عبدالمنعم الهراق - حديث الكتب

في ليلة لا تشبه سائر الليالي، حين أغلقت المكتبة أبوابها، وانسحب القراء من بين الرفوف، بقيت الكتب وحدها مستيقظة، تتبادل همساتها في عتمة المكان ؛ وفجأة، سُمع صوت آت من آخر القاعة: إليّ… يا من كتبتم عني.
كان الصوت غريبا، عميقا، كأنه قادم من زمن بعيد، عبر المحيطات والصحارى والقرون ، التفتت الكتب إلى بعضها، فإذا برجل يقف في منتصف القاعة، بثياب مسافر أنهكته الرحلة، وعينين تحملان دهشة من رأى العالم ولم يترك العالم فيه إلا مزيدا من الأسئلة.
قال: أنا إستيبانيكو ... مصطفى الأزموري... الأسود الذي خرج من أزمور، وعبر المحيط، ومشى في أرض لا يعرف لغاتها، حتى صار اسمي حكاية تتنازعها الكتب ؛ ثم أشار بيده: سمعت أنكم كتبتم عني ؛ تعالوا واحدا واحدا، أريد أن أسمع منكم: أيُّ إستيبانيكو صنعتُم؟
تقدمت رواية "إستيبانيكو: الطريق إلى سيبولا" لمحمد البوعبيدي ، قالت: أنا رافقتك في الطريق، لم أتعامل معك بوصفك اسما عابرا في رحلة استكشافية، لكنني جعلت من الطريق نفسه بطلا؛ طريقا طويلا نحو سيبولا، إلى المجهول، صوب قدر لم تكن تعرف أين سينتهي بك.
ابتسم إستيبانيكو وقال: الطريق يعرف الإنسان أكثر مما يعرف الإنسان نفسه ، ثم أضاف: لكِ فضل أنك لم تجعلي الرحلة مجرد مسافة بين مكانين.
وتقدمت بعدها "جزيرة البكاء الطويل " لعبد الرحيم الخصار ، قالت بصوت حزين: أما أنا، فجئت من جهة أخرى ، حملتُ إليك وجع الجزيرة، وذاكرة البكاء، وما يختبئ خلف المغامرة من إنسان تاه بين الجغرافيا والتاريخ ؛ حاولت أن أبحث عنك في المسافة الفاصلة بين ما وقع فعلا وما تستطيع الرواية أن تستعيده من ذلك الماضي.
نظر إليها طويلا، وقال: لقد فهمت أن الرحلة ليست دائما بحثا عن مكان جديد… أحيانا تكون تنقيبا عن الذات التي ضاعت في المكان الأول.
ثم ظهرت "الأفرو أمريكي" لعبد العزيز آيت بنصالح ، قالت: أنا لم أرد أن أبقيك أسيرا لرحلتك وحدها ، أخذتُ شخصيتك إلى فضاء أوسع، حيث تتقاطع الهوية والعرق والمنفى والذاكرة، وعندما لا يكون السؤال: من أين جاء إستيبانيكو؟ بل: من يكون الإنسان حين يصبح غريبا في أكثر من وطن؟
تحرك إستيبانيكو من مكانه ، وقال: هذا السؤال أعرفه جيدا ، فأنا ابن أزمور، لكن البحر أخذني بعيدا ، وحين وصلت إلى العالم الجديد، لم أعد أعرف إن كنت مسافرا أم أسيرا، دليلا أم مملوكا، رجلا له ماض أم اسما تصنعه حكايات الآخرين.
ثم تقدمت رواية "ابن الشمس: ملحمة إستيبانيكو الأزموري" لحمزة بن دريس العثماني ؛ كانت تحمل في عنوانها شيئا من الكبرياء ، قالت: أنا جعلتك ملحمة ، رأيت في خروجك من أزمور إلى العالم الجديد أكثر من واقعة تاريخية؛ حسبتك رجلا يشق طريقه وسط عالم لا يعرفه، ويترك وراءه ظلالا من الأسئلة حول الإنسان والحرية والمصير.
ابتسم إستيبانيكو وقال : ابن الشمس؟ - ثم رفع رأسه كأنه يبحث عن شمس بعيدة - ربما لأن الشمس وحدها كانت تعرف أنني لم أكن مجرد تابع في رحلة رجل أبيض، لكنني كنت إنسانا يحمل في داخله شمس المكان الذي جاء منه.
وبقيت رواية واحدة في آخر الصف ، كانت هادئة، كأنها جاءت من مسافة أبعد من الجميع ، قال لها إستيبانيكو: وأنتِ؟
أجابته: أنا "ما رواه المغربي " لليلى العلمي ، كتبتني صاحبة قلمي بالإنجليزية، لكنني عدت إليك من لغة أخرى ، حكيتُ عن المغربي الذي وجد نفسه في العالم الجديد، عن الرجل الذي تكتب عنه سجلات التاريخ ببرود، بينما تحمل روحه ما لا تستطيع السجلات أن تكتبه.
ساد الصمت ؛ كان إستيبانيكو ينظر إلى الروايات الخمس ، ثم قال: عجيب أمري ، خرجت من أزمور منذ قرون، فظننت أنني ابتعدت عن كل شيء ، فإذا بي أعود إليكم من خلال الكتب ، كل واحد منكم رأى فيّ شيئا مختلفا ، واحد رأى الطريق، وآخر رأى البكاء، وثالثا رأى الهوية، ورابعا رأى الملحمة، وخامسا رأى المغربي الذي عبر إلى الضفة الأخرى ، ثم سكت قليلا وقال: لكنني أريد أن أحكم بينكم ، لن أحكم عليكم بحسب مقدار ما اقتربتم من الحقيقة التاريخية، لأنني أعرف أن التاريخ نفسه لم يقل كل شيء عني ، ولن أحكم عليكم بحسب عدد الصفحات، ولا بحسب جمال اللغة ، سأحكم عليكم بسؤال واحد: هل أعدتم إليّ إنسانيتي؟
لم تجب أي رواية.
تابع: من جعلني مجرد شخصية في رحلة، خسر جزءا مني ، ومن جعلني مجرد أسود في عالم أبيض، خسر جزءا مني ، ومن جعلني أسطورة فقط، خسر جزءا مني ، ومن جعلني مغربيا ضائعا بين عالمين، اقترب مني أكثر ، أما من جعلني إنسانا، له خوفه وحنينه ووحدته وأسئلته وأحلامه… فقد اقترب من إستيبانيكو الذي لم تستطع كتب التاريخ أن تحفظه.
ثم نظر إليها جميعا وقال: حكمي أنكم جميعا برأتموني من النسيان ، اختلفتم في صورتي، وهذا حقكم ؛ فالكاتب لا يستنسخ الإنسان، وإنما يعيد اكتشافه ، لكنكم اتفقتم على شيء واحد: أن رجلا خرج من أزمور ذات يوم، لم يكن رقما في سجل رحلة، ولا هامشا في كتاب تاريخ، ولا اسما غريبا في ذاكرة أمريكا ، كان مصطفى الأزموري ، وكان له وطن ، وله قلب كبير ، وطريق طويل .
ثم بدأ يتلاشى ببطء ، كأنه يعود إلى المسافة التي جاء منها ،وقبل أن يغيب تماما إلتفت إلى الروايات وقال : اكتبوا عني ما شئتم ، لكن لا تنسوا أن وراء كل شخصية تاريخية إنسانا كان ذات يوم يحلم بأن يعود إلى بيته ،وأنا إستيبانيكو… لم أعد أبحث عن سيبولا، فقد وجدتُ طريقي أخيرا إلى الكتب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...