البهاء حسين

ستعطيك السماءُ ما تحلمُ به حين تقف فى الجانب الآخر من الحزن حين تفهمُ الحبّ فى شيخوخته العلاقةَ بين حبيبينِ سابقين يلتقيان من جديد الشعرةَ الفاصلة بين القدر والاختيار حين تفهم الماضى المحاكمَ والأرصفة التى كنتَ تنتظر عليها، فى الصباح الباكر موعدَ بدء الجلسات حين تفهم قاعةَ المحكمة ساحةَ الحرب...
الحربُ تملأ أيامى المتربة حلقى أتقيأ الأن رصاصات فارغة أنقاض بيوت ومدارس ولا شىء بإمكانه أن يُسكت معدتى منذ ثلاثة أسابيع وأنا ملتصق بالتلفاز كأننى زرّ التشغيل الأحمر فى الريموت أريد أن أعرف ماذا تفعل الحربُ بإخوتى لا أريد أن تفوتنى رصاصة منها أريد لكل قذيقة أن تمرّ من خلالى، كى أبطلها منذ...
رشّ الماء على التراب يُهبّطه يجعله واحداً منا يجعله يحنّ : لماذا نستكثر على التراب أن يكون مثلنا وقد خُلق القلبُ من التراب ،، يرشّ أصحابُ المحلات الأرصفة بالماء، كى يجلب الرزق الطريق حصيلة الأقدام التى مشتْ عليه الحافية أو تلك التى لا تكفّ عن اللمعان التراب شقيقنا الأكبر الأب الذى علمنا كيف...
أعترف بالذئب صديقاً طالما أنه يرفع عقيرته، حين يعوى، للسماء أعترف بالذئبة أماً ما دامت تنسى أنيابها، رغم الجوع ماذا تفعل الأم أكثر من ذلك أن تدسّ ولدها فيها، حين يكون مرعوباً تخبئه بداخلها كما كانت أمى تفعل كنتُ أضمها بقوةٍ، كأننى سأعود إلى بطنها، حين أسمع عواء الذئب بجوار بيتنا الطينىّ تحت...
لا نحتاجُ إلى سيخٍ لتقليب الماضى يكفى أن نتذكر لكن من يردّ لى تلك السنوات، بين الطفولة والشيخوخة، كى أتذكر خمسون عاماً مرقتْ من أمامى كالرصاصة الطائشة لا شىء يذكّرنا أننا عشنا سوى طقطقةِ المفاصل : قريباً أكملُ السادسة والخمسين من العمر يا أمى أظنك لا تعرفين سنى لأن عدّاد الأم، قلبها يحسب عُمر...
كان لى حمارٌ أبيض طفلٌ مثلى سليمُ القلب كنا صديقين فعلاً طفلين يمشيان بأيدٍ متشابكة، أثناء المشاوير أُمسكُ بلجامه، ويُمسك بلجامى نمشى كأننا قطعنا وعداً صامتاً كأى حبيبين، على العيش معاً، حتى آخر العمر لكنه خاننى ذات مرة، ورفس طفولتى : حين تُرخى الحبلَ من يدك حين يتحرر الحبلُ من الأصابع تفقد...
تعرف نفسَك عند المفاجأة عند الصدمةِ الأولى تعرف كم يبلغُ رصيدُك من الدهشة تعرف الأشياءَ التى تدرّبتَ على ألا تباغتك، كالموت لكنها تباغتك، من جديد كأنها تحدث للمرة الأولى : اليوم هنأتُ صديقاً على الفيس بعيد ميلاده، لكنّ ابنته ردتْ أنه مات كم شعرتُ بالحرج، كأننى أنا الذى قبضتُ روحه كنت سأعتذر،...
كل ما يحدثُ مؤلم فلماذا أحدّقُ فى كل شىءٍ بقلبى ،، مع كل طفلٍ يموتُ، بالجوع أو بقنبلة مع كل سوطٍ يتلقاه حمارٌ، لأنه يريد أن يستريح قليلاً أثناء السير مع كل طلعة شمس لا تعرف ما الجزء الذى يموت من العالم ،، بقيتْ أجزاءٌ قليلة منى يا رب لماذا خقلتَ الألم أنا بحاجةٍ إلى معجزةٍ تخلصنى منى إلى واحدٍ...
