المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة السادسة
عندما أصبح للشتات بيت
-
كان الفلسطيني يستطيع أن يكون في مخيم في لبنان... وأخوه في عمّان. وأخته في الكويت. وابن عمه في غزة. وقريب له بقي في حيفا.
تفصل بينهم حدود. وجوازات سفر مختلفة. وأنظمة مختلفة. وتجارب حياة لم تعد تشبه بعضها. لكن شيئًا جديدًا بدأ يجمعهم. اسم واحد أصبح يتردد في كل مكان: منظمة التحرير الفلسطينية.
لم تكن وطنًا. ولم تكن دولة. ولم تستطع أن تعيد البيت الذي أُغلق بابه سنة 1948. لكنها بدأت تصبح شيئًا لم يعرفه الفلسطيني منذ النكبة... بيتًا سياسيًا يستطيع، من خلاله، أن يقول: أنا هنا.
في الحلقة الماضية، رأينا المجتمع يصنع مقاومته. رأينا كيف هزمت حرب حزيران 1967 الجيوش العربية، فسقط معها، في الوعي الفلسطيني، رهان طويل على أن يأتي التحرير من خارج الفعل الفلسطيني نفسه.
ثم جاءت الكرامة عام 1968.
هناك، قاتل الفدائي الفلسطيني إلى جانب الجيش الأردني، وفي مشهد معاكس لمشهد الهزيمة، رأى الفلسطيني أن جيش الاحتلال يمكن أن يتراجع أمام مقاومة تقاتل.
وبين هزيمة الجيوش في حزيران... وصمود المقاتلين في الكرامة... حدث التحول الكبير.
لم يعد الفلسطيني ينتظر من يقاتل عنه. بدأ يرى نفسه طرفًا في صناعة مصيره. ومن هنا صعدت شرعية المقاومة التي خرجت من المجتمع، ثم حمل المجتمع هذه الشرعية معه إلى منظمة التحرير، وأعاد تشكيلها من الداخل.
وتحت سقف واحد... اجتمع المجتمع والمقاومة والقيادة.
لكن دخول البيت لا يعني أن الحكاية انتهت. بل يعني أن سؤالًا جديدًا بدأ: كيف يعيش شعب كامل داخل بيت لا يملك أرضًا يقيم عليها؟
في تلك السنوات، لم تكن منظمة التحرير مجرد اسم في بيان. كان الفلسطيني يراها في المدرسة، وفي اتحاد الطلبة، وفي اتحاد العمال، وفي اتحاد المرأة، وفي النقابة. يراها في الكاتب والصحفي، وفي الطبيب والمعلم، وفي الفنان والمقاتل. ويراها في الطالب الذي يسافر إلى مؤتمر في بلد بعيد، فيحمل بطاقة اتحاد فلسطيني ويشعر، للحظة، أن وراء اسمه وطنًا كاملًا.
شيئًا فشيئًا، بدأ الفلسطيني الذي أعاد بناء مجتمعه في المنافي يعيد جمع أجزائه تحت سقف أوسع. لم تعد المنظمة لجنة تنفيذية فقط، ولم تعد مجموعة فصائل فقط. كانت تتشكل حولها شبكة واسعة من المؤسسات والاتحادات والهيئات، تجعل الفلسطيني، أينما كان، يشعر أن له مكانًا داخل حياة وطنية واحدة.
لم تكن منظمة التحرير تجمع الفلسطينيين في مكان واحد، فذلك كان مستحيلًا. كانت تفعل شيئًا آخر، ربما كان أكثر أهمية: كانت تجعل الفلسطينيين، وهم يعيشون في أماكن مختلفة، يشعرون أنهم يتحركون داخل حياة وطنية واحدة.
وكأن المجتمع الذي تفرّق جغرافيًا... كان يصنع لنفسه جغرافيا سياسية.
لكن تلك الجغرافيا لم تكن لها أرض.
وهنا كانت المفارقة. كان الفلسطيني يبني مؤسسة وطنية فوق أرض ليست أرضه. يحمل بندقيته في دولة لها جيشها، ويؤسس اتحاده في دولة لها قوانينها، ويعقد مجلسه الوطني في عاصمة عربية، ويفتح مكتبًا في عاصمة أوروبية، ثم يقول، وسط كل ذلك: قراري فلسطيني.
كان ذلك ممكنًا... لكنه لم يكن سهلًا.
فالبيت الفلسطيني الذي بدأ يكبر كان قائمًا داخل بيوت الآخرين. وكان السؤال الذي سيلاحق الثورة طويلًا قد بدأ يظهر: كيف يمارس شعب بلا دولة قراره الوطني فوق أرض دولة أخرى؟
في الأردن، ظهر السؤال مبكرًا. كبرت المقاومة، وأصبحت لها قواعد ومكاتب ومقاتلون وحضور في الشارع. وأصبح الفلسطيني يشعر، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن له قوة يستطيع أن يراها.
لكن الدولة الأردنية كانت ترى المشهد من زاوية أخرى: سلاح يتحرك داخل حدودها، وقوة تكبر داخل سلطتها، وقرار لا يصدر دائمًا منها.
وفي أيلول 1970... لم تعد الخلافات سياسية. أصبحت دبابات وشوارع ودمًا. وقاتل فلسطينيون وأردنيون بعضهم بعضًا في واحدة من أكثر صفحات التجربة مرارة.
وهنا اكتشف الفلسطيني أن امتلاك قيادة، وسلاح، وبيت وطني، لا يحل وحده معضلة شعب يقيم مشروعه الوطني فوق أرض دولة أخرى.
