الوهم حين يتسلل إلى الوعي لا يكتفي بتزييف جزئية عابرة من الواقع، بل يتولى إعادة بناء الواقع كلياً وفق هندسة إدراكية بديلة، تُقنع الفرد بصحتها مطلقاً وتُحصّنه ضد أي برهان عقلاني.
في سن مبكرة، قرأتُ رواية دوستويفسكي («نيتوتشكا نيزفانوفا»)، وانتقى الوعي منها ثيمة الوهم متجسدةً في سلوك أبطالها. ورسخ في الذاكرة — بعد توالي السنين وازدحام القراءات — مشهد تلك المرأة التي كشف زوجها خطأً مفترضاً في تاريخها، فاستعاض عن العقاب المادي بلغة الصمت الشرس؛ فكلما حاولت النطق بأي حرف، سلط عليها عينين ذئبيتين فيخرسها.
إنها ألكسندرا ميخائيلوفنا؛ وزوجها بيوتر ألكسندروفتش، الرجل الأرستقراطي البارد، قاسي الملامح، وذو السلطة النفسية المطلقة. عندما اكتشف وجود رسالة غرامية قديمة موجهة إليها من شخص آخر، اتخذ من ذلك ذريعة ليخلق "محكمة صامتة" داخل البيت. لم يحاكمها علناً ولم يطلقها، بل عاقبها بـ الصمت العقابي والمراقبة الدائمة؛ فكان كلما رآها أو حاولت الكلام أو التبرير، نظر إليها بنظرات باردة ومحيّرة تُشعرها بالنقص والإثم، مما أدى إلى شلها نفسياً وإخراسها تماماً.
هذا السلوك القسري دفع ألكسندرا إلى الوقوع في وهم الذنب المطلق؛ فبدأت تصدق أنها مجرمة آثمة وتعيش حالة من الجلد الذاتي والرعب اليومي، على الرغم من أن مشاعرها كانت طاهرة وأن زوجها استغل الموقف ليمارس سلطته السايكوباتية ويكسر إرادتها.
غير أن "وهم الذنب المطلق" الذي استعبد ألكسندرا ميخائيلوفنا ليس سوى وجه واحد للعملة؛ إذ يضعنا دوستويفسكي في المقابل أمام نموذج أكثر تركيباً وانحرافاً في هندسته الإدراكية: إيفان يفييموف، زوج أم نيتوتشكا، العازف الذي شاد حياته كلها على وهم العبقرية المجهولة.
لم يكن يفييموف مجرد عازف فاشل، بل كان كائناً يتغذى على النرجسية التعويضية؛ صاغ لنفسه واقعاً بديلاً يعتقد فيه أنه عبقري مظلوم تعوقه الظروف، وقسوة زوجته، وفقره الشديد. لقد أحاط نفسه بأسوار من الإسقاطات والتبريرات النفسية التي حمت عزة أناه من الانهيار عقوداً طويلة. كان الوهم بالنسبة له بمثابة "مخدر وجودي" يُبرر به كسله، وإدمانه، وسوء معاملته لبيته.
وتتجلى الفاجعة الإدراكية في لحظة كشف الوهم؛ تلك اللحظة التراجيدية التي واجه فيها عزف المايسترو والعبقري الحقيقي (بيتر B.)، أو حين وُضع في اختبار حقيقي أمام كمنجته الخاصة. هناك، وفي لحظة صدق خاطفة وقاسية، تداعت الهياكل الهشة لواقعه المصنوع، وأدرك — في صحوة ذهنية مروعة — أنه لم يكن يوماً مبدعاً، بل كان مدعياً عاجزاً ضيع حياته وحياة من حوله في سراب خادع.
إن كشف الوهم عند يفييموف لم يؤدِ إلى إصلاحه أو نضجه، بل أحدث انهياراً سيكولوجياً كلياً؛ إذ لم يحتمل الوعي أن يُعرّى فجأة من مدرعه الذهني الوهمي، فكان الاصطدام بالحقيقة الصريحة بمث بمثابة صدمة قاتلة قادته مباشرة إلى الجنون والموت. هنا يضعنا النص أمام حقيقة فلسفية مرعبة: إن الوهم حين يكون هو القوام الوحيد للذات، فإن اقتلاعه لا يعني الشفاء، بل يعني تدمير الذات بالكامل.
والوهم وباء ادراكي من اخطر الاوبئة, ونادرا ما يكشفه انسان في نفسه عبر الوعي المركز او الصدمة وهو يتجلى باشكال من الشخصيات والسلوكيات التي يتعذر حصرها او تصنيفها,فتراها متمثلا بالطقوس والمعتقدات وتكتشفه متلبسا بعض الكتاب والشعراء الذين وهبتهم الكروبات فرصة للظهور فانشؤوا لهم القابا امبراطورية وتراه مجسدا لدى العشاق الواهمين خاصة اولئك الذين يفنون سنواتهم دمعا لاجل امرأة لم يخطروا في بالها.
وربما ان لم يكن لديك بديل وتدفع احدا لكشف وهمه فستحكم عليه بالدمار كبطل دستوفسكي ايفان ....الذي انهار كليا بعد ان اكتشف وهمه.
