهي الشهادة ويبدأ التخييل؟
لكنني في الوقت نفسه أحتاج إلى الذاكرة لكي أقول للفلسفة:
ليس كل ما حدث قابلاً للتحويل إلى لعبة مفاهيم.
ولهذا عدت إلى مخيم النيرب.
لم أعد إليه لأكتب حنيناً، ولا لأصنع منه جنة، ولا لأقول إن الماضي كان أفضل، بل لأنني اكتشفت أن هناك أشياء إذا لم تُكتب ستموت مرتين: مرة حين تحدث، ومرة حين يختفي من يتذكرها.
ومن هنا جاءت الكتابة.
ربما أنت تريد قتل الماضي لكي لا يقتلك.
وأنا أريد أن أكتب الماضي لكي لا يُقتل مرتين.
وهنا، يا سمير، أظن أننا نقف على ضفتين مختلفتين من النهر نفسه.
أنت تقول: لا تجعل الماضي يسجنك.
وأنا أقول: لا تجعل الرغبة في التحرر من الماضي تمحو حقه في أن يُعرف.
لا أرى بين الجملتين تناقضاً ضرورياً.
بل أرى إمكاناً لحوار.
ولهذا، بعد أن قرأت أعمالك، لم أعد أقرأك كاتباً «ضد العودة»، ولا كاتباً «ضد المخيم»، ولا حتى كاتباً «ضد الذاكرة».
أقرأك كاتباً ضد تحويل العودة إلى يقين مريح، وضد تحويل الذاكرة إلى سلطة، وضد تحويل الهوية إلى سجن، وضد تحويل الأدب إلى عقيدة.
وهذه كلها مواقف أستطيع أن أحترمها، بل أجد نفسي قريباً من بعضها.
لكنني، من تجربتي، أريد أن أضيف شيئاً:
يمكن للإنسان أن يتنفس من دون أن يقطع الحبل الذي يصل ذاكرته بالمكان.
يمكن أن يحب المكان دون أن يقدسه.
وأن ينتقد الجماعة دون أن يحتقرها.
وأن يتمسك بالحق دون أن يحوله إلى عقيدة مغلقة.
وأن يقرأ التاريخ دون أن يصبح أسيراً له.
وأن يذهب إلى العالم دون أن يضطر إلى قتل المكان الأول كي يشعر بأنه حر.
ولذلك لم تعد مقابلتك بالنسبة إليّ مناسبة للرد عليك.
أصبحت مناسبة لأقول لك ببساطة:
لقد قرأتك.
والقراءة الحقيقية، في النهاية، ليست أن تتفق مع الكاتب أو تختلف معه، بل أن ينجح الكاتب في أن يجعلك تعيد النظر في الأشياء التي كنت تظن أنك حسمتها.
وهذا، يا سمير، هو أجمل ما فعلته بي كتابتك.
كتبتُ تعليقاً صغيراً بعد قراءة مقابلتك، قلت فيه: «أنت لا تمنحنا الإجابات التي نحبها، وإنما تنتزع منا، ولو للحظة، اليقين الذي اعتدنا الاحتماء به.» وظننت يومها أن هذه الجملة تكفي. لكن المقابلة بقيت في ذهني، لا بوصفها مجموعة من المواقف التي يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف عليها، بل بوصفها نافذة فتحت من جديد أسئلة قديمة في كتابتك وتجربتك.
لذلك عدت، على مهل، إلى عدد من أعمالك التي قرأت بعضها في أوقات مختلفة، وتوقفت عند بعضها الآخر من جديد في ضوء هذه المقابلة: «يوم عطش الوحش»، «وهم العودة»، «غزة بلوز»، «استعارات الغريب»، «طريق بنتونفيل»، «الشاعر يقترب»، «اتفاقية حب»، «الحر الغانم»، «هموم عائلية»، و«حكاية أفلاطون والشعراء». لم أفعل ذلك لأبحث عن رد على ما قلته، ولا لأختبر مقولتك بمعايير الموافقة أو الرفض، وإنما لأحاول أن أفهم المسار الذي أنتج هذه الأسئلة: كيف تشكلت علاقتك بالمخيم، والمنفى، والعودة، والذاكرة، والغربة، واللغة، والفرد؛ وكيف انتقلت هذه الأسئلة، من عمل إلى آخر، من الجغرافيا إلى النفس، ومن التجربة الفلسطينية إلى سؤال الواقع نفسه.