وبحلول صيف 1971، كان الوجود العسكري الفلسطيني المنظم قد انتهى في الأردن. حملت القيادة حقائبها، وانتقلت المؤسسات، وانتقل المقاتلون.
لكنهم لم يكونوا هذه المرة لاجئين يخرجون بحثًا عن خيمة. كانوا يحملون معهم منظمة، ومجلسًا وطنيًا، وفصائل، واتحادات، ومؤسسات، وذاكرة سياسية كاملة.
انتقل المكان... لكن البيت السياسي انتقل معه.
وكانت المحطة الجديدة: لبنان.
هناك بدأ البيت يكبر أكثر. المخيمات موجودة، والمقاومة أكثر حضورًا، وبيروت تتحول تدريجيًا إلى مركز سياسي وثقافي وإعلامي فلسطيني.
صحف ومجلات. مراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية. سينما ومسرح وفن تشكيلي. اتحادات شعبية ومهنية. ومكاتب تمثيل في الخارج.
لم تعد الثورة بندقية فقط. كانت تتحول إلى حياة وطنية كاملة تقريبًا. المقاتل يحمل سلاحه، والكاتب قلمه، والمصور كاميرته، والطالب يحمل قضيته إلى الجامعة، والمرأة تدخل مؤسساتها واتحاداتها، والعامل يجد إطارًا يعبر عنه.
وكأن الشعب الذي حُرم من دولته... بدأ يبني بعض وظائف الدولة قبل أن يمتلك أرضها.
وكان لهذا البناء اقتصاد أيضًا.
فالمنظمة التي اتسعت مؤسساتها لم تعد تعيش على تبرعات متفرقة. تدفقت إليها موارد عربية كبيرة: مساهمات أقرتها القمم العربية، ودعم مباشر من دول عربية، واقتطاعات من رواتب فلسطينيين عاملين في بعض دول الخليج، فضلًا عن المساعدات التي كانت تصل إلى المنظمة وفصائلها.
كان المال ضروريًا. به دُفعت رواتب المقاتلين، وأُنشئت المؤسسات، ومُوّلت المدارس والمستشفيات ومراكز الأبحاث والإعلام والثقافة، وأُعيلت أسر الشهداء والأسرى، واتسعت قدرة الثورة على العمل في المخيمات والعواصم.
لكن المال، مثل القوة، لا يدخل إلى الثورة بلا أثر.
فحين يصبح للثورة راتب، يظهر من يأتي إليها لأنه يؤمن بها... ويظهر أيضًا من يراها مكانًا للرزق. وحين تتعدد الفصائل ومصادر التمويل، تظهر حول الثورة حياة أخرى لم تكن موجودة في البدايات.
وصل الأمر، في بعض البيئات، إلى أن يبحث البعض عن أكثر من إطار وأكثر من راتب. لم يكن ذلك هو المجتمع الفلسطيني كله، ولا كان هو صورة الثورة كلها. لكنه كان جرسًا مبكرًا.
فالمال الذي يبني المؤسسة... يستطيع أيضًا أن يبدأ بتغييرها.
وهنا ظهر سؤال لم يكن مطروحًا عندما كان الفدائي يحمل بندقيته ويمضي إلى المعركة بلا راتب تقريبًا: ماذا يحدث للثورة عندما تصبح مؤسسة يعيش منها آلاف البشر؟
لكن بيروت لم تكن فلسطين كلها.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان جزء آخر من المجتمع الفلسطيني يعيش يومه تحت الاحتلال، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي فلسطين التي بقي أهلها فيها منذ عام 1948.
تجربتهم مختلفة. ليس لديهم معسكر فدائي في بيروت، ولا مكتب تمثيل في عاصمة عربية. أمامهم الجندي، والمعتقل، والأرض المصادرة، والجامعة، والبلدية، والنقابة، والسجن.
وكان هناك سؤال آخر يولد داخل هذا الجزء من المجتمع: كيف يكون الفلسطيني جزءًا من حركة وطنية قيادتها في الخارج، بينما الاحتلال يقف أمام بيته كل صباح؟
لم يكن الخيط مقطوعًا. كانت الصلات الأولى تمتد إلى الطلبة والأسرى والنقابيين والشخصيات الوطنية والبلديات والقوى الاجتماعية والسياسية.
كانت بيروت تمد يدًا... ويأتيها الرد من نابلس، وغزة، ورام الله، والقدس، والجليل.
لم تكن هذه العلاقة قد أخذت بعد كل الأشكال التي ستأخذها لاحقًا. لكن البذرة كانت موجودة. وكانت القيادة تدرك، شيئًا فشيئًا، أن الثورة لا يمكن أن تبقى على الحدود... بينما مجتمعها يعيش تحت الاحتلال.
وفي الاتجاه الآخر، كانت اليد الفلسطينية تمتد إلى العالم.
روما. باريس. لندن. بروكسل. وعواصم أخرى.
هناك ظهر وجه آخر للثورة. رجل لا يحمل بندقية، يحمل ملفًا وكتابًا وفكرة. يدخل إلى صحيفة، أو جامعة، أو مكتب نائب، أو حزب، أو نقابة، ويتحدث باسم شعب لا توجد له دولة على الخريطة.
كان هؤلاء ممثلي منظمة التحرير. لكن كلمة «دبلوماسي» وحدها لا تكفي لوصف كثير منهم. كانوا أبناء الحركة الوطنية نفسها. شبابًا، مثقفين، مناضلين. انتقلوا من ساحة إلى أخرى، لكنهم لم يشعروا أنهم غادروا المعركة.
