تسمية "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" تحت المجهر

لقد سبق أن نشرتُ مقالةً بالأمس على صفحتي بالفيسبوك تحت عنوان "تسمية التجمُّع الوطني للأحرار تحت المجهر". في هذه المقالة، الحزب السياسي الذي سيُوضع تحت المجهر، هو "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"

هذه سلسلة من المقالات التي أريد، من خلالِها أن أبيِّن للقارئ أن أحزابَنا السياسية لا يختلف بعضها عن البعض الآخر، إلا بالتسميات. لكن تسميات فارغة من المضمون والمعنى. وبعبارة أخرى، أريد أن أبيِّن للقارئ أن ما يميِّز هذه الأحزاب، هو التَّسابق نحو كراسي السلطة من أجل السلطة، وليس لتغيير أحوال الشعب المغربي من حسن إلى أحسن.

قد يقول قائل إن هذا التسابقَ طبيعي ومشروع ودستوري. نعم وبكل تأكيد، إنه طبيعي، مشروع ودستوري. لكن أن تتعاقب الأحزاب السياسية على تدبير الشأن العام ويزداد واقعُ الشعب المغربي سوءً، فهذا شيءٌ غير مقبول.

ولهذا، فمقالاتي ستشمل، فقط، الأحزاب السياسية التي تعوَّد الشعبُ المغربي على ولوجها لتدبير الشأن العام، وهي : التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، الحركة الشعبية والعدالة والتنمية.

لن تشملَ مقالاتي الأحزاب السياسية الأخرى لسبب بسيط هو أنها لم تُتَحْ لها الفرصة للصعود إلى الحكومة، وبالتالي، إلى تدبير الشأن العام. بل إنها لا تصِل إلا نادرا للبرلمان ولا تظهر في المشهد السياسي إلا في المناسبات الانتخابية.

والآن، سأتناول، بالتَّحليل تسميةَ الحزب المشار له أعلاه، أي "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية". أول ملاحظةٍ تفرِضها هذه التسمية، هو أن الحزبَ يستمد قوته المعنوية من الشعب. بمعنى أن هذا الحزبَ يجمع في صفوفه القوات المعنوية التي يملكُها الشعب المغربي. "فهل احتفظ الحزبُ السياسي المدعو "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بهذه القوة المعنوية أم ضاعت منه؟".

الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مزيدٍ من التوضيحات. أول هذه التوضيحات أن "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" انحدر من انشقاق وقع في صفوف "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" لأسباب، جلُّها، مبدئية وإيديولوجية. و"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، نفسُه، انحدر من انشقاق وقع في صفوف حزب الاستقلال الذي كان خطُّه السياسي محافِظا بزعامة علال الفاسي، بينما "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، حزبٌ ثوري، آنذاك، بقيادة المهدي ببركة وعبد الرحيم بوعبيد، بدعم من بعض النقابيين كالمحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم.

والانشقاق لم يتوقف إلى يومنا هذا. فكلما تغيرت إيديولوجيا ومبادئ بعض أجنحة الحزب الواحد، كلما بادر زعماء هذه الأجنحة إلى الانشقاق عن الحزب الأم وإنشاء حزبٍ جديد.

ومتابعةً للجواب على السؤال المطروح أعلاه، أي "فهل احتفظ الحزبُ السياسي المدعو "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بهذه القوة المعنوية أم ضاعت منه؟".

بكل صراحة، لم يحتفِظ "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بقوته المعنوية التي كانت حاضرة، على شكل نضال ميداني مستمرٍّ، في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وبعض الشيء من التسعينيات. فقد ضاعت منه هذه القوة المعنوية بسبب قياداته التي أصبحت تتطلَّع لمناصب وزارية، عوض أن تستمرَّ في نضالها الذي كان يتمحوَر، أولاً وقبل كل شيءٍ، في إرساء مزيد من الديمقراطية؟ في نظام الحُكم، حكومةً وبرلماناً. "فهل الاتحاد الاشتراكي اشتراكي، فعلا؟".

إنه اشتراكي، لكن فقط، على مستوى التسمية. أما توجُّهه السياسي الإيديولوجي يبقى غامِضاً. والدليل على ذلك أن "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، شارك في حكومة التناوب، برئاسة المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، وفي حكومة إدريس جطو، وفي حكومة عباس الفاسي. كل هذه الحكومات كانت تتبنى اقتصادا ليبرالياً une économie libérale وليس اشتِراكيا، ومع ذلك، شارك فيها "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".

إن دلَّت هذه المشاركة على شيءٍ، إنما تدل على أن ما يهمُّ هذا الحزبَ، هو الوصول إلى كراسي السلطة، من أجل السلطة، ليس لتغيير واقع الشعب المغربي، شأنُه شأنَ الأحزاب الأخرى.

ومواصلةً لتحليل تسمية هذا الحزب، أُسلِّطُ الضوءَ على عبارة "للقوات الشعبية". في هذا الصدد، لقد قلتُ، أعلاه، أن هذا الحزبَ كان يستمِد قوتَه المعنوية من الشعب. غير أن الواقع يقول العكس. ولهذا، فعبارة "للقوات الشعبية" لا تدل على أن الحزب يضم في صفوفه كلَّ القوات الشعبية المغربية التي هي، عملياً، متعدِّدة التوجهات السياسية. والدليل على ذلك، أن قيادي "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" انحدر من "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" بسبب اختلاف التَّوجُّهات السياسية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...