البهاء حسين - أحمد بهاء الدين .. الباحث عن النجم البعيد

يولد التطور، لأن مثقفاً ما يشير إلى العلّة، غير أن العلة، في مجتمعاتنا، تنتقل من الواقع إلى قلب المثقف، لأننا نتجاهل إصبعه. ومع الوقت يصبح المثقف نفسه علة، أو عالة، أو من "الأراذل"، بتعبير السادات. ومأساة أحمد بهاء الدين، 1927- 1996م، أنه ظل يعزف على قيثارته، لكنّ أحداً لم يكن هناك ليسمع. كأنه يعزف لنفسه. مسكين.. ظل 40 عاماً يكتب. دخل صوته الجهير كل بيت في الوطن العربى، والحاصل أنه، كما فتح عينيه على الاحتلال الإنجليزى لمصر أغمضها، لآخر مرة، على مشهد الدبابات العراقية تجتاح الكويت!
لقد أفنى حياته، 69 عاماً، وهو يبشر بمجتمع حر لا فضل فيه لأحد على أحد إلا بالعمل، لكن بلا فائدة، بقى المجتمع على حاله.."سداح مداح "، وبقى العدل في مكانه.. " ذلك النجم البعيد".
ثم إنه لم يُترك أصلاً، ليخلو إلى قيثارته. يقول بهاء: " إننى لا أتعب من العمل الصحفى، بل أشعر، في نهاية أي يوم، مهما طال، بنشوة وراحة نفسية. وأظن أن هذا هو حال من يزاول عملاً يحبه. ولعل إكسير الحياة وأحسن علاج للصحة هو أن يشعر المرء أنه يحقق ذاته في عمل خُلق له، ولكن الإرهاق الحقيقى يأتي من التوتر والقلق والضيق وعدم اليقين وخطورة المزالق، وغير ذلك مما يحيط بالعمل، وليس العمل نفسه ". (1)
يريد أن يقول، مع عبالرحمن الخميسى: " إننى أضيّع جهدى، أدافع عن قيثارتى، ولا أعزف ألحانى " !
وهو، وإن كان قد عزف كثيراً من الأناشيد العذبة، 37 كتاباً، ومئات المقالات، إلا أنه دفع حياته ثمناً لذلك، لأنه من النوع الذى قايض قلمه، بحيث "يأكل ويشرب ويتنفس لحساب سن القلم الصغير الذى يحمله في جيبه، أو في قلبه أينما ذهب. لا يستطيع أن ينسى همومه وشواغله ويسلم نفسه خالصة إلى ساعة مع رواية، أو متعة أمام مسرحية، أو استنشاق هواء طبيعى في غابة شاسعة، فأنقى الهواء يختلط في رئتيه بغبار حياة بلاده وقضاياها وهمومها ". (2)
بالنسبة لبهاء..هو وقلمه شيء واحد. توأم ملتصق لا يمكن فصله. والواقع أن الهموم التي اشتبك معها، على امتداد الأرض، كانت هي الغابة الشاسعة التي قطعها بقلبه.
خطوات في الغابة :
دخل أحمد بهاء الدين إلى الصحافة من باب الأدب. ولا بد أنه قد جرب، فيمن حوله، أشعاره وقصصه القصيرة، وعرف، من ردود أفعالهم، أي طريق يسلك، ليكتشف نفسه، أو ميوله الطبيعية. ولم يطل بحثه، فما إن عرف الطريق إلى مجلة " الفصول"، 17 ش شريف بالقاهرة، حتى استقر على أنه كاتب، نسى الشاعر بداخله، وإن لم ينس الشعر، فقد خرج من التجربة بالموسيقى وبالصورة. اقرأ كتابه " شهر في روسيا " تجد الشعر ما زال بين جنبيه، وإن كان بلا وزن أو قافية. الطريف أن كامل الشناوى كان يهدد بهاء، كلما رآه، بنشر قصائده. بهاء نفسه كان يذكر هذه الواقعة وهو يضحك. هو لم يؤمن بأنه شاعر، فطبيعته لا تعرف التطرف أو الجموح، وهما العاطفة.. المادة الفعالة في كل شاعر. أما القاص فتم هضمه هو الآخر، ولم ير النور، غير أنه خرج منه بالسرد المحكم يكتب به المقالات والمقابلات والكتب. والأرجح أنه انصرف عن الأدب، لأن سُلّمه طويل، وهو يريد تغيير الواقع من أقصر الطرق.. السياسة.