في روما كان وائل زعيتر. وعند مدخل المبنى الذي يسكنه... وصل إليه الرصاص.
وفي باريس كان محمود الهمشري. ووصلت إليه العبوة في شقته عبر الهاتف، فأصابته إصابة قاتلة.
فجأة، لم يعد خط النار يمتد على الحدود وحدها. امتد إلى شوارع أوروبا. إلى البيت. وإلى المكتب.
وإلى الهاتف.
وهنا نرى شيئًا مهمًا في العلاقة بين المجتمع وقيادته في تلك المرحلة.
المجتمع كان يدفع الثمن. لكن القيادة كانت تدفعه أيضًا. المقاتل يُستشهد، والقائد يُلاحق، وممثل فلسطين يُغتال، والكاتب والصحفي والمناضل يعرف أن موقعه داخل الثورة لا يمنحه امتياز النجاة... بل قد يجعله أقرب إلى الخطر.
ولهذا، رغم أن المؤسسة كانت تكبر، لم يكن المجتمع يرى قيادته طبقة منفصلة عنه. كان يرى أبناءه فيها: من خرج من المخيم فأصبح قائدًا، ومن خرج من الجامعة فأصبح ممثلًا لفلسطين، ومن حمل البندقية، ومن حمل القلم، ومن حمل حقيبة دبلوماسية.
كان المجتمع يدفع من دمه... وكانت القيادة تدفع من دمها أيضًا.
وربما كان هذا أحد أهم أسرار الشرعية التي تمتعت بها منظمة التحرير في تلك المرحلة. لم تكن شرعية الشعارات وحدها، ولا شرعية الموقع التنظيمي. كانت هناك وحدة، غير كاملة لكنها حقيقية... في الحلم، وفي الخطر، وفي الثمن.
ثم جاءت حرب تشرين الأول 1973.
عبرت القوات المصرية قناة السويس وحطمت خط بارليف، وخاض الجيش السوري معاركه على جبهة الجولان، وشاركت قوات فلسطينية في الحرب ضمن ساحاتها وإمكاناتها.
لكن الحرب لم تنته بصورة انتصار بسيط يمكن وضعه في جملة واحدة. استعادت سوريا في مراحل الحرب أجزاء من الجولان، ودارت معارك ضارية على جبل الشيخ، فيما تمكن جيش الاحتلال لاحقًا، بدعم أميركي واسع، من استعادة زمام المبادرة وتحقيق اختراق غرب قناة السويس.
ثم توقف القتال... وبدأت السياسة.
وهنا تغير شيء في الإقليم كله.
فالدول العربية التي كانت فلسطين في قلب خطابها بدأت تتحرك أكثر وفق حسابات دولها وحدودها وتسوياتها. وبدأت تتشكل، شيئًا فشيئًا، مسارات ستقود لاحقًا إلى زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس، وخطابه أمام الكنيست، ثم اتفاقيات كامب ديفيد.
لم تكن تلك التطورات تفصيلًا خارجيًا بالنسبة إلى منظمة التحرير. كانت تعني أن البيئة العربية التي تتحرك داخلها الثورة نفسها بدأت تتغير، وأن المنظمة التي سعت إلى استقلال قرارها الوطني ستجد نفسها، مرة بعد مرة، أمام قرارات عربية كبرى لا تصنعها، لكنها تدفع أثمانها.
لكن كل بيت يكبر يحتاج إلى إدارة.
والثورة التي بدأت في الخلايا والمخيمات ومعسكرات الفدائيين أصبحت تحتاج إلى مؤسسات، وموازنات، ومكاتب، وعلاقات عربية ودولية. والقائد الذي كان يمكن أن تجده بين المقاتلين أصبح له مكتب، ومواعيد، ومسؤوليات، وبروتوكول.
لم يكن ذلك، في ذاته، خيانة لروح الثورة. كان من ضرورات نموها.
لكن النمو يغير الأشياء. والمال يغير الأشياء. والقوة تغير الأشياء.
وكل دائرة جديدة حول المؤسسة كانت تطرح السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحًا: هل تستطيع القيادة أن تكبر... وتبقى قريبة بالقدر نفسه؟
وفي الوقت نفسه، لم يعد السؤال فقط: كيف نقاوم؟
ظهر إلى جواره سؤال آخر: كيف نجعل العالم يعترف بأن الفلسطيني ليس لاجئًا ينتظر الإغاثة... بل شعبًا له وطن وحقوق سياسية؟
وهكذا بدأت البندقية تجد إلى جانبها أداة أخرى: الدبلوماسية.
لم يكن الجميع متفقين على معنى هذا التحول. اختلفت الفصائل، واختلفت البرامج، واختلفت قراءة الطريق.
هل تبقى فلسطين كلها الهدف المباشر؟ هل يمكن إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض يتم تحريره؟ هل السياسة طريق آخر إلى فلسطين؟ أم أنها قد تبدأ، شيئًا فشيئًا، في تغيير الطريق نفسه؟
لم تكن الخلافات هامشية. كانت خلافات حول معنى المشروع الوطني.
لكن ما كان لافتًا أن الخلاف ظل، في معظمه، داخل البيت. كان الفلسطينيون يختلفون بشدة... لكنهم ما زالوا يرون أن لديهم إطارًا واحدًا يستطيع أن يحتمل هذا الاختلاف.
ثم جاء عام 1974.
في حزيران، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامجًا سياسيًا جديدًا فتح الباب أمام إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره.
واختلف الفلسطينيون حوله.
