الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي - هل الإبداع يُحاكم بالانتماء؟ أم أن الذاكرة أوسع من السياسة؟ هل نُقصي المختلف؟ أم نُنصف الإبداع؟ وصف الرائد الصحفي.

هل الإبداع يُحاكم بالانتماء؟ أم أن الذاكرة أوسع من السياسة؟
هل نُقصي المختلف؟ أم نُنصف الإبداع؟

وصف الرائد الصحفي ليث الحمداني هذه الموسوعة بأنها «جبهة للمثقفين العراقيين»،


جوابي
###@
عبارة أعتز بها، لا لأنها تمنح الموسوعة صفة سياسية، وإنما لأنها تلخص فكرتها الأساسية: أن الثقافة العراقية، بكل تنوعها واختلافاتها، تستحق أن تُجمع في مساحة واحدة، وأن يُنظر إليها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية لا بوصفها سجلاً للانتماءات السياسية.
وقد أثار هذا الأمر، بطبيعة الحال، بعض الاعتراضات؛ إذ يرى بعض الأصدقاء أن نشر سيرة هذا المثقف أو ذاك قد يكون موضع تحفظ، لأن صاحبها كان ذا انتماء سياسي مختلف، أو اتخذ موقفًا لا ينسجم مع مواقفنا، أو عمل في مرحلة سياسية معينة، أو حتى تعاون مع سلطة الاحتلال بعد عام 2003. وهذه اعتراضات مفهومة من الناحية الوطنية والعاطفية، خصوصًا في تاريخ عراقي مثقل بالصراعات والانقسامات والاحتلالات. لكنني أعتقد أن الموسوعة الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة سياسية، ولا إلى سجل لتصفية الحسابات مع الماضي.
إن مهمة الموسوعة ليست أن تقول إن هذا الشخص كان على حق دائمًا، أو إن ذاك كان على خطأ دائمًا؛ وليست مهمتها أن تمنح أحدًا براءة سياسية أو شهادة وطنية. مهمتها، قبل كل شيء، أن توثق وتضيء وتضع الشخصية في سياقها التاريخي والثقافي.
فإذا كان شخص ما شاعرًا أو صحفيًا أو فنانًا أو أديبًا أو مفكرًا وترك أثرًا حقيقيًا في الحياة العراقية، فإن تجاهل هذا الأثر لمجرد اختلافنا مع مواقفه السياسية يعني أننا لا نوثق التاريخ، بل نعيد كتابته وفق أهوائنا.
لقد علّمتنا الثقافة أن الإنسان أكثر تعقيدًا من موقف سياسي واحد. قد يختلف الشاعر معك في السياسة، لكنك لا تستطيع أن تمحو قصيدته من تاريخ الشعر.
وقد يكون الصحفي قد اتخذ موقفًا لا يعجبك، لكن ذلك لا يلغي ما قدمه للصحافة. وقد يختلف الفنان معك فكريًا، لكن لو كان عمله قد ترك أثرًا في المسرح أو السينما أو التشكيل، فإن هذا الأثر أصبح جزءًا من تاريخ الثقافة العراقية، شاءت مواقفنا أم لم تشأ.
الإبداع لا يحمل بطاقة حزب، ولا يدخل المكتبة بجواز سفر سياسي. القصيدة الجيدة لا تسأل شاعرها إلى أي جهة كان ينتمي، واللوحة لا تسأل رسامها لمن كان يصوت، والكتاب لا يطلب من مؤلفه شهادة حسن سلوك سياسي قبل أن يدخل الذاكرة.
إن قيمة العمل الإبداعي تُقاس بما أضافه إلى الثقافة، وبقدرته على البقاء والتأثير، لا بمجرد موقع صاحبه في خريطة الصراعات السياسية.وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: التوثيق والتبرير.
عندما أكتب عن شخصية شاركت في حدث سياسي مثير للجدل، أو تعاونت مع جهة احتلال، فأنا لا أبرر موقفها ولا أدافع عنه، وإنما أوثق حضورها ودورها كما وقع في التاريخ. وإذا كان لذلك الموقف أثر في مسيرتها أو في تقييم تجربتها، فمن حق القارئ أن يعرفه، بل من واجبي أن أذكره بوضوح وموضوعية. لكن ذكر الموقف شيء، وتحويل الموسوعة إلى محكمة لإصدار الأحكام شيء آخر.
كما أن حذف الشخصيات المختلف عليها قد يقودنا إلى نتيجة أخطر: أن نصنع تاريخًا ثقافيًا نظيفًا أكثر مما كان عليه التاريخ الحقيقي. وهذا ليس توثيقًا، بل انتقاء. فالتاريخ، في النهاية، ليس مجموعة من الشخصيات التي نتفق معها فقط؛ إنه أيضًا الشخصيات التي اختلفنا معها، والتي ساهمت، بقصد أو بغير قصد، في تشكيل المشهد الذي نعيش نتائجه اليوم.
ولذلك فإن «النهر الثالث» لا يريد أن يكون نهرًا بلون سياسي واحد. العراق نفسه لم يكن يومًا لونًا واحدًا؛ كان فيه اليساري والقومي والليبرالي والإسلامي والمستقل، وكان فيه من اقترب من السلطة ومن ابتعد عنها، ومن عارض ومن صمت ومن تعاون، وكان فيه المهاجر والمنفي والسجين والموظف والفنان والصحفي والأستاذ. وكل هؤلاء، بدرجات مختلفة، مروا في فضاء الثقافة العراقية وتركوا فيه شيئًا.
أنا لا أكتب عن الشخص لأنني أتفق معه، وإنما لأنني أعتقد أن من حق الذاكرة العراقية أن تعرفه.
وهذه هي القاعدة التي أريد أن تحكم الموسوعة: لا قداسة سياسية لأحد، ولا إلغاء ثقافي لأحد. من كانت له قيمة إبداعية أو فكرية أو صحفية أو فنية، فليأخذ مكانه، ومن كانت له مواقف سياسية مثيرة للجدل فلتُذكر كما هي، بلا تزويق ولا تشهير. أما الحكم النهائي، فيبقى للتاريخ وللقارئ.
فالموسوعة ليست منصة لتوزيع صكوك الوطنية، ولا دفترًا لتسجيل الخيانات، وإنما بيت واسع للذاكرة العراقية. وفي البيت الواسع يمكن أن تجلس شخصيات اختلفت في السياسة، لكنها اجتمعت، ولو من بعيد، في خدمة الثقافة.
وفي النهاية، أؤمن بأن الوطن أكبر من الحزب، والثقافة أوسع من الموقف، والإبداع أبقى من السلطة، والذاكرة أكثر عدلًا من الخصومة. وما يبقى من المثقف بعد أن تسقط الحكومات وتختفي الشعارات وتبرد المعارك، هو ما تركه من كلمة أو فكرة أو قصيدة أو لوحة أو كتاب.
أما السياسة فتتغير كل يوم، أما الإبداع الحقيقي فيبقى شاهدًا على الجميع.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...