ومع تراكم القراءة، بدا لي أن كثيراً من العبارات الحادة أو الصادمة في المقابلة لا يمكن فهمها إذا اقتُطعت من سياق مشروعك الأدبي والفكري الأوسع. خلف قولك إن المخيم كان «غرفة انتظار»، وإن العودة قد تكون وهماً، وإن الذاكرة عبء، وإن الإنسان ينبغي أن يتحرر من الشعارات والهويات الجاهزة، هناك تجربة طويلة من الشك والمراجعة ومحاولة تحرير الفرد من كل ما يمكن أن يتحول إلى يقين مغلق.
وهنا أدركت أنني لا أريد أن أكتب رداً عليك. فالرد يفترض أنني أملك جواباً مقابلاً، بينما تركتني أعمالك أمام شيء مختلف تماماً: رغبة في أن أحاور الأسئلة التي تطرحها، وأن أضع إلى جوارها أسئلة أخرى جاءتني من تجربتي ومن علاقتي بالمخيم والذاكرة والمنفى والعودة.
ولعلني بدأت أفهمك الآن أكثر.
أنت لا تكتب عن المخيم والمنفى والعودة فقط؛ إنما تكتب، في العمق، عن إنسان يحاول أن يعيش بعدما سقطت من حوله المسلمات التي كان يمكن أن تمنحه شعوراً بالانتماء. في «يوم عطش الوحش» هناك الرغبة في الخروج من المخيم، وفي «وهم العودة» يصبح الخروج حقيقة، لكن العودة تتحول إلى سؤال، وفي «طريق بنتونفيل» لا ينتهي الاغتراب بعد الوصول إلى لندن، وفي «استعارات الغريب» يتحول الغريب من وضع جغرافي إلى استعارة للوجود، وفي «الشاعر يقترب» يصبح حتى الواقع نفسه موضع مساءلة، وفي «الحر الغانم» تصل الغربة إلى الداخل، إلى الذات نفسها، إلى السيرة، وإلى العلاقة بين ما حدث فعلاً وما نتذكر أنه حدث.
لهذا لم أعد أراك كاتباً عن المخيم أو عن المنفى بالمعنى التقليدي. أراك كاتباً لديه سؤال أعمق:
ماذا يبقى للإنسان حين تسقط عنه الأماكن التي كان يعتقد أنها تمنحه تعريفاً لنفسه؟
ومن هنا أفهم قولك إنك «تطرد نفسك قبل أن يطردك الآخرون». هذه ليست عبارة نفسية عابرة في ضوء أعمالك؛ إنها تكاد تكون مفتاحاً لمشروعك كله. يبدو لي أنك لا تمنح المكان والانتماء والعودة والذاكرة ثقةً نهائية، وكأنك تحرص دائماً على ترك مسافة بينك وبين كل يقين يمكن أن يتحول إلى قيد.
وهنا تحديداً تبدأ مسافتي عنك.
تقول إن لا مكان للنوستالجيا في حياتك أو في كتاباتك، وإنك لا تحن إلى الماضي، بل تشعر دائماً بأن الماضي كان أسوأ من الحاضر. أستطيع أن أفهم ذلك، بل ألتقي معك في جزء أساسي منه: الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة على الحاضر، ولا ينبغي أن يصبح الحنين بديلاً عن التفكير، ولا أن يتحول المكان الأول إلى فردوس متخيل لم يوجد أصلاً.
لكنني أتحفظ على مساواة استدعاء الماضي بالنوستالجيا.
ليس كل تذكر حنيناً، وليس كل كتابة عن المكان الأول رغبة في العودة إليه كما كان.