بعضهم رأى فيه قدرة على الجمع بين المقاومة والسياسة، وبعضهم رأى فيه بداية طريق قد يبتعد عن مشروع التحرير الكامل. وظهرت جبهة الرفض.
لكن بينما كان الفلسطينيون يتجادلون داخل بيتهم... كان العالم العربي يستعد للاعتراف بهذا البيت.
في تشرين الأول من العام نفسه، اجتمع القادة العرب في الرباط. وهناك حدث شيء كان من الصعب تخيله قبل عشر سنوات فقط: اعترفت القمة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
تأملوا المشهد.
في البداية، ساهم النظام العربي في إنشاء الإطار. وبعد عشر سنوات، عاد الفلسطيني إلى النظام العربي بإطار أعاد هو تشكيله. ملأه بفصائله، ومقاومته، ومؤسساته، واتحاداته، وشهدائه.
ثم قال: هذا هو بيتنا.
لكن الصورة لم تكتمل في الرباط.
بعد أسابيع... انتقلت الكاميرا إلى نيويورك.
الثالث عشر من تشرين الثاني 1974.
قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة. الأبواب تفتح. يدخل ياسر عرفات.
ليس رئيس دولة. ولا رئيس حكومة. بل رئيس منظمة شعب لا تزال دولته غائبة عن الخريطة.
لكن المشهد كان أكبر من الرجل.
خلفه كانت الخيام والمخيمات. والفدائيون والطلبة والعمال والأسرى والنساء. والكتّاب والمثقفون. وممثلو فلسطين في عواصم العالم. والفلسطينيون الذين بقوا داخل وطنهم.
وكل ذلك المجتمع الذي أمضى ربع قرن تقريبًا يحاول أن يجمع نفسه من جديد.
الآن... كان يدخل الأمم المتحدة.
لم يدخل بجواز دولة.
دخل باسم فلسطين.
وبعد أيام، أكدت الجمعية العامة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، ومنحت منظمة التحرير صفة مراقب.
وهنا تغير شيء آخر في معنى الشرعية.
في الحلقة الخامسة رأينا المجتمع يمنح المقاومة شرعيتها. أما الآن، فالمجتمع الذي أعاد تشكيل منظمة التحرير بدأ يرى العالم يعترف بالمؤسسة التي اختارها لتمثله.
لكن الفرق مهم.
الاعتراف الدولي لا يصنع الشرعية. إنه يعترف بها.
فالمنظمة لم تصبح ممثلة للفلسطينيين لأن القمة العربية قالت ذلك، ولا لأن الأمم المتحدة فتحت لها الباب.
استطاعت أن تدخل تلك الأبواب... لأن المجتمع الفلسطيني كان قد دخل إليها قبل ذلك.
وهنا تكتمل دائرة بدأت منذ الحلقات الأولى.
عام 1936... سبق المجتمع القيادة.
وبعد النكبة... أعاد المجتمع إنتاج نفسه.
وبعد 1967... صنع مقاومته.
ثم دخل، عبر مقاومته وقواه، إلى منظمة التحرير وأعاد تشكيلها. وبدأت خيوطه تمتد منها إلى الداخل. وحمل ممثلوه اسم فلسطين إلى عواصم العالم. ودفع المجتمع والقيادة معًا أثمان هذه الرحلة.
وفي عام 1974... بدأ العالم يعترف بما كان الفلسطينيون قد صنعوه.
لكن النجاح لا يوقف الأسئلة.
أحيانًا... النجاح هو الذي يصنع أخطرها.
فالبيت الذي بدأ صغيرًا كان يكبر. تكبر مؤسساته، وتكبر موارده، وتكبر علاقاته، ويكبر سلاحه، ويكبر عدد الذين يعيشون داخله... ومنه.
ولم تكن المسافة قد أصبحت قطيعة.
كان المجتمع ما يزال يرى أبناءه في القيادة. وكانت القيادة ما تزال تدفع معه ثمن الثورة. وكان الفلسطيني، في الداخل والخارج، لا يزال يرى في منظمة التحرير بيته السياسي الأوسع.
لكن شيئًا جديدًا كان يولد داخل النجاح نفسه: قوة المؤسسة.
والاختبار الحقيقي لهذه القوة لم يكن قد بدأ بعد.
فالبيت الذي أصبح للفلسطينيين... لم يكن مقامًا على أرضهم.
وكانت المحطة التالية: لبنان.
هناك سيكبر البيت إلى حجم لم يعرفه الفلسطيني من قبل. وستكبر معه المؤسسات، والمال، والسلاح، والنفوذ، والتحالفات، والعلاقات الدولية.
وستتحول بيروت إلى عاصمة غير معلنة لفلسطين، وإلى منارة للثقافة الوطنية الفلسطينية، وإلى فضاء يقصده الثوريون والمثقفون والمعارضون العرب... وتدخل إليه، في الوقت نفسه، أجهزة استخبارات المنطقة والعالم.
وهناك أيضًا سيتدفق إلى الثورة آلاف الشبان والمتطوعين والطلبة والأطباء والمهندسين والمثقفين، حاملين صورة أخرى لعلاقة المجتمع ببيته الوطني.
لكن كلما ازدادت قوة هذا البيت، أصبح السؤال الذي ينتظره أكثر خطورة:
ماذا يحدث عندما تكبر قوة البيت الوطني فوق أرض ليست أرضه؟
وهل تستطيع القيادة أن تدير المال والسلاح والنفوذ والتحالفات، من دون أن تغيّر هذه القوة نفسها علاقتها بالمجتمع الذي منحها الشرعية؟
ذلك هو سؤال الحلقة السابعة.
يحيى بركات
22/8/2026
يُتبع...