ينتمى بهاء، رغم أنه من مواليد الإسكندرية، ملك وقف الكونيل ، عمارة الشوربجى، إلى قرية الدوير، أسيوط، تلك المنطقة التي " يتعامل فيها الرجال بقانونهم الخاص بعيداً عن الحكومة، ووسليتهم في التعامل مع المشاكل هي في الغالب السلاح. حياة قاسية خشنة لا يهدأ فيها الصراع، ولا يبقى على البشر سوى تلك الرقة أو الواحة العاطفية الناعمة التي تختبىء في أعماقهم. قسوة الحياة في صعيد مصر فرضت على بهاء أن يتجه للسياسة". (3)
وهناك البيت الذى نشأ به، ويعوله أب،عبدالعال شحاته حسين، موظف فى الأوقاف، لكنه وفدىّ الهوى، كالأغلبية الكاسحة من المصريين. ثم إن المناخ العام، قبل ثورة يوليو 1952م، حيث الصراع على أشدّه بين كل الأطراف في عملية سياسية محتدمة. من الاحتلال إلى الأحزاب إلى الملك، وكان طبيعياً، بالنسبة لشاب قُدم إلى نيابة أمن الدولة، وهو في العشرين من عمره، بتهمة قلب نظام الحكم، أن يتوجه غزيزياً للهم العام، دون أن ينتمى لأى حزب سياسى، ظل هكذا يناوش بلا ظهير سوى قلمه، لأنه لا يطيق فكرة الخضوع للقوالب السياسية المحددة. لقد عاش مستقلّ الرأى منذ شباب. كانت الحركات السياسية والدينية تتناحر من حوله.. الإخوان ومصر الفتاة والماركسية، غير أنه لم ينتم لأى منها وإن حرص على أن يفهم كل الحركات.
إن شعوره بـ " بالحق والواجب " أعمق من أن يأتيه عن طريق تعليمات من حزب أو تنظيم ، هو شيء يأتيه من الداخل، حين يخلو إلى نفسه ويفكر على انفراد. بهاء له قانونه الخاص. ظل يكتب ويعيش وفق هذا القانون منذ تخرج في كلية الحقوق، جامعة القاهرة، عام 1946م وهو بعد في التاسعة عشرة من عمره، حتى موته. لم يخضع لقانون غيره. " بالنسبة لى لا أذكر مهما حاولت التذكر أن أمراً استبد بى منذ البداية أكثر من تلك القضية: الحق والواجب، الظلم والعدل، وبالتالي الأداة في كل هذا وهى القانون ". ( 4)
لذلك فهم أحمد بهاء الدين السياسة على أنها " ليست غاية في ذاتها، إنما غايتها إقامة العدل بين الناس " (5)
بالسياسة راح يناضل من أجل التغيير. وناضل، بالأدب والفن، من أجل استبقاء الحياة. كان كل شيء تحت الشمس من أجل الحياة. الحياة هي الحزب الوحيد الذى انتمى إليه، وقد تأثر في ذلك بدراسته للقانون، " ذلك أن دراسة القانون تعلم المرء طريقة خاصة في التفكير. تزود صاحبها بما يشبه " الترموستات " أو منظم درجة الحرارة، يقرأ الإنسان في الأداب، ويحلق وراء الفنون، ويجوب آفاق الفلسفة.. وهذه أشياء ربما كانت هي جوهر الفكر، ولكن من درس القانون- فيما يخيّل لى- يجوب هذا كله وقد ربطه التفكير القانوني إلى أرض واقعية معينة، فهو ينظم تفكيره، ويضع في صدره ميزاناً دائماً يزن به كل ما يعرض له من أفكار وأمور، ويخلصه من تيارات " الفن للفن " والفكر للفكر ". فى حين يربطه بأن الفن للحياة والفكر للحياة والسياسة للحياة، وكل شيء بدؤه ومنتهاه الحياة والناس. وأن الرؤية المتأثرة بالقانون هي الفرق بين أحلام اليقظة وأحلام التطبيق. أو بين تهويمات الخيال ورؤى الحقيقة ". (6)
