د. غانية ملحيس - تقديم لكتاب خالد عطية عن مخيم النيرب

شرّفني الصديق خالد عطية بتقديم هذا الكتاب، وهو الذي جمعتني به، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شراكةُ القلق والسؤال، قبل أن تتطور إلى شراكة في الفكر والمعنى. ثم رافقته في رحلة إنسانية ومعرفية عميقة إلى مسقط رأسه في مخيم النيرب، ذلك الجليل الذي حمله اللاجئون معهم إلى المخيم.

فتحت لي الحكايات التي يضمها هذا الكتاب أبواب البيوت والقلوب معًا، ثم تركتني أدخل العالم الذي صنعه خالد من تلك التفاصيل. وقدّمتني إلى أمه وأبيه، وأهله، ورفاق الصبا والشقاوة، وأساتذته في الدين واللغات والتاريخ والرياضيات والعلوم والرياضة، ومدير المدرسة، ورفاق النضال، حتى خُيّل إليّ أنني واحدة منهم، أجلس معهم على مقاعد المدرسة الواحدة التي ابتدعت نموذجًا فريدًا للفصل بين الإناث والذكور في مجتمع محافظ؛ تفرّقهم مواعيد الدراسة لا الجدران، فينتظمون في صفوف صباحية ومسائية، ويتواصلون برموز تُدوَّن على المقاعد المشتركة. كنت أرى في تفاصيلهم اليومية حياةً كاملة تُبنى من الفقد، لكنها لا تستسلم له.

وفي المساء أشارك النسوة جلسات السمر عند أبواب البيوت، وأحتسي قهوتهن، وألامس وجع الغربة، وأصغي إلى حلم العودة بوصفه وعدًا لا يخبو.

الحكايات التي يضمها هذا الكتاب ليست استعادة للماضي بقدر ما هي محاولة لفهمه وهو ما يزال يعمل في الحاضر. بل تتتبع أثره في الأرواح التي حملته، وفي البيوت التي تشكلت حوله، وفي المخيمات التي تحولت إلى امتداد مؤقت لوطن دائم الحضور في الذاكرة، وإن غاب عن الجغرافيا.

ينتمي هذا الكتاب إلى تقليد فلسطيني طويل في كتابة السيرة والذاكرة، لكنه لا يكتفي باستعادة الماضي أو توثيق تجربة اللجوء، بل يعيد بناء المكان عبر التفاصيل اليومية، فتغدو الذاكرة أداة لإعادة إنتاج الوطن في الوعي، لا مجرد وسيلة لحفظه من النسيان. وبهذا ينتقل الكتاب من السيرة الشخصية إلى السيرة الجمعيّة، حيث تكتسب التجربة الفردية معناها بوصفها جزءا من الحكاية الفلسطينية الكبرى.

من قرية النهر في الجليل الأعلى تبدأ حكايات خالد، لا باعتبارها نقطة على الخريطة الجغرافية، بل بوصفها نقطة الضوء الأولى في ذاكرة ممتدة نسجها أبوه وأمه وجيرانه وأصحابه ومعلموه وسكان المخيم.
هناك، حيث كانت البيوت تتجاور كما تتجاور القلوب، وكانت الأرض تمنح أبناءها معنى الانتماء قبل أن تُنتزع، وكان البيت يعج بالحياة قبل أن يُهدم، تتشكل البذرة الأولى لهذه السيرة.
ثم يأتي المخيم، لا محطةً عابرة بين الفقد والانتظار، بل حياة كاملة يعاد فيها بناء العلاقة بين الإنسان وماضيه، وبين اسمه وأرضه، وبين ذاكرته والمكان الذي مُحي من الخرائط، لكنه ظل حاضرًا في الوجدان الفلسطيني، تتناقله الأجيال وتحفظه في القلب والعقل والروح.