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة السادسة
عندما أصبح للشتات بيت
-
كان الفلسطيني يستطيع أن يكون في مخيم في لبنان... وأخوه في عمّان. وأخته في الكويت. وابن عمه في غزة. وقريب له بقي في حيفا.
تفصل بينهم حدود. وجوازات سفر مختلفة. وأنظمة مختلفة. وتجارب حياة لم تعد تشبه بعضها. لكن شيئًا جديدًا بدأ يجمعهم. اسم واحد أصبح يتردد في كل مكان: منظمة التحرير الفلسطينية.
لم تكن وطنًا. ولم تكن دولة. ولم تستطع أن تعيد البيت الذي أُغلق بابه سنة 1948. لكنها بدأت تصبح شيئًا لم يعرفه الفلسطيني منذ النكبة... بيتًا سياسيًا يستطيع، من خلاله، أن يقول: أنا هنا.
في الحلقة الماضية، رأينا المجتمع يصنع مقاومته. رأينا كيف هزمت حرب حزيران 1967 الجيوش العربية، فسقط معها، في الوعي الفلسطيني، رهان طويل على أن يأتي التحرير من خارج الفعل الفلسطيني نفسه.
ثم جاءت الكرامة عام 1968.
هناك، قاتل الفدائي الفلسطيني إلى جانب الجيش الأردني، وفي مشهد معاكس لمشهد الهزيمة، رأى الفلسطيني أن جيش الاحتلال يمكن أن يتراجع أمام مقاومة تقاتل.
وبين هزيمة الجيوش في حزيران... وصمود المقاتلين في الكرامة... حدث التحول الكبير.
لم يعد الفلسطيني ينتظر من يقاتل عنه. بدأ يرى نفسه طرفًا في صناعة مصيره. ومن هنا صعدت شرعية المقاومة التي خرجت من المجتمع، ثم حمل المجتمع هذه الشرعية معه إلى منظمة التحرير، وأعاد تشكيلها من الداخل.
وتحت سقف واحد... اجتمع المجتمع والمقاومة والقيادة.
لكن دخول البيت لا يعني أن الحكاية انتهت. بل يعني أن سؤالًا جديدًا بدأ: كيف يعيش شعب كامل داخل بيت لا يملك أرضًا يقيم عليها؟
في تلك السنوات، لم تكن منظمة التحرير مجرد اسم في بيان. كان الفلسطيني يراها في المدرسة، وفي اتحاد الطلبة، وفي اتحاد العمال، وفي اتحاد المرأة، وفي النقابة. يراها في الكاتب والصحفي، وفي الطبيب والمعلم، وفي الفنان والمقاتل. ويراها في الطالب الذي يسافر إلى مؤتمر في بلد بعيد، فيحمل بطاقة اتحاد فلسطيني ويشعر، للحظة، أن وراء اسمه وطنًا كاملًا.
شيئًا فشيئًا، بدأ الفلسطيني الذي أعاد بناء مجتمعه في المنافي يعيد جمع أجزائه تحت سقف أوسع. لم تعد المنظمة لجنة تنفيذية فقط، ولم تعد مجموعة فصائل فقط. كانت تتشكل حولها شبكة واسعة من المؤسسات والاتحادات والهيئات، تجعل الفلسطيني، أينما كان، يشعر أن له مكانًا داخل حياة وطنية واحدة.
لم تكن منظمة التحرير تجمع الفلسطينيين في مكان واحد، فذلك كان مستحيلًا. كانت تفعل شيئًا آخر، ربما كان أكثر أهمية: كانت تجعل الفلسطينيين، وهم يعيشون في أماكن مختلفة، يشعرون أنهم يتحركون داخل حياة وطنية واحدة.
وكأن المجتمع الذي تفرّق جغرافيًا... كان يصنع لنفسه جغرافيا سياسية.
لكن تلك الجغرافيا لم تكن لها أرض.
وهنا كانت المفارقة. كان الفلسطيني يبني مؤسسة وطنية فوق أرض ليست أرضه. يحمل بندقيته في دولة لها جيشها، ويؤسس اتحاده في دولة لها قوانينها، ويعقد مجلسه الوطني في عاصمة عربية، ويفتح مكتبًا في عاصمة أوروبية، ثم يقول، وسط كل ذلك: قراري فلسطيني.
كان ذلك ممكنًا... لكنه لم يكن سهلًا.
فالبيت الفلسطيني الذي بدأ يكبر كان قائمًا داخل بيوت الآخرين. وكان السؤال الذي سيلاحق الثورة طويلًا قد بدأ يظهر: كيف يمارس شعب بلا دولة قراره الوطني فوق أرض دولة أخرى؟
في الأردن، ظهر السؤال مبكرًا. كبرت المقاومة، وأصبحت لها قواعد ومكاتب ومقاتلون وحضور في الشارع. وأصبح الفلسطيني يشعر، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن له قوة يستطيع أن يراها.
لكن الدولة الأردنية كانت ترى المشهد من زاوية أخرى: سلاح يتحرك داخل حدودها، وقوة تكبر داخل سلطتها، وقرار لا يصدر دائمًا منها.
وفي أيلول 1970... لم تعد الخلافات سياسية. أصبحت دبابات وشوارع ودمًا. وقاتل فلسطينيون وأردنيون بعضهم بعضًا في واحدة من أكثر صفحات التجربة مرارة.
وهنا اكتشف الفلسطيني أن امتلاك قيادة، وسلاح، وبيت وطني، لا يحل وحده معضلة شعب يقيم مشروعه الوطني فوق أرض دولة أخرى.