وقد ساعده على إنفاذ قانونه الخاص ميله إلى الوحدة، كأنما ليصون وقته وذاته. هل قلت إن ما بقى له من الأدب، وظل يلازمه كندبة، هو ذلك المزاج الرومانتيكى الذى تحول من مزاج إلى شعور، ومن شعور إلى سلوك، ثم أصبح أسلوب حياة. إنه من أؤلئك الذين لم يعرفوا معنى اللعب. يقول بهاء، متحدثاً عن أمه زاهية أحمد الروبى : " فقدت أمى وأنا في العاشرة، ولم تكن بالنسبة لى أماً عادية، كنت ابنها الوحيد بين أخوات من البنات، وكأى أم شرقية، وضعت كل حياتها وحنانها للابن الوحيد، أحلامها وهمومها وقلقها وفرحها وعملها، وكان من الطبيعى ألا يبقى في حياتى مكان لشىء آخر سواها، فهى التي تعد لى طعامى ولبسى، وتشرف على مذاكرتى وتصحبنىى إلى السينما. كانت تخاف علىّ إلى درجة جعلتها ترفض أن أخرج مع أحد أصدقائى أو ألعب في الشارع أو في فناء البيت، فمرت طفولتى ومر صباى دون أن أعرف ما يعرفه الأولاد، فكانت كل ألعابى في البيت. اللحظات التي كنت أفترق فيها عنها هي تلك التي كنت أقضيها في المدرسة، إذا تأخرت جاءت إلى المدرسة تبحث عنى. ثم ماتت فجأة وكانت فوق الثلاثين بقليل، وهى أصغر أخواتها. كان اختفاؤها من حياتى أول صدمة لى. سيطر على شهوراً طويلة بعد فقدها ( شعور) بأن الحياة أصبحت بلا معنى. وقد بكيت ومرضت وحزنت ثم هدأت، وبقى معى شعور عميق بالوحدة. وحدة ألقاها هذا الحادث في نفسى كالبذرة التي لم تلبث أن أورقت وأصبحت لها ظلالها الكثيفة، كبرت وتعلمت وسافرت واشتغلت، ولكنى كنت أجد الناس مهما امتزجت بهم منفصلين عنى " (7)
ولم يكن يملأ هذه الوحدة سوى الدندنة بأغانى عبدالوهاب ونجاة، والكتب. الكتب هي الشىء الذى يجعل وحدته أكثر مرحاً. " المأساة الكبرى في حجرتى كثرة الكتب ورفوفها المتصاعدة، وكل رف جديد معناه فوضى جديدة، فحتى في قراءاتى غير منظم أقرأ قراءة متقطعة في عدة كتب دفعة واحدة وفى الليلة الواحدة ، ولا أخرج كتاباً ثم أعيده إلى مكانه " (8)
لقد تكون مزاجه مبكراً. اكتفى بنفسه، لا عن نرجسية أو أنانية، وإنما لأن الخارج لم يكن يتسع له. الخارج هو قضيّته على الورق، ومروقاً إلى الجوف يعمل فيه عمل الليل والنهار، يشتبك معه، ويذوب فيه بطريقته. وقد كانت فترة عمله في "الفصول" هي الماكيت الذى سيكون عليه الرجل ومشروعه. فقد رسمتْ له الطريق ووضعت به العلامات الإرشادية. عبر مظروف بالبريد سيكون اللقاء النفسى العميق بينه وبين مهنته الجديدة وعصره. كتب بهاء دراسة عن " جمال الدين الأفغانى " وأرسلها لصاحب "الفصول" محمد زكى عبدالقادر، بالبريد، فنشرت.. هكذا ببساطة. بعدها بفترة قصيرة كان بهاء رئيس تحريرها الفعلى قبل سن العشرين. يقول عبدالقادر عن مطبوعته، التي صدرت في 1944م وكانت، في الحقيقة، جامعة لا مجرد مجلة شهرية: " وكما كانت مجالاً لأقلام الكثيرين من أصحاب الفكر والرأى كانت أيضاً مجالاً لأصحاب الأقلام من الشبان الجدد. وكنت أرحب بهم وأعطيهم فرصاً متساوية. بعضهم، بل كلهم تقريباً... جاءونى على غير معرفة، وقدموا إنتاجهم، وكنت أقرأه بإمعان، فإذا أجزته نشرته دون احتفال بما إذا كان صاحب الاسم معروفاً أو غير معروف. جرت أقلام عديدة على صفحات الفصول، وأصبح للكثير منها اسم وذكر وتألق فيما بعد... وكان الأستاذ أحمد بهاء الدين أكثرهم مواظبة وتحمساً، وآنست له، وأفسحت له الكثير من الصفحات، ثم حدث أن زادت مشغولياتى في "الأهرام"... فزادت مسؤلياته في الفصول، إذ أصبح يقوم بأكثر العمل فيها أو كله " (9)
فى "الفصول" وضع بهاء يده، ليس فحسب على مستقبله، بل على مصر فسحبته إلى القاع، ووضع يده على زكى عبدالقادر، فمثّل له الكاتب، مثلما كان عبدالرزاق السنهورى، بالنسبة له، " رجلاً تجسدت فيه روح القانون "، وجواهر لال نهرو روح السياسة. ونظرة على بعض الموضوعات التي نشرها فى " الفصول " تدلك عليه وعلى مصر قبل ثورة يوليو 1952م: هذه الضرائب التي ندفعها، دعاة النفوذ الأمريكي في مصر وبرنامج النقطة الرابعة، تأميم القطن يعود بالفائدة على الدولة والفلاحين، الاقتصاد في خدمة السياسة، النظم الرجعية في الشرق. ارحموا الاشتراكية.