أنا أيضاً ابن مخيم. لكن تجربتي مع المكان قادتني إلى نتيجة مختلفة. لم يمنعني العيش في أوروبا من العودة إلى المخيم في الكتابة، ولم تجعلني المسافة الجغرافية أعتبر المكان الأول غرفة انتظار ينبغي إغلاق بابها خلفي. حدث العكس تقريباً: كلما ابتعدت، ازداد المكان حضوراً في أسئلتي. ولهذا كتبت عن الذاكرة الألمانية، وفي الوقت نفسه كتبت عن ذاكرة مخيم النيرب.
لم أكتب عن ألمانيا لأهرب من فلسطين، ولم أكتب عن النيرب لأهرب من أوروبا. المسافة جعلتني أرى الاثنين بصورة أوضح.
ولهذا أقول لك: ربما كانت أوروبا بالنسبة إليك مساحة للتحرر من بعض أوهام المكان، لكنها بالنسبة إليّ أصبحت مساحة لإعادة قراءة المكان.
وهذا فرق مهم.
أنت تنظر إلى المخيم من جهة ما حُرم الإنسان منه، وأنا أحاول أن أراه أيضاً من جهة ما صنعه الإنسان داخله.
أتفهم تماماً قولك إن المخيم بالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني كان مكاناً مؤقتاً، وإن حلم الخروج منه كان حلماً مشروعاً، وربما ضرورياً. لكنني أتحفظ على اختزال المخيم في وظيفته كـ«غرفة انتظار». لأن الغرفة التي ينتظر فيها الإنسان عشرات السنين تتحول، شئنا أم أبينا، إلى مكان تاريخي واجتماعي ووجداني. لم يكن المخيم مجرد الطريق إلى مكان آخر؛ كان أيضاً مدرسة وبيتاً وملعباً وسوقاً ومقبرة وصداقات وخصومات وأعراساً ووفيات وحباً وخوفاً وعملاً وطفولة وسياسة وحياة يومية.
أي أنه لم يكن فقط المكان الذي لم نصل إليه، بل كان المكان الذي عشنا فيه فعلاً.
وهنا ربما يكون اختلافنا الأساسي: يبدو لي أنك تريد أن تحرر الإنسان من سلطة المكان، وأنا أريد أن أفهم كيف صنع الإنسان، رغم حرمانه، حياة داخل المكان.
ولهذا أيضاً لا أرى الذاكرة بديلاً عن الوطن. حين أكتب عن النيرب لا أقول إن الذاكرة يمكن أن تحل محل فلسطين، ولا أقول إن المخيم هو الوطن، ولا أقول إن استعادة التفاصيل تعني العودة إلى الماضي. أقول شيئاً أبسط:
إن فقدان المكان لا ينبغي أن يؤدي إلى فقدان المعرفة به.
الذاكرة ليست بديلاً عن الأرض؛ إنها مقاومة لمحو العلاقة بالأرض.
وهنا أصل إلى «وهم العودة»، وهي النقطة التي أختلف معك فيها بصورة أوضح.
ليس لأنني أرفض حقك في تفكيك مفهوم العودة، بل لأنني أرى أن تفكيك الشعار لا يستلزم تفكيك الحق.
أنت نفسك تميز في المقابلة بين كون حق العودة «حقاً تاريخياً وقانونياً» وبين القول بأنه «مقدس». وأستطيع أن أفهم اعتراضك على اللغة التي تحول الحقوق السياسية إلى مقدسات لا يجوز التفكير فيها. لكنني لا أرى أن صعوبة التنفيذ تجعل الحق وهماً. هناك فرق بين استحالة تحقيق شيء في لحظة تاريخية معينة وبين كون الشيء نفسه وهماً.
ربما يكون الخلاف هنا متعلقاً بموقع النظر.
أنت نظرت إلى العودة من لندن. وتقول إنك في لندن تحررت من أوهام كثيرة. وأنا أصدقك. لكنني أعتقد أن المكان الذي يتحرر فيه الإنسان من وهم ما قد يصبح أحياناً المكان الذي يعيد تعريف الشيء نفسه باعتباره وهماً. وهذا ليس خطأ؛ إنه أثر الموقع.