في المخيم، لا تُحفظ الحكايات في الذاكرة وحدها، بل يُعاد نسجها كل يوم في اللغة، وفي العلاقات، وفي الصور المعلقة على الجدران، وفي أسماء القرى التي يرثها الأطفال منذ ولادتهم، فيعرفون أزقتها وعيون مائها وأشجارها ورائحة خبز التنور قبل أن تطأها أقدامهم. كأن الذاكرة هناك لا تُستعاد، بل تُزرع كل يوم من جديد. لا يكون اللجوء خاتمة الحكاية، بل بدايتها الثانية، ويغدو الفقد مادة يُعاد منها تشكيل معنى الانتماء.

هذا الكتاب يجعل القارئ شريكًا في الحكاية، لا مجرد شاهد عليها. فهو لا يكتب المخيم بوصفه موضوعًا، بل يقدمه حالة وجود، فضاء يتجاور فيه الألم والكرامة، والغياب والإصرار على البقاء. ومن خلال هذا الاشتباك الحي مع الذاكرة، يعيد خالد عطية بناء قرية النهر في تفاصيل الحياة اليومية: في اللغة، وفي العلاقات، وفي الصور، وفي الحكايات التي ترفض أن تنتهي.

ولا يدعي الكتاب الإحاطة بكل تجربة اللجوء الفلسطيني، ولا تقديم صورة جامعة لكل المخيمات الفلسطينية، وإنما يقدم تجربة محددة تنبع من قرية النهر ومخيم النيرب.
غير أن خصوصيته هذه مصدر قوته، فمن خلال التفاصيل المحلية والحميمية، يلامس المعنى الإنساني الأوسع للنكبة واللجوء، ويجعل من السيرة الفردية نافذة لفهم التجربة الفلسطينية في أحد تجلياتها الإنسانية الأكثر عمقا.

ومن هنا تتكشف الرسالة الأعمق للكتاب: فالمخيم، كما يكشف هذا الكتاب، لم يكن يوماً هامشاً على التاريخ، بل أحد المراكز التي حفظت التاريخ الفلسطيني من المحو.
لم يعد مكاناً للانتظار، بل فضاءً يُعاد فيه إنتاج الوطن حين يُحرم من خرائطه. فالوطن، كما يقدمه خالد عطية، ليس رقعة أرض فحسب، بل بناءٌ يتجدد في الوعي. وكلما رُويت الحكاية، ورُسم بيت، واستُعيد اسم، أُعيد بناء الوطن من جديد. ولعل هذا ما يفسر الإصرار على محو المكان والإنسان معاً. لأن الاستعمار يدرك أن الذاكرة هي الحاضنة الأخيرة للحق. غير أن ما يغيب عن وعيه أن الجسد قد يُقتل، أما الروح، حين تتجذر في الذاكرة، فلا تُباد.

سياسياً، يطرح الكتاب فكرة جوهرية مؤداها أن النكبة ليست حدثاً مضى، بل زمناً مستمراً يتجدد في حياة الفلسطينيين.
وأن توثيق الحكاية واستعادة أسماء القرى ليس حنينًا إلى الماضي، بل مقاومة للنسيان وحضورٌ متجدد لفلسطين في الوعي والتاريخ.

وفكرياً، يعيد الكتاب تعريف الوطن، ليس باعتباره حدوداً على الخريطة، بل بناءً يتشكل في الوعي الجمعي.
فحين تُرسم القرية بيتاً بيتاً، وحارةً حارة، وتُستعاد الوجوه والأصوات والأسماء، لا يُستعاد الماضي، بل يُعاد بناء الحاضر في ضوء ما فُقد. وتغدو الذاكرة منارةً تهدي الأجيال التي باعدت بينها وبين وطنها المنافي، وتحفظ لها وجهتها حتى يحين موعد العودة.

أما إنسانياً، فيضع الكتاب القارئ أمام تجربة الفقد الممتد: آباء ينتظرون، وأبناء يبحثون، وبيوتاً لا تغادر أصحابها، وصوراً ترفض أن تشيخ. لكنه لا يقدم الفقد بوصفه انكساراً، بل بوصفه أحد أشكال البقاء، حيث يتحول الحنين إلى قوة حياة، والذاكرة إلى ملاذٍ للبقاء.