حتى شعره، الذى تبرأ منه ضاحكاً، كانت همومه مصرية :
يا مصر لو شئت الفداء وجدتنى في مطلع الأبرار واسمك في فمــى
وكما رويت بماء نيلك غلتـــــى أروى ثراك بما (تريدى) من دمى
ثم إن مصر تمددت بداخله.. أصبحت، هي وهمومه، من المحيط إلى الخليج. أصبح العالم العربى ،هكذا بشكل تلقائى لا أثر فيه للتعمل، انتماء أصيلاً وجد نفسه فيه. يقول بهاء، متحدثاً عن أكرم ميدانى أو بالأحرى عن نزوع باتجاه " القومية العربية" كان مبهماً قبل أن يلقاه في العام 1947م : " كنت من ناحيتى مزدحم الرأس بمصر وتاريخ مصر ومشاكل مصر. أفهم كل شيء من خلالها وحدها. وكانت السياسة العربية في ذلك الوقت، واجتماعات الجامعة العربية، ليست بالنسبة لى سوى مناظر فارغة يقوم بها بعض الساسة المحترفين، وكنت أحس أن هناك ارتباطاً ما بين البلاد العربية، ولكنه ارتباط غامض لا أحققه تماماً، أما صديقى، فكان يمتلك مكتبة ضخمة في الفن والأدب والسياسة... وكان يمتاز بإلمام واسع بحياة البلاد العربية الأخرى ... وبدا كل شيء مصري يلتحم في ذهنى بأشياء من البلاد العربية الأخرى التحاماً عضويًا يصبح بعده شيئاً واحداً. والإنسان عادة – أي إنسان- في نفسه نوع من المناعة أو المقاومة ضد الجديد، ولس هذا سيئاً، ولكن السيىء أن تتحول هذه المناعة إلى تحجر، إلى جدار أصم من ضيق الأفق والتعصب يحول دون الإنسان والتطور وتلقى الحقائق الجديدة، وهذا هو الذى جعل الكثيرين يجمدون ولا يدركون الحقيقة العربية في وقتها المناسب " (10)
ويعلل بهاء شعوره المبهم بقوميته قبل أن يحققها على صفحات الجرائد والمجلات التي ترأس تحريرها: " ولذلك فقد كان طبيعياً ألا تتم عملية الالتحام والاكتمال في نفسى بسهولة ". كان الأمر، بالنسبة له، أشبه بمن يقدم على تجربة زواج، على حد تعبيره، يعتقد أنه سيفقد على إثرها حريته ووجوده الخاص، لكنه بعد أن عاشر أكرم السورى، وزوجته وطفاء اللبنانية، اكتشف لنفسه ولقوميته وجوداً أكثر خصباً وحياة وعمقاً. هكذا، عن طريق الصداقة التي تقوم على العاطفة والعقل، " تبلور الإيمان بالقومية العربية في نفسى بعد أن اكتملت له كل عناصره من عاطفة وثقافة ومنطق. وعندما سافرت في البلاد العربية أدركت أكثر وأكثر معنى عبارة " التكوين النفسى المشترك " التي يذكرها فلاسفة السياسة كعنصر هام من عناصر الوحدة القومية. إنها ليست الثقافة المشتركة ولا العاطفة المشتركة، ولا المصلحة المشتركة. إنها شىء يشمل هذا كله ويشمل شيئاً آخر غيره " (11)