كان يجرى وراء الكتب، كأنه يطاردُ المستقبل يريد أن يُمسكه من ذيله أن يأتى به لأمه قبل أوانه : تعبتْ أمى كثيراً والشِعرُ لا يشفى الغليل تظل تطارد أمك من قصيدة إلى أخرى عسى أن تكتبها دفعة واحدة قى قصيدة تكفى لتفخيخ العالم لتغيير الأقدار كم أودّ أن تعيش أمى حياة أخرى قبل أن تموت لا أثرَ فيها للتعب...
الأقدامُ ذاكرة أمّ قريبة تُولدُ الخطوةُ من قدميك تُولدُ أنت ما دمتَ تمشى يولدُ من قدميك الطريق ،، أمشى، فى القاهرة، كمن يمشى بداخله لا أريدُ للطريق أن ينتهى، رغم التعب فى كل خطوةٍ أعرف نفسى، حتى فى هذه السّن أعرفُ ماذا أريد ماذا تقولُ لى القاهرة بداخلى زحمة أكبرُ من زحمتها أدخنتى أكثر لكننى...
بعد أن يرتدّ إليك بصرُك بعد أن تُجرى جراحةً لتصحيح النظر بعد أن يزرعَ الأطباءُ عدسةً فى كلّ عين بعد أن ترى بوضوح تعرف أنك شخصٌ محظوظٌ، حتى فى ابتلاءاته : فعلاً.. لكى تجد شيئاً عليك، أولاً أن تفقده ،، الابتلاءاتُ تصلُ بك إلى نفسك من طرقٍ وعرة لم يخبرنا أحد بعدُ كيف وصل لا أحد يعرف كيف ينجو ،،...
لا تحاول أن تستعيد حباً قديماً النفخُ فى الرماد يُعشى العين حاولتُ أكثرَ من مرةٍ لكنه لم يتقد : لا دورَ للرماد سوى أنه يذكّرك بماضيه ،، كانت "إيمان " مدفأتى قطعَ الخشب وإصبعى هو عودُ الثقاب : حين نشعرُ بالدفء حين نقدحُ الأجسادَ ببعضها، كحجرين تندلع الشرارة ،، حين تنتشلك إحداهن من الأنقاض...
حين ينكسرُ لك شىء أو يضيعُ منك لا تنكسر معه للأشياء أجلٌ لا تستقدم عنه ساعة، ولا تستأخر غير أن ما يفطر قلبك مرتين أن يكون لك دورٌ فى ضياع أشيائك : منذ الطفولة تذهب نفسى حسراتٍ على أشيائى تأتى الأشياءُ ثم تصبح ذكرى قبل أن نفرح بها أحياناً آه كم تملكُ اليد وكم تفقد ،، أمس كان علىّ أن أستخلص...
تنتظرك إحداهن، لتكتب عنها قصيدة تنتظرها أنت، لتقع فى حبّك تباً للانتظارِ للكلماتِ التى نخبئها تحت الجلد وتصبح، مع الوقت، أوراماً خبيثة تبا لى، لأن حبى مؤقت.. لكل فصلٍ حبّ، كالملابس تباً لقلبى أنا لا أحترم قلبى تباً للمخاوف التى نربّيها بداخلنا منذ الطفولة المخاوف التى تتبنى قلوبنا وهى غضة...
تستطيع أن تعثرَ على جدّك فى الزحمة رغم قامته القصيرة تستطيع أن تميّزَه وهو يؤذّن بصوتٍ رفيع منغّم يشبه البكاء تستطيع أن تعرف، رغم طفولتك أنه حين يقول: الله أكبر فهو يعنى أنه فقير وأن "حىّ على الصلاة " ليست أكثر من وسيلةٍ لتقريع القرية التى لا تأبه لحاله القريةِ التى تستعطف السماء، مثل جدى...

هذا الملف

نصوص
39
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى