رجل يبدو على ملامحه أثر السفر، حقيبة على ظهره، وأخرى يمسكها بيده اليمنى، دخل المكتبة كمن يحمل في جسده تعب الطريق، وفي ذهنه غاية لا يريد أن يضيّعها ، فسألني عن رواية "بداية ونهاية "لنجيب محفوظ .
بحثتُ له بين الرفوف، حتى عثرتُ على نسخة أخيرة، بعد أن نفدت جميع النسخ الأخرى ، تناولها بلهفة من عثر على ما جاء من أجله، ثم أخذ يقلب صفحاتها واحدة واحدة، إلى أن لمح بعض البقع القليلة في الصفحات الأولى.
رفع عينيه نحوي وقال: هل يمكن استبدالها بأخرى؟
اعتذرتُ له، وأخبرته أنها النسخة الأخيرة، وأن جميع النسخ قد نفدت.
ظل يتأملها قليلا، ثم قال: أريد أن أقدمها هدية لأحد أصدقائي ، يجب أن أحسن الاختيار، فلا تكون فيها أية شائبة، ولو كانت بسيطة.
اقترحتُ عليه رواية أخرى لنجيب محفوظ، وقلت له إنني أستطيع أن أختار له نسخة أفضل حالا، لكنه هز رأسه معتذرا : لا، هو الذي اختار هذه الرواية تحديدا.
أدهشني إصراره، أكثر مما أعجبني اختياره للرواية ، كان يستطيع أن يغادر بها كما هي، فالبقع قليلة، وربما لا ينتبه إليها صاحبها أبدا ، ويمكنه أن يقنع نفسه بأن الهدية في معناها، لا في تفاصيلها ، لكنه لم يفعل.
فهمتُ يومها أن بعض الناس يشترون صورة تليق بمن سيقدمونها إليه ، لا يقتنون كتبا فحسب ، وقبل أن يغادر، أعاد الرواية إلى يدي، وقال بابتسامة هادئة: سأعود إليها عندما تصل نسخة أخرى.
خرج حاملا حقيبتي سفره، وتركني أمام رفوف الكتب أفكر في الأمر ، لقد جاء من سفر بعيد يبحث عن كتاب، لكنه علّمني قبل أن يغادر، شيئا لم أجده في أي مرجع آخر : أن الهدية الحقيقية ليست ما نقدمه لمن نحب، بل مقدار العناية التي بذلناها حتى لا نُهديه شيئا أقل مما يستحق.
ومنذ ذلك اليوم، كلما وجدتُ نسخة فيها عيب صغير، أتذكر ذلك المسافر، وأقول في سري: ربما ليست كل البقع عيبا في الكتاب؛ بعضها يكشف فقط مقدار الحب الذي كان يبحث عن نسخة بلا شائبة.
بحثتُ له بين الرفوف، حتى عثرتُ على نسخة أخيرة، بعد أن نفدت جميع النسخ الأخرى ، تناولها بلهفة من عثر على ما جاء من أجله، ثم أخذ يقلب صفحاتها واحدة واحدة، إلى أن لمح بعض البقع القليلة في الصفحات الأولى.
رفع عينيه نحوي وقال: هل يمكن استبدالها بأخرى؟
اعتذرتُ له، وأخبرته أنها النسخة الأخيرة، وأن جميع النسخ قد نفدت.
ظل يتأملها قليلا، ثم قال: أريد أن أقدمها هدية لأحد أصدقائي ، يجب أن أحسن الاختيار، فلا تكون فيها أية شائبة، ولو كانت بسيطة.
اقترحتُ عليه رواية أخرى لنجيب محفوظ، وقلت له إنني أستطيع أن أختار له نسخة أفضل حالا، لكنه هز رأسه معتذرا : لا، هو الذي اختار هذه الرواية تحديدا.
أدهشني إصراره، أكثر مما أعجبني اختياره للرواية ، كان يستطيع أن يغادر بها كما هي، فالبقع قليلة، وربما لا ينتبه إليها صاحبها أبدا ، ويمكنه أن يقنع نفسه بأن الهدية في معناها، لا في تفاصيلها ، لكنه لم يفعل.
فهمتُ يومها أن بعض الناس يشترون صورة تليق بمن سيقدمونها إليه ، لا يقتنون كتبا فحسب ، وقبل أن يغادر، أعاد الرواية إلى يدي، وقال بابتسامة هادئة: سأعود إليها عندما تصل نسخة أخرى.
خرج حاملا حقيبتي سفره، وتركني أمام رفوف الكتب أفكر في الأمر ، لقد جاء من سفر بعيد يبحث عن كتاب، لكنه علّمني قبل أن يغادر، شيئا لم أجده في أي مرجع آخر : أن الهدية الحقيقية ليست ما نقدمه لمن نحب، بل مقدار العناية التي بذلناها حتى لا نُهديه شيئا أقل مما يستحق.
ومنذ ذلك اليوم، كلما وجدتُ نسخة فيها عيب صغير، أتذكر ذلك المسافر، وأقول في سري: ربما ليست كل البقع عيبا في الكتاب؛ بعضها يكشف فقط مقدار الحب الذي كان يبحث عن نسخة بلا شائبة.