يروى لويس جريس موقفاً كان شاهداً عليه، عندما التحق بالعمل في" روزاليوسف"، وسمع"حواراً بين إحسان عبالقدوس وأحمد بهاء الدين حول ضرورة الاهتمام بالقضايا العربية في المجلة. كان إحسان يكتب في ذلك الحين مقالات بعنوان "مصر أولاً " ينادى فيها بأهمية الاهتمام بقضايانا قبل الاهتمام بالقضايا العربية. وكتب أحمد الدين في ذلك الوقت مقالاً بعنوان "كلنا أولاً "ينتصر فيه للفكرة العربية " (12)
"كلنا أولاً" هذا هو شعار حياته. كانت أفكاره تقول له إن فهم مصر لا يتم بمعزل عن العالم العربى والعكس صحيح، وبعد أن كان " يفهم كل شىء من خلال مصر وحدها " دفع بكل طاقته في هذا الاتجاه. خاض معارك ضارية وكثيرة اضطر فيها أن يدافع عن معتقداته، والحاصل أن معتقداته تولت هزيمته، لأن الخريطة اتسعت. ومن ثم زادت أمراضه. أصبحت الغابة كثيفة والخطوة فيها محسوبة ومكلفة.
رأس منحوت.. جسد من قش :
كان كل ما يحدث حول بهاء، في مصر أو الوطن العربى، مخصوماً منه. كان يشيّع قطعة من بدنه كلما هبت عاصفة هنا أو ألمّ خطب هناك، لأنه واحد من هؤلاء الذين يتعاملون مع الهم العام باعتباره هماً شخصياً يأخذه معه إلى البيت. المفارقة أن المسافة التي كان يصنعها في العلاقات الشخصية تلاشت بينه وبين العمل الصحفى، لم يكن يحب العناق، مثلاُ، لكنّه كان فى عناق دائم مع "الهم العام". مارس العمل اليومى، رئيساً لتحرير الأهرام، و الأخبار، والأسبوعى، ورئيساً لتحرير مجلات صباح الخير، وآخر ساعة، والمصور، وصحيفة الشعب، أصدرتها الثورة عام 1958م، ومارس العمل الشهرى رئيساً لتحرير مجلة العربى، أما "الهم العام" فكان رئيس تحريره على مدار الساعة، فضلاً عن أعبائه كنقيب للصحفيين، ورب أسرة من زوجة هى السيدة " ديزى روفائيلى أرمانيوس"، وطلفين هما زياد وليلى. ويمكنك من كتاباته ومعاركه أن تعرف خريطة الأمراض التي بدأت تداهمه قبل سن الأربعين. والثغرة كانت رأسه. فهو لم يكن يدون شيئاً على الورق، بل كان يخزّن كل شيء في روحه وفى ذاكرته. بمعنى أن التدوين، أولاً بأول ، يساعد بالطبع على تفريغ الشحنات. تفريغ الطاقة، أو التنفيس، وهو أمر حيوى في تخفيف الضغط العصبى والنفسى. يمنحك التدوين شعوراً بالخلاص، غير أن هذا لم يحدث مع بهاء، مما جعل رأسه، وهو أجمل ما فيه، نقطة ضعفه الأولى .
بدأت الأثار الجانبية للسياسة عليه حين شُج رأسه خلال مظاهرة شارك فيها، حادث كوبرى عباس 9 فبراير 1946م، للمطالبة بجلاء الاحتلال الإنجليزى. ومنذ بداية الانفصال بين مصر وسوريا، 1958م، بدأ الكبد يهاجمه، والضغط، وإصابة مبكرة بالقلب، ثم الجلطات الدماغية المتكررة. وبعد النكسة، التى اعتبرها هزيمة حضارية، لا يمكن فصلها عن مجمل أوضاع المجتمع، أصيب بالسكرى. كأن جسده صورة أشعة تسجل أمراض الوطن.
