أن نستعيد الزمن بالكتابة
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت
نجح المبدع الراحل "رضا البهات" في روايته "ساعة رملية تعمل بالكهرباء" في أن يمزج بين عوالم السياسة والسجن والجسد، عبر محاولة الراوي لفهم كيف وصلت حياته إلى ما آلت إليه؟ وكانت وسيلته أن يكتب رواية، لكنها أظهرت له أن حياته أكثر تشوشًا من أن تُروى في خط مستقيم، والراوي يعلن منذ الصفحات الأولى أن شفاءه ربما يكون في أن يقلل من الشراب وأن يكتب رواية عما رآه خلال سنوات عمره.
ربما لذلك اختار عنوانا غريبا يجمع فيه بين آليتين مختلفتين لقياس الزمن، الساعة الرملية البدائية والساعة الكهربائية الحديثة، بينما عالم الراوي لا يخضع لأي منهما، فالزمن عنده هو زمن الذاكرة، يعود فجأة، وينقطع، ويقفز بين الطفولة والسجن والنساء والثورة والأسرة والشارع.
تتميز "ساعة رملية تعمل بالكهرباء" بأنها رواية عن الكتابة نفسها، بطلها رجل تلاحقه الرواية التي يريد أن يكتبها، كل حادثة تقترح نفسها كمادة محتملة، وكل امرأة يقابلها تصبح شخصية، وكل ذكرى تستدعي ذكرى أخرى، لهذا تتكرر عبارات من نوع: "هذا خيط الرواية"، أو "سأكتب عن …"، وكأن النص يتشكل أمام القارئ. وفي السجن تصبح الرغبة في الكتابة أكثر إلحاحًا، ويكتشف الراوي أن أدوات السلطة في محو الإنسان تبدأ دائمًا بمحاولة قطع صلته بالذاكرة واللغة والزمن.
هنا تأتي واحدة من أكثر صفحات الرواية دلالة حين تتحول المناجاة إلى دعاء خاص جدًا: "اللهم اجعل لي قلمًا مبصرًا يكمل رواية بدأها". فالقلم هنا أداة المقاومة. وفي مقابل "الحديد والعتمة وإيلام البدن" يضع الراوي "الذاكرة والورقة والقلم" بوصفها ثلاثية مضادة.
انتزاع الزمن
والرواية لا تجعل السجن مركزا للحكاية، لكنها تكشف من خلاله ما يحدث للإنسان حين يُنتزع منه الزمن، فخارج الأسوار يستطيع أن يعرف الوقت من حركة الشوارع، ومن الآذان، ومن تغير الضوء. أما في الحبس الانفرادي فإن هذه العلامات تختفي، ويتقلص الزمن ويتحول إلى علامات على الجدران، ويصبح الجسد هو الساعة الأخيرة المتبقية للإنسان، وعلاماتها الجوع، الألم، النوم، الخوف. وهنا يتضح مغزى العنوان، فالساعة الموجودة في بداية الرواية معطلة، عصفورها يزقزق في غير موعده، وكأن الزمن في حياة البطل أصبح ساعة مختلة؛ يعرف أنه يمر، لكنه لا يستطيع قياسه.
تتحرك الرواية بين السجن والبيت والشارع، وتستدعي الطفولة والصبا والعلاقات العاطفية، وترسم منها جميعا خريطة اجتماعية وإنسانية واسعة، فالراوي ابن بيئة شعبية، لكنه أيضًا مثقف ويمارس الصحافة، وهذا الموقع المزدوج يجعله قادرًا على النظر إلى المجتمع من داخله وخارجه في الوقت نفسه، فلا يتحدث عن "الشعب" باعتباره كتلة مثالية، ولا عن الطبقات الشعبية بوصفها مستودعا للفضيلة، شخوصه مليئة بالتناقضات، وبالعنف والرغبة، بالخرافة، مثلا، أم زمزم، تنتمي إلى عالم حوشي لا يعرف التهذيب اللغوي الذي يفرضه المثقفون، لكنه يعرف الحياة بطريقته الخاصة، وذلك منح الرواية قدرتها على التقاط اللغة الحية، فيبدو الحوار جزءًا من بناء الشخصيات، الناس يتحدثون بلغتهم، يسبون ويضحكون ويسخرون ويقولون أشياء قاسية ثم يتحولون فجأة إلى كائنات شديدة الرقة.