فالعودة، إذا كان المقصود بها إعادة الزمن إلى الوراء، واستعادة العالم كما كان عام 1948، هي بالتأكيد مستحيلة. الزمن لا يعود، والقرى تغيرت، والأجيال تغيرت، والعالم تغير. لكن هل يعني ذلك أن حق العودة نفسه صار وهماً؟ هنا أقول: لا.
العودة ليست بالضرورة عودة الزمن.
يمكن أن تكون استعادة للحق، واستعادة للعلاقة بالمكان، وإنهاءً لوضع اللجوء، وإعادة بناء علاقة الفلسطيني بأرضه وممتلكاته ضمن ترتيبات تاريخية وسياسية وقانونية يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة.
فعدم معرفتنا اليوم بالشكل النهائي لتحقيق الحق لا يجعل الحق نفسه وهماً.
ولهذا ربما أستبدل، في مواجهتي مع عبارتك، «وهم العودة» بمفهوم آخر:
واقعية العودة.
واقعية تعترف بأن العالم تغير، لكنها ترفض أن تجعل تغير العالم حجة لإلغاء الحق.
وأنا لا أريد أيضاً أن أحول العودة إلى عقيدة أو قداسة. أريد أن أحررها من العقيدة، لكنني لا أريد أن أحولها إلى وهم.
وهنا، مرة أخرى، أظن أن تجربتي مع الذاكرة الألمانية كانت مهمة بالنسبة إلي. لقد جعلتني أرى أن المجتمعات لا تتحرر من الماضي بمجرد إعلان أنه عبء. تحتاج إلى أن تسأل: ماذا حدث؟ كيف حدث؟ من المسؤول؟ كيف نتذكر؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى مسؤولية أخلاقية؟
ولهذا كتبت عن ذاكرتين تبدوان بعيدتين: الذاكرة الألمانية وذاكرة النيرب. الأولى تسأل: كيف يتحمل مجتمع مسؤولية ماضيه؟ والثانية تسأل: كيف يحافظ شعب على ذاكرته بعد اقتلاعه؟ وبين السؤالين خيط واحد:
الذاكرة ليست عبادة للماضي، بل طريقة لفهم الحاضر.
لذلك لا أرى الماضي مجرد كابوس، رغم أنني أفهم لماذا تراه كذلك. الذاكرة يمكن أن تكون عبئاً بالفعل، لكنها يمكن أيضاً أن تكون مادة معرفة، وأحياناً تصبح مسؤولية.
وأنا أتفق معك تماماً في شيء آخر: الضحية ليست قديساً.
هذه من النقاط التي أقدرها كثيراً في كتابتك. أنت ترفض أن تمنح الفلسطيني حصانة أخلاقية لمجرد أنه فلسطيني، وهذا مهم. الفلسطيني يمكن أن يكون ضحية وظالماً، جباناً وشجاعاً، نبيلاً وانتهازياً، عاشقاً ومؤذياً، أو مجرد إنسان عادي. والاعتراف بذلك لا ينتقص من القضية، بل يجعل الفلسطيني إنساناً كاملاً.
لكنني أضيف معادلة أخرى لا تقل أهمية:
إذا كانت المظلومية لا تمنح الفلسطيني براءة مطلقة، فإن أخطاء الفلسطيني لا تسقط مظلوميته.
يمكنني أن أنتقد الفصائل والسلطة والمجتمع والعائلة والمثقف والمقاومة، وأبقى مقتنعاً بأن الاقتلاع اقتلاع، وأن النكبة حدث تاريخي، وأن الاحتلال احتلال.
وهنا ألتقي مع نقدك للبروباغندا. الفن ليس منشوراً سياسياً، والرداءة لا تصبح جمالاً لأنها تخدم قضية عادلة. بل أذهب أبعد قليلاً: القضية العادلة تحتاج إلى فن عظيم لأنها تستحق أن تُرى في تعقيدها الإنساني.