كان أحمد بهاء الدين على وعى بأن لديه رسالة، وقد نهض بها في بسالة. ظل يكتب ولا شيء يتردد في سمعه سوى صوت الواجب. كان أكثر وضوحاً في رأسه من أي صوت آخر. فقد كان زاهداً في كل شيء، حتى إنه رفض أن يكون وزيراً للثقافة. يصدر النداء من داخله فقط، فهو لم يكتب أبداً إلا بتحريض من هذا الصوت. يكتب هموم الناس كتابة بسيطة مثلهم، قوية وعميقة مثل جذورهم. بلا زخارف أسلوبية، لأن الأوجاع لا تحتاج إلى زخرفة. وقد دخل فى معارك ضارية، هو الشخص الخجول المنطوى، ضد العقاد، لصالح المرأة، وضد أمريكا وورسيا، وضد الماركسيين، رغم أنه يسارى، فُصل من العمل مرتين، وأوقف عن الكتابة مرتين، خاض معاركه من أجل الصالح العام.
وقد حدد بهاء الدين ثلاث قضايا عامة، هى ثمرة لقاء الوطنية فيه بالقومية، " أن كل شىء أولاً". الموضوع الذى مشى من أجله حافياً فى الغابة، ثم الديموقراية، والعقلانية، والشرعية. هذا هو الموضوع الرئيسى الذى انكب عليه طوال عمره، بحيث يمكنك أن تعتبر حياته وهذا الموضوع شيئاً واحداً. إن تركيبته النفسية وأحداث عصره المعقدة يفسران في تضادهما نهايته الحزينة. لقد عاش أكثر العصور امتلاء بالأحداث والأحلام والتناقضات، وبهاء الدين، كان " مسؤلاً " وفى" أدائه لهذه المسئولية أرهق نفسه بأكثر مما تستطيع طاقته، ولعل حياءه تواطأ أيضاً مع حدود احتماله على تعريضه لما تعرض له ، فقد كان هذا الحياء دائماً هو المغلوب على أمره أمام أى طارق لبيته أو لمكتبه يطلب منه رأياً مكتوباً أو مسموعاً فى قضية من القضايا الملحة على شواغل الرأى العام فى مصر وفى العالم العربى، وهكذا فإن مشاركته فى الحوار الوطنى والقومى لم تقتصر فقط على يومياته التى يكتبها فى الأهرام، وإنما فاضت على صفحات كثيرة من الجرائد والمجلات، وتدفقت فى محاضرات وندوات كان يذيب فيها أعصابه وقلبه مع كلمته مكتوبة أو منطوقة " (13)
الشاهد أنه ظل، فى أعماقه، عالقاً بين ما يؤمن به ( الفكر كمؤثر أول فى حركة التاريخ) وما يشاهده فى الواقع ( الفعل أو العمل)، هذه هى جرثومة الصراع الذى نشب بداخله، يكتب بهاء، وسط انبهاره بمنجزات عبدالناصر، فيما يذهب شكرى عياد، أن " البطل يهتم بالعمل، قبل أى شىء آخر، يهمه أن يصنع العمل المناسب قبل أن يبحث عن منطق يبلوره ويفلسفه. لذلك كثيراً ما نجد البطل التاريخى يختلف مع أذكى مثقفى عصره، ويتفوق عليهم، لأنه ( يصنع ) و(يخلق) فلسفة أنسب للزمن من الفلسفة التى يؤلفها مثقفوا عصره، فالمثقف من حيث لا يشعر، وبالرغم من إرادته، يستخدم منطق الحاضر الذى تربى فيه، لا منطق المستقبل الذى لم يوجد بعد، والذى يصنعه البطل " (14)
وكان كل شىء، فى الخمسينيات والستينيات، وحقبة السادات لاحقاً، ينقلب من حال إلى نقيضه، بصورة ارتجالية، وهو، مع إيمانه بالتطور، تدريجياً.. على دفعات، رافضاً فكرة الطفرة التى تنادى بها الماركسية.. أن " التراكم الكمى يؤدى إلى التغير الكيفى على شكل طفرات "، إلا أن خضوعه لمهنة تلاحق المتغيرات اليومية المتسارعة، وعدم قدرته على غض الطرف عن الأخطاء المتفاقمة فى الواقع، ثم جاءت هجرة نصف مليون يهودى روسى من الاتحاد السوفيتى إلى الضفة الغربية بفلسطين، وطرد سكانها الأصليين منها، ليصاب بجلطة فى المخ بعد أن رفض الأهرام نشر بيان له ضد " جريمة العصر"، وحين اجتاح العراق الكويت كان الرأس الجميل المنحوت بإزميل قد اقترب من النهاية.