النساء مرايا
أما النساء، فاطمة وأم زمزم ووردة وغيرهن، فكل امرأة منهن تكشف جانبًا مختلفًا من السيرة العاطفية للراوي، ولهذا تصبح فكرة المرأة المرآة بنية خفية في الرواية. الراوي يرى نفسه في النساء بقدر ما يراهن، إنهن يكشفن عن رغبته، وعن خوفه من الوحدة، وعجزه عن الاستقرار، وتردده بين الحرية والحاجة إلى الآخر.
هو أيضا يشارك في الحشد والتمرد، لكنه يقول بوضوح إنه لا يريد مالًا ولا شهرة ولا منصبًا، وإنما يريد أن يعيش في سلام، وأن يعمل ما يحب، وألا ينظر إليه أحد، هنا تضعنا الرواية أمام صورة مغايرة للصورة التقليدية للبطل السياسي. الراوي لا يثق كثيرًا في الزعامة، ويعرف كيف يمكن أن تتحول الجماهير إلى حاجة إلى قائد، وكيف يمكن للقائد أن يتحول إلى نسخة أخرى من السلطة التي ثار عليها، حتى داخل السجن يكتشف أن التراتب الاجتماعي لا يختفي تمامًا خلف القضبان. "الكبار كبار والصغار صغار"،
السجن لا يصنع مجتمعًا جديدًا، ولكن يحمل معه المجتمع القديم بكل طبقاته وأقنعته.
وحين تنتقل الرواية إلى مشاهد الغضب الجماعي، فإنها تقدم الجموع وكأنها ليست دائمًا واعية بما تفعله، والغضب يمكن أن يتحول إلى قوة عمياء، الراوي يريد أن يكتب عن "جحافل المنبوذين" الذين خرجوا إلى الشوارع، وليس عن أبطال تاريخيين يعرفون مسبقًا ما يريدون، فالناس يخرجون من الورش والأسواق والعشش والمدارس والشوارع الجانبية، ويصنعون حدثًا أكبر من وعي كل فرد منهم.
الحرية واليقين
أما الصراع الأعمق في الرواية فهو الصراع بين الحرية واليقين، الراوي لا يمتلك راحة المؤمن، ولا يقين المثقف الذي يظن أنه يعرف كل شيء. إنه شخص يعيش في منطقة القلق. ولهذا يبدو عداؤه الحقيقي موجهًا ضد اليقين السهل، وضد الجمل الجاهزة، سواء جاءت من السياسة أو الدين أو الثقافة، لذلك يدعو ألا يجعله الله ممن "يركن إلى يقين رخيص من جملة وجملتين"، وهي عبارة تلخص إلى حد بعيد روح النص كله.
إن "ساعة رملية تعمل بالكهرباء" لا تمنح قارئها شخصية مريحة، الراوي ليس بريئًا، ولا بطلاً كاملًا، ولا مثقفًا متعاليًا على أخطائه، وهو يكتب من داخل منطقة الالتباس، ولهذا تصبح الرواية أقرب إلى اعتراف طويل، لكنه غير مباشر، والذاكرة عند "رضا البهات" قوة انتقائية، تغير الوقائع، وتعيد ترتيب الأشخاص، وتمنح بعض التفاصيل أهمية دونما سبب، ولهذا فإن رواية تمتد على مساحة عقدين من محاولة الكتابة لا تصل في النهاية إلى حقيقة نهائية. حتى وصف الرواية نفسه يلخص هذا المشروع بأنها حكاية كاتب يحاول كتابة رواية طوال عقدين، ويغرق في عزلته ليكتشف أن ما بعد الأربعين ليس إلا مرحلة جديدة من اختبار الإنسان لنفسه.
وأخيرا فالرواية تمنحنا حكاية رجل اكتشف متأخرًا أن الزمن الذي عاشه لم يكن حياته حقًا إلا حين استعاده بالكتابة.