المشهد الفلسطيني أمام اختبار المتغيرات: بين انتظار التحولات وصناعة البدائل
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
يدخل المشهد الفلسطيني مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمة السياسية مع الانقسام الداخلي، والضغوط الاقتصادية، والحرب في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان وتغيرات البيئة الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الخيارات الفلسطينية محكومة إلى حد كبير بمتغيرات خارجية، ولا سيما اتجاهات السياسة الإسرائيلية المقبلة، ومواقف القوى العربية والدولية، وما يمكن أن تفرزه التطورات الإقليمية من فرص أو قيود.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في صعوبة الظروف، وإنما في أن حالة الانتظار نفسها باتت تشكل جزءاً من الأزمة. فانتظار نتائج التحولات داخل إسرائيل، أو طبيعة المواقف العربية والدولية، لا يوفر بالضرورة مساراً سياسياً واضحاً، خصوصاً أن احتمالات التغيير لا تعني تلقائياً تغيراً في جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
الانتخابات بين الشرعية ومتطلبات الواقع
يبرز الاستحقاق الانتخابي بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً. فالانتخابات التشريعية الشاملة تحتاج إلى ظروف سياسية وأمنية وجغرافية تسمح بمشاركة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل استمرار الانقسام والحرب والقيود المفروضة على الحياة السياسية في الأراضي الفلسطينية.
ومن هنا يطرح خيار التوافق على إعادة تفعيل المجلس الوطني أو تشكيل إطار تمثيلي توافقي باعتباره مخرجاً من حالة الجمود. إلا أن هذا الخيار ينبغي ألا يتحول إلى بديل دائم عن الانتخابات، لأن تجديد الشرعية السياسية يظل مرتبطاً، في جوهره، بإرادة الناخبين وبآليات ديمقراطية واضحة.
وفي حال تعذر إجراء انتخابات شاملة في المرحلة الحالية، فإن أي صيغة توافقية يجب أن تكون انتقالية ومحددة الأهداف والمدة، وأن ترتبط بخارطة طريق واضحة تقود في نهاية المطاف إلى انتخابات عامة وتجديد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.
الوعود الدولية والعربية وحدود الرهان عليها
لا شك أن الموقفين العربي والدولي يشكلان عنصراً مهماً في معادلة الصراع، سواء على صعيد الدعم السياسي والدبلوماسي أو المساعدات الاقتصادية والإنسانية أو الجهود المتعلقة بوقف الحرب وإعادة إعمار غزة.
لكن التجربة السياسية تؤكد أن الوعود الخارجية لا تكفي وحدها لصناعة تسوية. فالمواقف الدولية تتأثر بموازين القوى والمصالح الاستراتيجية، كما أن قدرة الأطراف العربية والدولية على التأثير في القرار الإسرائيلي تظل مرتبطة بمدى استعدادها لاستخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
لذلك، فإن التعويل على متغير خارجي ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع، لا أن يتحول إلى أساس وحيد لصناعة القرار الفلسطيني.
استمرار اليمين الإسرائيلي واحتمالات انسداد الأفق
يشكل احتمال استمرار اليمين الإسرائيلي في الحكم تحدياً استراتيجياً بالغ الخطورة، خصوصاً في ظل مواقف سياسية تتعامل مع الاستيطان والضم وتوسيع السيطرة الإسرائيلية باعتبارها أدوات لإعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي.
غير أن المشكلة لا تنحصر في هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة؛ إذ إن التجربة التاريخية تشير إلى أن الخلافات بين الحكومات الإسرائيلية قد تتعلق بدرجة إدارة الصراع وأدواته، دون أن تعني بالضرورة وجود توافق إسرائيلي على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
وعليه، فإن بناء الاستراتيجية الفلسطينية على فرضية تغير الحكومة الإسرائيلية وحده ينطوي على مخاطرة سياسية. المطلوب هو الاستعداد لمختلف السيناريوهات، سواء بقي اليمين في الحكم أو حدث تغير سياسي داخل إسرائيل.
غزة: مفتاح إعادة ترتيب النظام السياسي
يبقى قطاع غزة العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. فاستمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية والسياسية تجعل من الصعب تصور انتخابات شاملة في المدى القريب، كما أن مستقبل إدارة القطاع وإعادة الإعمار يمثلان جزءاً أساسياً من أي ترتيبات سياسية مقبلة.
ومن هنا، فإن معالجة ملف غزة لا ينبغي أن تقتصر على ترتيبات إدارية أو أمنية مؤقتة، بل يجب أن تكون جزءاً من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.
أي صيغة تفصل غزة سياسياً عن الضفة الغربية ستعيد إنتاج الانقسام بأشكال جديدة، بينما المطلوب صيغة فلسطينية تضمن وحدة القرار والمؤسسات والمرجعية السياسية، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية وصولاً إلى انتخابات شاملة.
المطلوب: الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الخيارات
المعادلة الفلسطينية اليوم تحتاج إلى تحول في طريقة التفكير. فلا يكفي انتظار تغير الحكومة الإسرائيلية، ولا التعويل على مبادرات دولية، ولا الاكتفاء بإدارة الأزمة المالية والسياسية.