وبحلول صيف 1971، كان الوجود العسكري الفلسطيني المنظم قد انتهى في الأردن. حملت القيادة حقائبها، وانتقلت المؤسسات، وانتقل المقاتلون.
لكنهم لم يكونوا هذه المرة لاجئين يخرجون بحثًا عن خيمة. كانوا يحملون معهم منظمة، ومجلسًا وطنيًا، وفصائل، واتحادات، ومؤسسات، وذاكرة سياسية كاملة.
انتقل المكان... لكن البيت السياسي انتقل معه.
وكانت المحطة الجديدة: لبنان.
هناك بدأ البيت يكبر أكثر. المخيمات موجودة، والمقاومة أكثر حضورًا، وبيروت تتحول تدريجيًا إلى مركز سياسي وثقافي وإعلامي فلسطيني.
صحف ومجلات. مراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية. سينما ومسرح وفن تشكيلي. اتحادات شعبية ومهنية. ومكاتب تمثيل في الخارج.
لم تعد الثورة بندقية فقط. كانت تتحول إلى حياة وطنية كاملة تقريبًا. المقاتل يحمل سلاحه، والكاتب قلمه، والمصور كاميرته، والطالب يحمل قضيته إلى الجامعة، والمرأة تدخل مؤسساتها واتحاداتها، والعامل يجد إطارًا يعبر عنه.
وكأن الشعب الذي حُرم من دولته... بدأ يبني بعض وظائف الدولة قبل أن يمتلك أرضها.
وكان لهذا البناء اقتصاد أيضًا.
فالمنظمة التي اتسعت مؤسساتها لم تعد تعيش على تبرعات متفرقة. تدفقت إليها موارد عربية كبيرة: مساهمات أقرتها القمم العربية، ودعم مباشر من دول عربية، واقتطاعات من رواتب فلسطينيين عاملين في بعض دول الخليج، فضلًا عن المساعدات التي كانت تصل إلى المنظمة وفصائلها.
كان المال ضروريًا. به دُفعت رواتب المقاتلين، وأُنشئت المؤسسات، ومُوّلت المدارس والمستشفيات ومراكز الأبحاث والإعلام والثقافة، وأُعيلت أسر الشهداء والأسرى، واتسعت قدرة الثورة على العمل في المخيمات والعواصم.
لكن المال، مثل القوة، لا يدخل إلى الثورة بلا أثر.
فحين يصبح للثورة راتب، يظهر من يأتي إليها لأنه يؤمن بها... ويظهر أيضًا من يراها مكانًا للرزق. وحين تتعدد الفصائل ومصادر التمويل، تظهر حول الثورة حياة أخرى لم تكن موجودة في البدايات.
وصل الأمر، في بعض البيئات، إلى أن يبحث البعض عن أكثر من إطار وأكثر من راتب. لم يكن ذلك هو المجتمع الفلسطيني كله، ولا كان هو صورة الثورة كلها. لكنه كان جرسًا مبكرًا.
فالمال الذي يبني المؤسسة... يستطيع أيضًا أن يبدأ بتغييرها.
وهنا ظهر سؤال لم يكن مطروحًا عندما كان الفدائي يحمل بندقيته ويمضي إلى المعركة بلا راتب تقريبًا: ماذا يحدث للثورة عندما تصبح مؤسسة يعيش منها آلاف البشر؟
لكن بيروت لم تكن فلسطين كلها.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان جزء آخر من المجتمع الفلسطيني يعيش يومه تحت الاحتلال، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي فلسطين التي بقي أهلها فيها منذ عام 1948.
تجربتهم مختلفة. ليس لديهم معسكر فدائي في بيروت، ولا مكتب تمثيل في عاصمة عربية. أمامهم الجندي، والمعتقل، والأرض المصادرة، والجامعة، والبلدية، والنقابة، والسجن.
وكان هناك سؤال آخر يولد داخل هذا الجزء من المجتمع: كيف يكون الفلسطيني جزءًا من حركة وطنية قيادتها في الخارج، بينما الاحتلال يقف أمام بيته كل صباح؟
لم يكن الخيط مقطوعًا. كانت الصلات الأولى تمتد إلى الطلبة والأسرى والنقابيين والشخصيات الوطنية والبلديات والقوى الاجتماعية والسياسية.
كانت بيروت تمد يدًا... ويأتيها الرد من نابلس، وغزة، ورام الله، والقدس، والجليل.
لم تكن هذه العلاقة قد أخذت بعد كل الأشكال التي ستأخذها لاحقًا. لكن البذرة كانت موجودة. وكانت القيادة تدرك، شيئًا فشيئًا، أن الثورة لا يمكن أن تبقى على الحدود... بينما مجتمعها يعيش تحت الاحتلال.
وفي الاتجاه الآخر، كانت اليد الفلسطينية تمتد إلى العالم.
روما. باريس. لندن. بروكسل. وعواصم أخرى.
هناك ظهر وجه آخر للثورة. رجل لا يحمل بندقية، يحمل ملفًا وكتابًا وفكرة. يدخل إلى صحيفة، أو جامعة، أو مكتب نائب، أو حزب، أو نقابة، ويتحدث باسم شعب لا توجد له دولة على الخريطة.
كان هؤلاء ممثلي منظمة التحرير. لكن كلمة «دبلوماسي» وحدها لا تكفي لوصف كثير منهم. كانوا أبناء الحركة الوطنية نفسها. شبابًا، مثقفين، مناضلين. انتقلوا من ساحة إلى أخرى، لكنهم لم يشعروا أنهم غادروا المعركة.
