فاتن صبحي حين تصبح الشظايا هوية: قراءة في قصة "فلسفة البنطلون المُقطع" للأديب/ أحمد محمد عبده

هل يمكن تفكيك الإنسان إلى أجزاء ثم إعادة تركيبه دون أن يفقد شيئًا من حقيقته؟ هذا السؤال يبدو المدخل الأقرب إلى قصة "فلسفة البنطلون المُقطع" للأديب/ أحمد محمد عبده التي تختار العبث طريقًا للاقتراب من معنى الهوية ليس بوصفها اسمًا ورقمًا وصورة وإنما بوصفها شيئًا أكثر تعقيدًا من أن تجمعه قصاصات متفرقة.
من البداية يضع الكاتب بطاقة الهوية تحت المقص ثم يحاول ترتيبها بعد تفكيكها. يقول: راح يرص حروف اسمه الرباعي بجوار بعضها، ويجمع تقاطيع وجهه، وبالتالي، وضمنيًا، وبالتبعية، سوف تُرص وتتجاور الأرقام الأربعة عشر". تتحول الهوية هنا من وثيقة أثبات الشخصية إلى مجموعة من القطع التي يمكن فصلها وخلطها وإعادة ترتيبها. وتأتي لغة القياس الدقيقة مثل "نصف سم × نصف سم" و"كل ربع ربما يحمل حرفًا واحدًا من اسمه" لتمنح هذا العبث منطقه الخاص فالإنسان يُعامل كما لو كان مادة هندسية قابلة للقياس. وهذه التفاصيل لا تأتي منفصلة عن الفكرة وإنما تشارك في بناء عالم عبثي تحكمه محاولة إخضاع الإنسان للقياس والتقسيم.
ثم ينتقل التفكيك إلى المخ: "عكف على تقسيم صورة أشعة مقطعية لمخه" ويُطلب منه أن يجمع "فصوص مخه وهضابه ومجاريه". هنا يتسع السؤال فلم تعد القضية متعلقة بما يثبت شخصية الإنسان أمام الآخرين وإنما بما يشكل وعيه من الداخل. وتبدو المفارقة أشد وضوحًا: صورة المخ يمكن تقسيمها إلى مربعات لكن العقل الذي تقطعه الصورة لا يمكن استعادته بهذه الطريقة. لذلك يأتي الفشل مرة أخرى في عبارة مكثفة: " أعلن فشله، بعد أن قطع هويته، ثم قطّع فصوص مخه!" وكأن القصة تضع حدودًا بين الإنسان وبين الأشياء التي تستخدم لتعريفه أو تفسيره.
ومن هنا يتدرج التقطيع من الوثيقة إلى العقل ثم يصل إلى الجسد. وهذا التدرج هو أحد أهم عناصر بناء القصة فالكاتب لا يكرر الفكرة نفسها وإنما يدفعها في كل مرة إلى مستوى أكثر قربًا من الإنسان. فإذا كانت الهوية تختزل وجوده أمام الآخرين والمخ يرتبط بعالمه الداخلي فإن الجسد هو المساحة التي لا يمكن فصلها عن تجربته الحية.
بعد فشل التجربتين ينتقل الرجل إلى النهر فيتغير إيقاع النص. " راح يتأمل وجهه بين ثنايا رقرقة الماء" لكن " شبورة سيجارته حجبت عنه رؤية وجهه". الصورة هنا تحمل دلالة تتجاوز المشهد فالرجل الذي فقد صورته الرسمية" ثم عُبث بصورته العقلية لا يستطيع حتى أن يمسك بانعكاس وجهه على الماء. الصورة نفسها أصبحت مراوغة كما أصبحت هويته.
ثم يبدأ في إحراق "فتافيت شخصيته، وفتافيت من مركز إدارة كيانه". وهذه من أكثر صور القصة قسوة لأنه لا يكتفي بما حدث له بل يشارك بنفسه في إحراق ما تبقى منه. ومع النار تتآكل خيوط البنطلون حتى "فصارت القطرات الملتهبة تنزل على جلده مباشرة". عند هذه النقطة يتحول التفكيك من فكرة إلى أثر جسدي وتصبح الملابس السطح الأخير الذي يحمل آثار ما جرى.
وهنا يكتسب البنطلون مكانته في البناء. فبعد أن بدأت القصة بالهوية الورقية وانشغلت بالمخ تنتهي إلى أثر على الجسد. والبنطلون الذي كان يفترض أن يستر الجسد يصبح بعد احتراقه وتقطعه وسيلة لكشفه. ومن هذه المفارقة ينشأ اللقاء المتخيل بالمرأة التي "قطعت هويتها ومخها هي الأخرى". لا يتعرف إليها من اسم أو صورة وإنما من آثار التمزق التي تحملها. ولذلك تأتي عبارة "والضد يُظهر الضد، والأقطاب المختلفة تتجاذب!" محملة بسخرية واضحة فالانجذاب هنا لا يقوم على معرفة الآخر بل على تشابه ما أصابه.
ثم يدخل الشرطي إلى المشهد ليعيد القصة إلى سؤال الهوية. يطلب من الرجل والمرأة الاطلاع على هويتيهما لكن المفارقة أن العلامة الرسمية لم تعد هي التي تمنحهما الاعتراف. يفحص البقع المقطعة على فخذ الفتاة ثم يفعل الأمر نفسه مع الشاب قبل أن "يهز رأسه هزة من تأكد وتحقق من شخصيتهما". هنا تبلغ السخرية قوتها فالشرطي الذي يبحث عن دليل يثبت الشخصية يجد دليله في أثر نتج عن عملية التقطيع. يتحول الحرق إلى وثيقة ويصبح البنطلون المقطع بطاقة هوية بديلة.
وهذه النهاية هي التي تمنح العنوان دلالته. "فلسفة البنطلون المُقطَّع" ليس عنوانًا ساخرًا لغرابته وإنما يلخص المفارقة التي بنت عليها القصة عالمها كله. الشيء الهامشي يصبح علامة والأثر العارض يتحول إلى وسيلة للتعرف بينما تفقد العلامات التي يفترض أنها أكثر توثيقًا قدرتها على أداء وظيفتها.
وتكمن خصوصية القصة في قدرتها على تحويل فعل واحد هو التقطيع إلى مسار دلالي متدرج يبدأ بالهوية ثم يصل إلى العقل وينتهي بالجسد. ومع كل انتقال تتراجع قيمة العلامات التي نظن أنها تعرف الإنسان بينما تبرز آثار التجربة نفسها بوصفها علامات بديلة. كما أن النهاية تعيد القارئ إلى نقطة البداية بطريقة ساخرة فتغلق الدائرة دون أن تقدم إجابة مباشرة.
في النهاية لا تقدم القصة الإنسان بوصفه اسمًا أو رقمًا أو صورة، وإنما تضع هذه الأشياء كلها موضع الشك. فالرجل يبدأ بمحاولة إعادة ترتيب حروف اسمه وأرقامه وينتهي بأن تصبح آثار التمزق على جسده هي العلامة التي يتعرف بها الآخرون عليه. وبين البداية والنهاية يتبدل معنى الهوية نفسها من شيء تمنحه الأوراق إلى أثر تصنعه التجربة. وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في القصة: حين تتبعثر الشظايا لا يعود السؤال كيف نعيد ترتيبها وإنما أيها كان يمثل الإنسان أصلًا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...