عندما يغيب القانون وتسود ثقافة الثأر: حماية السلم الأهلي مسؤولية وطنية

عندما يغيب القانون وتسود ثقافة الثأر: حماية السلم الأهلي مسؤولية وطنية

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

حين يتراجع حضور القانون، لا يبقى الفراغ خالياً؛ إذ تتقدم القوة والعصبية والنفوذ العائلي ومنطق الثأر لتحل محل المؤسسات. وعندما يصبح السلاح وسيلة لحسم الخلافات، فإن الخطر لا يقتصر على أطراف النزاع، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، ويهدد السلم الأهلي وهيبة الدولة وثقة المواطن بالعدالة.

وتأتي واقعة سلوان في القدس لتقدم مثالاً مؤلماً على خطورة هذا المسار. فقد شهدت البلدة، ليل السبت–الأحد، شجاراً عنيفاً بين عائلات تخلله إطلاق نار، وأسفر، وفق التقارير المنشورة، عن مقتل ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة، هم عصام الأعور وابنه خليل وقريبهما أحمد، فيما قالت الشرطة الإسرائيلية إن اثنين منهم قُتلا برصاص قواتها خلال تدخلها عقب تصاعد المواجهات. وبغض النظر عن الروايات المتباينة بشأن تفاصيل الواقعة والمسؤوليات، فإن النتيجة المؤكدة حتى الآن هي أن خلافاً تحول إلى مشهد دموي، وهو ما يستوجب التوقف أمام ظاهرة العنف العائلي والثأر باعتبارها خطراً على المجتمع لا مجرد حادث أمني عابر.

إن أخطر ما في ثقافة الثأر أنها تنقل الخلاف من مستوى الأشخاص إلى مستوى العائلات، ومن حادثة محدودة إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة. اعتداء يستدعي اعتداء، ودم يستدعي دماً، ثم تدخل العائلة والعشيرة، لتبدأ دائرة قد يصعب إيقافها، وقد تمتد آثارها إلى أجيال.

سيادة القانون هي نقطة البداية

في الدولة التي تحكمها سيادة القانون، الطريق واضح: شكوى وتحقيق وقضاء وحكم وتنفيذ. أما عندما يقتنع المواطن بأن القانون عاجز أو أن العدالة بطيئة أو انتقائية، فإن البعض قد يبحث عن بدائل خطرة، فيصبح السلاح والقوة والنفوذ وسائل لحسم النزاعات.

وهنا تقع المسؤولية الأولى على الدولة ومؤسساتها، من خلال تطبيق القانون بعدالة على الجميع، وتسريع التحقيقات والمحاكمات، وحماية الضحايا والشهود، ومنع التهديد والانتقام، وملاحقة المعتدين، وتنفيذ الأحكام دون تمييز.

فالردع الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإدراك الجميع أن ارتكاب الجريمة سيترتب عليه جزاء قانوني عادل وحتمي.

الصلح لا يعني إسقاط القانون

لمجالس الإصلاح والوجهاء والعائلات والعشائر دور اجتماعي مهم في حقن الدماء ومنع التصعيد، وهو إرث فلسطيني وعربي ينبغي الحفاظ عليه. لكن الصلح الأهلي يجب أن يكون مكملاً للقانون لا بديلاً عنه.

فالصلح يطفئ نار الفتنة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل القضاء أو حماية المعتدي أو إسقاط الحقوق العامة. والوجيه الحقيقي ليس من يستطيع تعطيل القانون، وإنما من يمنع الثأر ويدفع المتخاصمين إلى الاحتكام للمؤسسات.

المعالجة تبدأ قبل وقوع الجريمة

إن ثقافة الثأر لا تُعالج أمنياً فقط. جذورها تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ولذلك فإن الوقاية تتطلب تعزيز التربية على الحوار وضبط النفس واحترام القانون، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وضبط انتشار السلاح، وتطوير آليات مبكرة للتدخل في النزاعات قبل تحولها إلى عنف مسلح.

كما تتحمل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في عدم نشر الشائعات والمعلومات غير الموثقة أو المواد التي تؤجج الخلافات وتحوّل الجريمة إلى حالة من التحريض الجماعي.

السلم الأهلي مسؤولية وطنية

في ظل الاحتلال والضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، تصبح حماية الجبهة الداخلية أكثر أهمية. فالاحتلال وما يفرضه من أزمات لا يجوز أن يتحول إلى مبرر للعنف الداخلي، بل ينبغي أن يكون دافعاً لتعزيز التماسك الاجتماعي وحماية المجتمع.

إن المطلوب ليس معالجة كل حادثة بصورة منفردة، وإنما بناء استراتيجية وطنية للسلم الأهلي تقوم على سيادة القانون، والعدالة الناجزة، والإنذار المبكر للنزاعات، وتنظيم دور لجان الإصلاح، وحماية الضحايا والشهود، ومكافحة السلاح غير المرخص، وتعزيز التربية المدنية، ودعم الشباب والأسر المتضررة من العنف.

إن واقعة سلوان، بما حملته من دماء وتصعيد، ينبغي أن تكون جرس إنذار لا مناسبة عابرة. فالمجتمع الذي يسمح بتحول الخلاف إلى ثأر يفتح الباب أمام تفككه من الداخل، والدولة التي لا تفرض سيادة القانون تترك المجال للأقوى لفرض إرادته.

وحين يغيب القانون لا يحضر العدل تلقائياً، بل يحضر الأقوى؛ وحين تسود ثقافة الثأر لا ينتصر أحد، وإنما يخسر المجتمع بأسره.

المحامي علي أبوحبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...