في روما كان وائل زعيتر. وعند مدخل المبنى الذي يسكنه... وصل إليه الرصاص.
وفي باريس كان محمود الهمشري. ووصلت إليه العبوة في شقته عبر الهاتف، فأصابته إصابة قاتلة.
فجأة، لم يعد خط النار يمتد على الحدود وحدها. امتد إلى شوارع أوروبا. إلى البيت. وإلى المكتب.
وإلى الهاتف.
وهنا نرى شيئًا مهمًا في العلاقة بين المجتمع وقيادته في تلك المرحلة.
المجتمع كان يدفع الثمن. لكن القيادة كانت تدفعه أيضًا. المقاتل يُستشهد، والقائد يُلاحق، وممثل فلسطين يُغتال، والكاتب والصحفي والمناضل يعرف أن موقعه داخل الثورة لا يمنحه امتياز النجاة... بل قد يجعله أقرب إلى الخطر.
ولهذا، رغم أن المؤسسة كانت تكبر، لم يكن المجتمع يرى قيادته طبقة منفصلة عنه. كان يرى أبناءه فيها: من خرج من المخيم فأصبح قائدًا، ومن خرج من الجامعة فأصبح ممثلًا لفلسطين، ومن حمل البندقية، ومن حمل القلم، ومن حمل حقيبة دبلوماسية.
كان المجتمع يدفع من دمه... وكانت القيادة تدفع من دمها أيضًا.
وربما كان هذا أحد أهم أسرار الشرعية التي تمتعت بها منظمة التحرير في تلك المرحلة. لم تكن شرعية الشعارات وحدها، ولا شرعية الموقع التنظيمي. كانت هناك وحدة، غير كاملة لكنها حقيقية... في الحلم، وفي الخطر، وفي الثمن.
ثم جاءت حرب تشرين الأول 1973.
عبرت القوات المصرية قناة السويس وحطمت خط بارليف، وخاض الجيش السوري معاركه على جبهة الجولان، وشاركت قوات فلسطينية في الحرب ضمن ساحاتها وإمكاناتها.
لكن الحرب لم تنته بصورة انتصار بسيط يمكن وضعه في جملة واحدة. استعادت سوريا في مراحل الحرب أجزاء من الجولان، ودارت معارك ضارية على جبل الشيخ، فيما تمكن جيش الاحتلال لاحقًا، بدعم أميركي واسع، من استعادة زمام المبادرة وتحقيق اختراق غرب قناة السويس.
ثم توقف القتال... وبدأت السياسة.
وهنا تغير شيء في الإقليم كله.
فالدول العربية التي كانت فلسطين في قلب خطابها بدأت تتحرك أكثر وفق حسابات دولها وحدودها وتسوياتها. وبدأت تتشكل، شيئًا فشيئًا، مسارات ستقود لاحقًا إلى زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس، وخطابه أمام الكنيست، ثم اتفاقيات كامب ديفيد.
لم تكن تلك التطورات تفصيلًا خارجيًا بالنسبة إلى منظمة التحرير. كانت تعني أن البيئة العربية التي تتحرك داخلها الثورة نفسها بدأت تتغير، وأن المنظمة التي سعت إلى استقلال قرارها الوطني ستجد نفسها، مرة بعد مرة، أمام قرارات عربية كبرى لا تصنعها، لكنها تدفع أثمانها.
لكن كل بيت يكبر يحتاج إلى إدارة.
والثورة التي بدأت في الخلايا والمخيمات ومعسكرات الفدائيين أصبحت تحتاج إلى مؤسسات، وموازنات، ومكاتب، وعلاقات عربية ودولية. والقائد الذي كان يمكن أن تجده بين المقاتلين أصبح له مكتب، ومواعيد، ومسؤوليات، وبروتوكول.
لم يكن ذلك، في ذاته، خيانة لروح الثورة. كان من ضرورات نموها.
لكن النمو يغير الأشياء. والمال يغير الأشياء. والقوة تغير الأشياء.
وكل دائرة جديدة حول المؤسسة كانت تطرح السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحًا: هل تستطيع القيادة أن تكبر... وتبقى قريبة بالقدر نفسه؟
وفي الوقت نفسه، لم يعد السؤال فقط: كيف نقاوم؟
ظهر إلى جواره سؤال آخر: كيف نجعل العالم يعترف بأن الفلسطيني ليس لاجئًا ينتظر الإغاثة... بل شعبًا له وطن وحقوق سياسية؟
وهكذا بدأت البندقية تجد إلى جانبها أداة أخرى: الدبلوماسية.
لم يكن الجميع متفقين على معنى هذا التحول. اختلفت الفصائل، واختلفت البرامج، واختلفت قراءة الطريق.
هل تبقى فلسطين كلها الهدف المباشر؟ هل يمكن إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض يتم تحريره؟ هل السياسة طريق آخر إلى فلسطين؟ أم أنها قد تبدأ، شيئًا فشيئًا، في تغيير الطريق نفسه؟
لم تكن الخلافات هامشية. كانت خلافات حول معنى المشروع الوطني.
لكن ما كان لافتًا أن الخلاف ظل، في معظمه، داخل البيت. كان الفلسطينيون يختلفون بشدة... لكنهم ما زالوا يرون أن لديهم إطارًا واحدًا يستطيع أن يحتمل هذا الاختلاف.
ثم جاء عام 1974.
في حزيران، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامجًا سياسيًا جديدًا فتح الباب أمام إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره.
واختلف الفلسطينيون حوله.