وللأجيال الفتية على وجه الخصوص، يوجه هذا الكتاب رسالته الأبلغ: أن الهوية ليست ميراثاً مادياً، بل ميراثٌ من الذاكرة والمعرفة والمسؤولية.
وأن العودة ليست فعلاً جغرافياً فحسب، بل رحلة وعي تبدأ بفهم الحكاية، وإدراك أن ما انقطع يمكن وصله حين يصبح السرد أمانة، والذاكرة عهداً لا ينقضي.
إن أبناء هذا الجيل ليسوا مجرد امتداد بيولوجي لمن سبقهم، بل هم الامتداد الحي للحكاية نفسها؛ فمن خلالهم تظل أسماء القرى حيّة، وتظل البيوت قائمة في الذاكرة، وتبقى فلسطين حاضرة في الوجدان حتى يحين اللقاء بينها وبين أبنائها.
في هذا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب. فهو لا يكتفي بتوثيق الذاكرة، بل يجعلها فعلاً للمستقبل، ويبقي السؤال مفتوحًا أمام الأجيال: كيف نحفظ الوطن حيًّا فينا، حتى إذا جاءت لحظة العودة، عرف الأبناء والأحفاد الطريق، واستطاعوا أن يصلوا ما انقطع بين الإنسان وأرضه، وبين الذاكرة والمكان، وبين الحكاية ووطنها.
ولعل هذا هو الأثر الذي يتركه خالد عطية بين يدي قارئه: أن الوطن لا يضيع ما دام محفوظًا في ذاكرة أبٍ يروي، وأمٍ تحفظ، وكاتبٍ يوثق، وجيلٍ جديد يؤمن بأن الحكاية أمانة للمستقبل. فالعودة تبدأ من الذاكرة، والذاكرة تبدأ من الحكاية. وهذا الكتاب، في جوهره، ليس إلا محاولة نبيلة لأن تبقى الحكاية حيّة، حتى يبقى الوطن حيًّا.
فالأوطان لا يحفظها الحجر وحده، بل يحفظها الذين يروون حكايتها جيلاً بعد جيل، حتى إذا فُتحت الأبواب يوماً، عرف الأبناء الطريق إلى البيوت، وعرفت البيوت أبناءها.


مخيم النيرب: حيث تسكن الذاكرة يولد الوطن

أشارك أصدقائي وأحبتي صدور الطبعة الإلكترونية من كتابي «مخيم النيرب: حيث تسكن الذاكرة يولد الوطن»، وهو متاح الآن للقراءة على منصة أبجد، فيما أصبحت النسخة الورقية قيد الطباعة، لتأخذ طريقها قريبًا إلى أيدي القرّاء.

هذا الكتاب ليس مجرد محاولة لاستعادة مكان مضى، بل هو محاولة للإنصات إلى ذاكرة مخيم ظلّ، رغم المسافة والسنوات والتحولات، يحمل فلسطين في تفاصيله الصغيرة: في البيوت، والأسماء، والحكايات، والوجوه، وفي ذاكرة الذين عاشوا فيه والذين حملوه معهم أينما ذهبوا.

إنه كتاب عن النيرب بوصفه مكانًا للذاكرة، والذاكرة بوصفها شكلًا من أشكال الوطن.

وأتوجه بالشكر والامتنان إلى دار الناشر في رام الله وعمّان على احتضان الكتاب وإخراجه إلى النور، وأخص بالشكر الأستاذ سعد والأستاذ خالد الدويري على تعاونهما واهتمامهما ومرافقتهما لهذا العمل حتى صدوره.

وإلى أبناء النيرب وأصدقائه، وإلى كل من يحمل في ذاكرته بيتًا أو شارعًا أو وجهًا أو حكاية من ذلك المخيم:

هذه الصفحات لكم، قبل أن تكون لي.

فالذاكرة حين تجد من يحفظها، لا تبقى ماضيًا فقط؛
إنها تصبح طريقة أخرى لكي يولد الوطن من جديد.

د. غانية ملحيس

- الطبعة الإلكترونية متاحة الآن على منصة أبجد، والنسخة الورقية قيد الطباعة.
الرابط :





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...