المطلوب بناء استراتيجية وطنية متعددة المسارات تقوم على خمسة مرتكزات أساسية: أولاً، استعادة الوحدة الوطنية على أساس سياسي واضح؛ وثانياً، إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتفعيل دورها التمثيلي؛ وثالثاً، وضع ترتيبات انتقالية للشرعية السياسية إذا تعذر إجراء الانتخابات، على أن تكون محددة زمنياً؛ ورابعاً، تعزيز المسار القانوني والدبلوماسي الدولي لمواجهة الاستيطان والضم وانتهاكات القانون الدولي؛ وخامساً، حماية الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز القدرة على الصمود وتقليل الارتهان لمصادر التمويل والقرار الخارجي.
كما أن المرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، لأن الشرعية لا تستمد فقط من الاعتراف الدولي، وإنما من القدرة على تمثيل المجتمع والتعبير عن مصالحه والاستجابة لتطلعاته.
لا بديل عن المبادرة الفلسطينية
المشهد الحالي لا يسمح بتفاؤل مبالغ فيه، لكنه في الوقت نفسه لا يبرر الاستسلام لمنطق الانتظار. فالسياسة الإسرائيلية قد تتغير، والمواقف الإقليمية قد تتبدل، والضغوط الدولية قد تتصاعد، لكن أي تغير خارجي لن يكون بديلاً عن ترتيب البيت الفلسطيني.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الفلسطينية ليس فقط استمرار حكومة يمينية إسرائيلية، وإنما استمرار حالة الجمود الفلسطيني بانتظار أن ينتج الآخرون الحل.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى قرار فلسطيني يعيد تعريف الأولويات، ويجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالحقوق الوطنية، وبين إدارة الممكن والعمل على تغيير الممكن، ويحوّل الدعم العربي والدولي من مجرد وعود سياسية إلى التزامات عملية قابلة للقياس.
وفي المحصلة، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: ماذا ستفعل إسرائيل؟ أو ماذا سيفعل المجتمع الدولي؟ بل أصبح: ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا بأنفسهم، وكيف يمكن تحويل حالة الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي والوطني على أسس أكثر وحدة وشرعية وفاعلية؟
فالرهان الحقيقي ليس على متغيرات الآخرين، وإنما على القدرة الفلسطينية على صناعة البدائل، وامتلاك رؤية وطنية طويلة المدى، وإعادة بناء عناصر القوة السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية، بما يحفظ الحقوق الوطنية ويمنع تحويل الانتظار إلى قدر دائم.
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
يدخل المشهد الفلسطيني مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمة السياسية مع الانقسام الداخلي، والضغوط الاقتصادية، والحرب في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان وتغيرات البيئة الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الخيارات الفلسطينية محكومة إلى حد كبير بمتغيرات خارجية، ولا سيما اتجاهات السياسة الإسرائيلية المقبلة، ومواقف القوى العربية والدولية، وما يمكن أن تفرزه التطورات الإقليمية من فرص أو قيود.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في صعوبة الظروف، وإنما في أن حالة الانتظار نفسها باتت تشكل جزءاً من الأزمة. فانتظار نتائج التحولات داخل إسرائيل، أو طبيعة المواقف العربية والدولية، لا يوفر بالضرورة مساراً سياسياً واضحاً، خصوصاً أن احتمالات التغيير لا تعني تلقائياً تغيراً في جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
الانتخابات بين الشرعية ومتطلبات الواقع
يبرز الاستحقاق الانتخابي بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً. فالانتخابات التشريعية الشاملة تحتاج إلى ظروف سياسية وأمنية وجغرافية تسمح بمشاركة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل استمرار الانقسام والحرب والقيود المفروضة على الحياة السياسية في الأراضي الفلسطينية.
ومن هنا يطرح خيار التوافق على إعادة تفعيل المجلس الوطني أو تشكيل إطار تمثيلي توافقي باعتباره مخرجاً من حالة الجمود. إلا أن هذا الخيار ينبغي ألا يتحول إلى بديل دائم عن الانتخابات، لأن تجديد الشرعية السياسية يظل مرتبطاً، في جوهره، بإرادة الناخبين وبآليات ديمقراطية واضحة.
وفي حال تعذر إجراء انتخابات شاملة في المرحلة الحالية، فإن أي صيغة توافقية يجب أن تكون انتقالية ومحددة الأهداف والمدة، وأن ترتبط بخارطة طريق واضحة تقود في نهاية المطاف إلى انتخابات عامة وتجديد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.
الوعود الدولية والعربية وحدود الرهان عليها
لا شك أن الموقفين العربي والدولي يشكلان عنصراً مهماً في معادلة الصراع، سواء على صعيد الدعم السياسي والدبلوماسي أو المساعدات الاقتصادية والإنسانية أو الجهود المتعلقة بوقف الحرب وإعادة إعمار غزة.