لا أريد أدباً يقول إن الفلسطيني طيب دائماً، كما لا أريد أدباً يذهب إلى الطرف المقابل فيجعل الفلسطيني مجرد فرد غريب في عالم عبثي، والتاريخ مجرد خلفية.
لأن التاريخ أحياناً ليس خلفية.
التاريخ هو الذي صنع الشخصية.
وهنا أجد نفسي أختلف معك في بعض النتائج، لا في حقك في طرح الأسئلة.
أنت تريد تحرير الفرد من سلطة الجماعة، وأنا أريد تحرير الفرد أيضاً، لكنني لا أرى أن عليه أن يقطع صلته بالسياق الذي صنعه لكي يصبح حراً.
يمكنني أن أكون فلسطينياً نقدياً دون أن أكون فلسطينياً طهورياً.
يمكنني أن أنتقد جماعتي دون أن أتنكر لها.
يمكنني أن أرفض شعاراتها الجاهزة دون أن أرفض تاريخها.
يمكنني أن أعيش في أوروبا دون أن أضطر إلى قتل المكان الذي جئت منه كي أشعر بأنني حر.
وهذا ربما هو الفرق الأعمق بيننا.
يبدو لي أنك تبدأ من القطيعة لكي تحمي حرية الفرد، وأنا أبدأ من إعادة الوصل النقدي لكي أحمي الإنسان من أن يصبح بلا تاريخ.
أنت تخشى أن تتحول الذاكرة إلى سجن.
وأنا أخشى أن يتحول التحرر منها إلى محو.
وأعتقد أن هناك طريقاً ثالثاً.
أن نتذكر دون أن نعبد الماضي، وأن نختلف دون أن نهدم الحق، وأن نغادر المكان دون أن نفقده، وأن نعيش في العالم دون أن نضطر إلى إنكار المكان الذي جئنا منه.
وأنا أتفق معك أيضاً في أن اللغة يمكن أن تحرر الكاتب من بعض القيود التي تفرضها اللغة الأم، لكنني لا أعتقد أن العربية هي التي تنتج بالضرورة «الخطاب العاطفي التقليدي». المشكلة ليست في العربية، بل في الكاتب الذي لا يغامر داخل لغته. يمكن للعربية أن تكون فلسفية وساخرة وقاسية وتجريبية ومزعجة، كما يمكن للإنكليزية أن تكون تقليدية ومبتذلة.
اللغة لا تحرر الكاتب وحدها.
وعي الكاتب باللغة هو الذي يفعل.
وأنت نفسك مثال على ذلك، لأنك لم تتحرر من العربية حين كتبت بالإنكليزية؛ لقد حملت مشكلتك وتجربتك وأسئلتك إلى لغة أخرى. «وهم العودة» لم تصبح أقل فلسطينية لأنها كتبت بالإنكليزية؛ انتقلت التجربة إلى لغة أخرى.
وهذا يؤكد أن اللغة تستطيع تغيير طريقة ظهور الهوية، لكنها لا تمحو مصدرها التاريخي بالضرورة.
أما «بيكيت» الذي يعود في كل مكان في كتابتك، فقد فهمت بعد القراءة لماذا هو مهم بالنسبة إليك. بيكيت لم يعطك فلسفة بقدر ما أعطاك طريقة في الشك؛ علّمك أن الإنسان يمكن أن يتكلم طويلاً وهو غير متأكد من شيء، وأن اللغة يمكن أن تكشف العجز بقدر ما تكشف المعرفة.
لكنني، رغم إعجابي بهذه الطريقة، أظل متحفظاً على نقلها كاملة إلى التجربة الفلسطينية.
لأن هناك لحظات يصبح فيها الشك الوجودي أقل أهمية من الواقعة التاريخية نفسها.
ليس كل شيء بحاجة إلى أن يتحول إلى سؤال ميتافيزيقي.
أحياناً البيت الذي هُدم كان بيتاً.
والذي طُرد منه كان صاحبه.
والذي عاش في المخيم كان لاجئاً.
والذي فقد أرضه فقدها.