بعضهم رأى فيه قدرة على الجمع بين المقاومة والسياسة، وبعضهم رأى فيه بداية طريق قد يبتعد عن مشروع التحرير الكامل. وظهرت جبهة الرفض.
لكن بينما كان الفلسطينيون يتجادلون داخل بيتهم... كان العالم العربي يستعد للاعتراف بهذا البيت.
في تشرين الأول من العام نفسه، اجتمع القادة العرب في الرباط. وهناك حدث شيء كان من الصعب تخيله قبل عشر سنوات فقط: اعترفت القمة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
تأملوا المشهد.
في البداية، ساهم النظام العربي في إنشاء الإطار. وبعد عشر سنوات، عاد الفلسطيني إلى النظام العربي بإطار أعاد هو تشكيله. ملأه بفصائله، ومقاومته، ومؤسساته، واتحاداته، وشهدائه.
ثم قال: هذا هو بيتنا.
لكن الصورة لم تكتمل في الرباط.
بعد أسابيع... انتقلت الكاميرا إلى نيويورك.
الثالث عشر من تشرين الثاني 1974.
قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة. الأبواب تفتح. يدخل ياسر عرفات.
ليس رئيس دولة. ولا رئيس حكومة. بل رئيس منظمة شعب لا تزال دولته غائبة عن الخريطة.
لكن المشهد كان أكبر من الرجل.
خلفه كانت الخيام والمخيمات. والفدائيون والطلبة والعمال والأسرى والنساء. والكتّاب والمثقفون. وممثلو فلسطين في عواصم العالم. والفلسطينيون الذين بقوا داخل وطنهم.
وكل ذلك المجتمع الذي أمضى ربع قرن تقريبًا يحاول أن يجمع نفسه من جديد.
الآن... كان يدخل الأمم المتحدة.
لم يدخل بجواز دولة.
دخل باسم فلسطين.
وبعد أيام، أكدت الجمعية العامة الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، ومنحت منظمة التحرير صفة مراقب.
وهنا تغير شيء آخر في معنى الشرعية.
في الحلقة الخامسة رأينا المجتمع يمنح المقاومة شرعيتها. أما الآن، فالمجتمع الذي أعاد تشكيل منظمة التحرير بدأ يرى العالم يعترف بالمؤسسة التي اختارها لتمثله.
لكن الفرق مهم.
الاعتراف الدولي لا يصنع الشرعية. إنه يعترف بها.
فالمنظمة لم تصبح ممثلة للفلسطينيين لأن القمة العربية قالت ذلك، ولا لأن الأمم المتحدة فتحت لها الباب.
استطاعت أن تدخل تلك الأبواب... لأن المجتمع الفلسطيني كان قد دخل إليها قبل ذلك.
وهنا تكتمل دائرة بدأت منذ الحلقات الأولى.
عام 1936... سبق المجتمع القيادة.
وبعد النكبة... أعاد المجتمع إنتاج نفسه.
وبعد 1967... صنع مقاومته.
ثم دخل، عبر مقاومته وقواه، إلى منظمة التحرير وأعاد تشكيلها. وبدأت خيوطه تمتد منها إلى الداخل. وحمل ممثلوه اسم فلسطين إلى عواصم العالم. ودفع المجتمع والقيادة معًا أثمان هذه الرحلة.
وفي عام 1974... بدأ العالم يعترف بما كان الفلسطينيون قد صنعوه.
لكن النجاح لا يوقف الأسئلة.
أحيانًا... النجاح هو الذي يصنع أخطرها.
فالبيت الذي بدأ صغيرًا كان يكبر. تكبر مؤسساته، وتكبر موارده، وتكبر علاقاته، ويكبر سلاحه، ويكبر عدد الذين يعيشون داخله... ومنه.
ولم تكن المسافة قد أصبحت قطيعة.
كان المجتمع ما يزال يرى أبناءه في القيادة. وكانت القيادة ما تزال تدفع معه ثمن الثورة. وكان الفلسطيني، في الداخل والخارج، لا يزال يرى في منظمة التحرير بيته السياسي الأوسع.
لكن شيئًا جديدًا كان يولد داخل النجاح نفسه: قوة المؤسسة.
والاختبار الحقيقي لهذه القوة لم يكن قد بدأ بعد.
فالبيت الذي أصبح للفلسطينيين... لم يكن مقامًا على أرضهم.
وكانت المحطة التالية: لبنان.
هناك سيكبر البيت إلى حجم لم يعرفه الفلسطيني من قبل. وستكبر معه المؤسسات، والمال، والسلاح، والنفوذ، والتحالفات، والعلاقات الدولية.
وستتحول بيروت إلى عاصمة غير معلنة لفلسطين، وإلى منارة للثقافة الوطنية الفلسطينية، وإلى فضاء يقصده الثوريون والمثقفون والمعارضون العرب... وتدخل إليه، في الوقت نفسه، أجهزة استخبارات المنطقة والعالم.
وهناك أيضًا سيتدفق إلى الثورة آلاف الشبان والمتطوعين والطلبة والأطباء والمهندسين والمثقفين، حاملين صورة أخرى لعلاقة المجتمع ببيته الوطني.
لكن كلما ازدادت قوة هذا البيت، أصبح السؤال الذي ينتظره أكثر خطورة:
ماذا يحدث عندما تكبر قوة البيت الوطني فوق أرض ليست أرضه؟
وهل تستطيع القيادة أن تدير المال والسلاح والنفوذ والتحالفات، من دون أن تغيّر هذه القوة نفسها علاقتها بالمجتمع الذي منحها الشرعية؟
ذلك هو سؤال الحلقة السابعة.
يحيى بركات
22/8/2026
يُتبع...