لكن التجربة السياسية تؤكد أن الوعود الخارجية لا تكفي وحدها لصناعة تسوية. فالمواقف الدولية تتأثر بموازين القوى والمصالح الاستراتيجية، كما أن قدرة الأطراف العربية والدولية على التأثير في القرار الإسرائيلي تظل مرتبطة بمدى استعدادها لاستخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
لذلك، فإن التعويل على متغير خارجي ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع، لا أن يتحول إلى أساس وحيد لصناعة القرار الفلسطيني.
استمرار اليمين الإسرائيلي واحتمالات انسداد الأفق
يشكل احتمال استمرار اليمين الإسرائيلي في الحكم تحدياً استراتيجياً بالغ الخطورة، خصوصاً في ظل مواقف سياسية تتعامل مع الاستيطان والضم وتوسيع السيطرة الإسرائيلية باعتبارها أدوات لإعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي.
غير أن المشكلة لا تنحصر في هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة؛ إذ إن التجربة التاريخية تشير إلى أن الخلافات بين الحكومات الإسرائيلية قد تتعلق بدرجة إدارة الصراع وأدواته، دون أن تعني بالضرورة وجود توافق إسرائيلي على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
وعليه، فإن بناء الاستراتيجية الفلسطينية على فرضية تغير الحكومة الإسرائيلية وحده ينطوي على مخاطرة سياسية. المطلوب هو الاستعداد لمختلف السيناريوهات، سواء بقي اليمين في الحكم أو حدث تغير سياسي داخل إسرائيل.
غزة: مفتاح إعادة ترتيب النظام السياسي
يبقى قطاع غزة العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. فاستمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية والسياسية تجعل من الصعب تصور انتخابات شاملة في المدى القريب، كما أن مستقبل إدارة القطاع وإعادة الإعمار يمثلان جزءاً أساسياً من أي ترتيبات سياسية مقبلة.
ومن هنا، فإن معالجة ملف غزة لا ينبغي أن تقتصر على ترتيبات إدارية أو أمنية مؤقتة، بل يجب أن تكون جزءاً من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وحدة الأرض والشعب والمؤسسات.
أي صيغة تفصل غزة سياسياً عن الضفة الغربية ستعيد إنتاج الانقسام بأشكال جديدة، بينما المطلوب صيغة فلسطينية تضمن وحدة القرار والمؤسسات والمرجعية السياسية، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية وصولاً إلى انتخابات شاملة.
المطلوب: الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الخيارات
المعادلة الفلسطينية اليوم تحتاج إلى تحول في طريقة التفكير. فلا يكفي انتظار تغير الحكومة الإسرائيلية، ولا التعويل على مبادرات دولية، ولا الاكتفاء بإدارة الأزمة المالية والسياسية.
المطلوب بناء استراتيجية وطنية متعددة المسارات تقوم على خمسة مرتكزات أساسية: أولاً، استعادة الوحدة الوطنية على أساس سياسي واضح؛ وثانياً، إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتفعيل دورها التمثيلي؛ وثالثاً، وضع ترتيبات انتقالية للشرعية السياسية إذا تعذر إجراء الانتخابات، على أن تكون محددة زمنياً؛ ورابعاً، تعزيز المسار القانوني والدبلوماسي الدولي لمواجهة الاستيطان والضم وانتهاكات القانون الدولي؛ وخامساً، حماية الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز القدرة على الصمود وتقليل الارتهان لمصادر التمويل والقرار الخارجي.
كما أن المرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، لأن الشرعية لا تستمد فقط من الاعتراف الدولي، وإنما من القدرة على تمثيل المجتمع والتعبير عن مصالحه والاستجابة لتطلعاته.
لا بديل عن المبادرة الفلسطينية
المشهد الحالي لا يسمح بتفاؤل مبالغ فيه، لكنه في الوقت نفسه لا يبرر الاستسلام لمنطق الانتظار. فالسياسة الإسرائيلية قد تتغير، والمواقف الإقليمية قد تتبدل، والضغوط الدولية قد تتصاعد، لكن أي تغير خارجي لن يكون بديلاً عن ترتيب البيت الفلسطيني.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الفلسطينية ليس فقط استمرار حكومة يمينية إسرائيلية، وإنما استمرار حالة الجمود الفلسطيني بانتظار أن ينتج الآخرون الحل.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى قرار فلسطيني يعيد تعريف الأولويات، ويجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالحقوق الوطنية، وبين إدارة الممكن والعمل على تغيير الممكن، ويحوّل الدعم العربي والدولي من مجرد وعود سياسية إلى التزامات عملية قابلة للقياس.
وفي المحصلة، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: ماذا ستفعل إسرائيل؟ أو ماذا سيفعل المجتمع الدولي؟ بل أصبح: ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا بأنفسهم، وكيف يمكن تحويل حالة الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي والوطني على أسس أكثر وحدة وشرعية وفاعلية؟
فالرهان الحقيقي ليس على متغيرات الآخرين، وإنما على القدرة الفلسطينية على صناعة البدائل، وامتلاك رؤية وطنية طويلة المدى، وإعادة بناء عناصر القوة السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية، بما يحفظ الحقوق الوطنية ويمنع تحويل الانتظار إلى قدر دائم.