انهار جسده مع انهيار مشروع التقدم. فى تقرير طبى، من مستشفى " القاهرة التخصصى "، بتاريخ 23 / 2 / 1991م، كان يعانى من : ارتفاع حاد بضغط الدم ، غيبوبة حادة ، تجمع دموى بالفص الأيسر من المخ، مع شلل نصفى أيمن، ارتفاع نسبة السكر بالدم، التهاب رئوى حاد ، وهبوط بعضلة القلب " .
ومن لقطة رواها هيكل يمكن أن تعرف إلى أى مدى تحول الرجل إلى بالون تنفخ الأحداث، وهو يمتلأ بالهواء، بالضغط، حتى وهو على سرير المرض. يقول هيكل : " من مفارقات المقادير المؤلمة أننا كنا نحاول أن نخفى عنه وقائع ما يجرى وتفاصيله بناء على أوامر أطبائه حتى نجنبه مخاطر الانفعال،... وفى يوم من الأيام ، ورغم الحصار، بدا أنه لمح صورة من صور الأزمة على شاشة التليفزيون وسألنى بعدها وأنا جالس معه: هو فيه إيه ؟ فيه إيه ؟ ، وكرر سؤاله بإلحاح، ونظرت إلى شريكة عمره، وكانت جالسة معنا، وفى عينى طلب صامت للنصيحة، وأشارت بما يفيد الإذن والسماح . وفى جملة واحدة لخصت له تفاصيل ما جرى ويجرى ، ابتداء من ضم الكويت وحتى ضرب العراق، وظل صامتاً لثوان ظننتها ساعات، ثم إذا به منفعلاً يقول " ليه ؟ ليه ؟ " ثم فوجئنا بدموعه تسبق كلماته، وأسرعنا نحاول تغيير الموضوع، ومع ذلك ظل السؤال حائراً على لسانه والدموع جارية من عينيه " ( 15)
وذهب الرأس الكبير بعد ذلك فى غيبوبة طويلة، حتى وافاه الأجل. لم يكن الموت، سوى الدبوس الذى أفرغ البالون من حمولته المزمنة .
كانت كل محنة فى الوطن تترك له أثراً فى البدن، الهش أصلاً، وربما لهذا السبب، التصاقه بالوطن، أصبح بهاء الدين محل إجماع ، حتى من أعدائه. لقد ارتضاه العصر، ليكون صوته. " إنه واحد من هؤلاء الناس الذين إذا شعرت بأنهم يحسنون الظن بك، أحسنت الظن بنفسك ". هو قالب مثالى للفكرة التى يمثلها.. " الحارس". ورغم وفاته، منذ 30 عاماً، سوف تشعر، حين تطالع كتاباته، أنه ما زال مشغولاً بالهم العام، اليوم وغداً وبعد غد، بحيث يمكنك أن تقرر، مطمئناً، أن "الهم العام" لو كان يصلح أن يكون شاهداً على قبر أحد، لما كان أصلح منه على قبره، وقد كتب عليه : هنا يرقد رجل قليل الجرم، لكنه يعدل أمة .


_________
( 1) " محاوراتى مع السادات "، أحمد بهاء الدين، ط دار الهلال ، 1987م ص 89
(2) "اهتمامات عربية "، أحمد بهاء الدين، مطابع دار المعارف ، 1993م ، ص 9
(3) فتحى غانم. أحمد بهاء الدين صديقاً. باقة حب. الكتاب التذكارى، ط الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1995م ، القاهرة ، ص 167
(4) أحمد بهاء الدين ، شرعية السلطة في العالم العربى، دار الشروق، ط2 1985م، القاهرة، ص 24
(5) باقة حب ، م س ، ص 282
(6) شرعية السلطة ، ص 23
(7) باقة حب، م س، ص 248
(8) نفسه ، ص 250
(9) أقدام على الطريق، ط دار الكاتب العربى، القاهرة، 1967م، ص 483، 484
(10) اهتمامات عربية ، ص 146
(11) السابق، ص 6
(12) نفسه
(13) محمد حسنين هيكل من تقديمه لكتاب: يوميات هذا الزمان ، أحمد بهاء الدين، ط الأهرام، 1991م ، القاهرة ، ص 5
(14) باقة حب ، م س، ص 6
(15 ) يوميات هذا الزمان ، م س ، ص 6

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...