بعد ذلك يمكن للفيلسوف أن يأتي ويسأل: ماذا تعني الخسارة؟ وكيف نعيد بناء الواقع في الذاكرة؟ وكيف تصنع اللغة تجربتنا؟
لكن لا ينبغي للفلسفة أن تبتلع الواقعة.
وهنا، ربما، يقع الاختلاف الحقيقي بيننا.
أنت تبدأ من السؤال:
هل ما نسميه واقعاً هو واقع فعلاً؟
وأنا أبدأ من سؤال آخر:
كيف نحمي ما حدث فعلاً من أن يذوب داخل تأويلاتنا له؟
أنت تخشى عبادة الحقيقة.
وأنا أخشى ذوبان الحقيقة.
أنت تحاول تحرير الإنسان من اليقين.
وأنا أحاول أن أترك له شيئاً يقف عليه بعد سقوط اليقين.
ومع ذلك، لا أريد أن أحول هذا إلى خلاف بين «الفلسفة» و«الذاكرة». أنا أحتاج إلى الفلسفة لكي أسأل: ما الذي أتذكره؟ لماذا أتذكره؟ من الذي نسي؟ من الذي يكتب الذاكرة؟ من الذي يملك أرشيفها؟ أين تنتهي الشهادة ويبدأ التخييل؟
لكنني في الوقت نفسه أحتاج إلى الذاكرة لكي أقول للفلسفة:
ليس كل ما حدث قابلاً للتحويل إلى لعبة مفاهيم.
ولهذا عدت إلى مخيم النيرب.
لم أعد إليه لأكتب حنيناً، ولا لأصنع منه جنة، ولا لأقول إن الماضي كان أفضل، بل لأنني اكتشفت أن هناك أشياء إذا لم تُكتب ستموت مرتين: مرة حين تحدث، ومرة حين يختفي من يتذكرها.
ومن هنا جاءت الكتابة.
ربما أنت تريد قتل الماضي لكي لا يقتلك.
وأنا أريد أن أكتب الماضي لكي لا يُقتل مرتين.
وهنا، يا سمير، أظن أننا نقف على ضفتين مختلفتين من النهر نفسه.
أنت تقول: لا تجعل الماضي يسجنك.
وأنا أقول: لا تجعل الرغبة في التحرر من الماضي تمحو حقه في أن يُعرف.
لا أرى بين الجملتين تناقضاً ضرورياً.
بل أرى إمكاناً لحوار.
ولهذا، بعد أن قرأت أعمالك، لم أعد أقرأك كاتباً «ضد العودة»، ولا كاتباً «ضد المخيم»، ولا حتى كاتباً «ضد الذاكرة».
أقرأك كاتباً ضد تحويل العودة إلى يقين مريح، وضد تحويل الذاكرة إلى سلطة، وضد تحويل الهوية إلى سجن، وضد تحويل الأدب إلى عقيدة.
وهذه كلها مواقف أستطيع أن أحترمها، بل أجد نفسي قريباً من بعضها.
لكنني، من تجربتي، أريد أن أضيف شيئاً:
يمكن للإنسان أن يتنفس من دون أن يقطع الحبل الذي يصل ذاكرته بالمكان.
يمكن أن يحب المكان دون أن يقدسه.
وأن ينتقد الجماعة دون أن يحتقرها.
وأن يتمسك بالحق دون أن يحوله إلى عقيدة مغلقة.
وأن يقرأ التاريخ دون أن يصبح أسيراً له.
وأن يذهب إلى العالم دون أن يضطر إلى قتل المكان الأول كي يشعر بأنه حر.
ولذلك لم تعد مقابلتك بالنسبة إليّ مناسبة للرد عليك.
أصبحت مناسبة لأقول لك ببساطة:
لقد قرأتك.
والقراءة الحقيقية، في النهاية، ليست أن تتفق مع الكاتب أو تختلف معه، بل أن ينجح الكاتب في أن يجعلك تعيد النظر في الأشياء التي كنت تظن أنك حسمتها.
وهذا، يا سمير، هو أجمل ما فعلته بي كتابتك.