الصياد
آب
٢٠٢٦
Rédiger
في سن مبكرة، قرأتُ رواية دوستويفسكي («نيتوتشكا نيزفانوفا»)، وانتقى الوعي منها ثيمة الوهم متجسدةً في سلوك أبطالها. ورسخ في الذاكرة — بعد توالي السنين وازدحام القراءات — مشهد تلك المرأة التي كشف زوجها خطأً مفترضاً في تاريخها، فاستعاض عن العقاب المادي بلغة الصمت الشرس؛ فكلما حاولت النطق بأي حرف، سلط عليها عينين ذئبيتين فيخرسها.
إنها ألكسندرا ميخائيلوفنا؛ وزوجها بيوتر ألكسندروفتش، الرجل الأرستقراطي البارد، قاسي الملامح، وذو السلطة النفسية المطلقة. عندما اكتشف وجود رسالة غرامية قديمة موجهة إليها من شخص آخر، اتخذ من ذلك ذريعة ليخلق "محكمة صامتة" داخل البيت. لم يحاكمها علناً ولم يطلقها، بل عاقبها بـ الصمت العقابي والمراقبة الدائمة؛ فكان كلما رآها أو حاولت الكلام أو التبرير، نظر إليها بنظرات باردة ومحيّرة تُشعرها بالنقص والإثم، مما أدى إلى شلها نفسياً وإخراسها تماماً.
هذا السلوك القسري دفع ألكسندرا إلى الوقوع في وهم الذنب المطلق؛ فبدأت تصدق أنها مجرمة آثمة وتعيش حالة من الجلد الذاتي والرعب اليومي، على الرغم من أن مشاعرها كانت طاهرة وأن زوجها استغل الموقف ليمارس سلطته السايكوباتية ويكسر إرادتها.
غير أن "وهم الذنب المطلق" الذي استعبد ألكسندرا ميخائيلوفنا ليس سوى وجه واحد للعملة؛ إذ يضعنا دوستويفسكي في المقابل أمام نموذج أكثر تركيباً وانحرافاً في هندسته الإدراكية: إيفان يفييموف، زوج أم نيتوتشكا، العازف الذي شاد حياته كلها على وهم العبقرية المجهولة.
لم يكن يفييموف مجرد عازف فاشل، بل كان كائناً يتغذى على النرجسية التعويضية؛ صاغ لنفسه واقعاً بديلاً يعتقد فيه أنه عبقري مظلوم تعوقه الظروف، وقسوة زوجته، وفقره الشديد. لقد أحاط نفسه بأسوار من الإسقاطات والتبريرات النفسية التي حمت عزة أناه من الانهيار عقوداً طويلة. كان الوهم بالنسبة له بمثابة "مخدر وجودي" يُبرر به كسله، وإدمانه، وسوء معاملته لبيته.
وتتجلى الفاجعة الإدراكية في لحظة كشف الوهم؛ تلك اللحظة التراجيدية التي واجه فيها عزف المايسترو والعبقري الحقيقي (بيتر B.)، أو حين وُضع في اختبار حقيقي أمام كمنجته الخاصة. هناك، وفي لحظة صدق خاطفة وقاسية، تداعت الهياكل الهشة لواقعه المصنوع، وأدرك — في صحوة ذهنية مروعة — أنه لم يكن يوماً مبدعاً، بل كان مدعياً عاجزاً ضيع حياته وحياة من حوله في سراب خادع.
إن كشف الوهم عند يفييموف لم يؤدِ إلى إصلاحه أو نضجه، بل أحدث انهياراً سيكولوجياً كلياً؛ إذ لم يحتمل الوعي أن يُعرّى فجأة من مدرعه الذهني الوهمي، فكان الاصطدام بالحقيقة الصريحة بمث بمثابة صدمة قاتلة قادته مباشرة إلى الجنون والموت. هنا يضعنا النص أمام حقيقة فلسفية مرعبة: إن الوهم حين يكون هو القوام الوحيد للذات، فإن اقتلاعه لا يعني الشفاء، بل يعني تدمير الذات بالكامل.
والوهم وباء ادراكي من اخطر الاوبئة, ونادرا ما يكشفه انسان في نفسه عبر الوعي المركز او الصدمة وهو يتجلى باشكال من الشخصيات والسلوكيات التي يتعذر حصرها او تصنيفها,فتراها متمثلا بالطقوس والمعتقدات وتكتشفه متلبسا بعض الكتاب والشعراء الذين وهبتهم الكروبات فرصة للظهور فانشؤوا لهم القابا امبراطورية وتراه مجسدا لدى العشاق الواهمين خاصة اولئك الذين يفنون سنواتهم دمعا لاجل امرأة لم يخطروا في بالها.
وربما ان لم يكن لديك بديل وتدفع احدا لكشف وهمه فستحكم عليه بالدمار كبطل دستوفسكي ايفان ....الذي انهار كليا بعد ان اكتشف وهمه.
الصياد
آب
٢٠٢٦
Rédiger