المصورة الفوتوغرافية رولا حلواني: تعبيري عن قضية فلسطين تعبير عن حياتي الخاصة
حوار أجراه - جعفر الديري:
على هامش تقديمها دورتين في التصوير الفوتوغرافي في صالة الرواق للفنون التشكيلية بالعاصمة البحرينية المنامة، بتاريخ 16 يوليو 2007، -حيث حضر الدورتين عدد من الطلبة والمهتمين، وحيث قدمت لهم دروساً من وحي تجربتها كمصورة فلسطينية وأستاذة في جامعة بيرزيت، قدمت الكثير من الدورات في فلسطين وبعض الدول العربية وفي بعض دول العالم كفرنسا وأمريكا والصين، كان لنا هذا اللقاء مع المصورة الفلسطينية رولا حلواني، التي انشغلت ولا تزال بالقضية الفلسطينية، فعمدت بعدسة التصوير إلى التقاط الكثير من جوانب الحياة الفلسطينية تحت واقع الاحتلال. تكشف حلواني في هذا الحوار، عن كثير من الملابسات التي تكتنف حياة المصور والفنان الفلسطيني عموما فضلاً عن رجل الشارع العادي، وتؤكد أن القضية الفلسطينية جزء من حياتها بل هو الجزء الأهم الذي يتعانق بقوة مع حياتها الخاصة، فإلى هذا الحوار...
* متى بدأ هذا العشق للصورة؟ وهل تخطّطين لمشاريع التصوير؟
- أحب الفن بشكل كبير، وأؤمن بأنه وسيلة مهمة للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر، ولكني عندما أصوّر لا أخطط للعمل، فأنا أعيش تجربة معينة وعلى أساسها تظهر أعمالي، وتأتيني في اللاوعي بصورة طبيعية، ومن ثم أعكسها بالعدسة كقصة أو مجموعة من الصور، لكن ما نعانيه نحن الفلسطينيون بشكل عام له دور كبير في إنتاجنا، فأنا عندما أعيش وضعاً صعباً للغاية من الطبيعي أن يدفعني للتعبير عنه عن طريق عملي وصوري.
الفن يمكنه التغيير
* وهل يمتلك الفن حقاً المقدرة على التغيير خصوصا في قضية كبيرة مثل هذه؟
- لا أستطيع القول ان الفن قادر على التغيير مئة بالمئة، ولكن لا يزال له دور كبير في تنبيه الناس، فمثلاً سبق لي أن أقمت معرضاً في أمريكا والعديد من الذين شاهدوا صوري المعروضة أبدوا دهشتهم مما شاهدوه وقالوا إنهم لم يكونوا يرون الأمور واضحة كما هي في هذه المعرض، فهم عن طريق هذه الصور استطاعوا أن يدركوا الكثير من الأشياء الغائبة عنهم فكأنما عايشوا الوضع الفلسطيني الصعب عن قرب. لقد ذكروا انهم رأوا في هذه الصور خلاف ما كانوا يشاهدونه في صحفهم ومجلاتهم، فهذه الصور كانت أقوى بكثير مما كان يعرض لهم، إذن فقد ساهمت هذه الصور في إعطائهم الشيء الكثير من معاناة الفلسطينيين، حيث عرضت عليهم القضية الفلسطينية بصورة مختلفة جعلتهم يعايشونها، وهو أمر يدل على مدى المساهمة التي يمكن للفن أن يقدمها.
هاجمني بعض الغربيين
* وجدت إذاً تعاطفا واضحاً في الغرب مع ما تعرضين من صور تجسّد المحنة الفلسطينية؟
- في العادة من يفد إلى معارضي هم المهتمون بالقضية الفلسطينية، والناس في الدول العربية هم الأكثر تعاطفاً -طبعاً- مع القضية الفلسطينية، لكن حتى في المعارض التي أقوم بها في دول أخرى غير عربية، أجد مهتمين بالفن والتعرف على إنتاجي أو بالقضية الفلسطينية، لكن الأمر لا يخلو طبعاً من ردات فعل معاكسة هناك، فهناك من يهاجمني أيضا، لكنهم معدودون.
عانينا ولا نزال
* يبدو أنك تعانين بالفعل بسبب احترافك هذا اللون من التصوير؟
- أجل، لقد عانيت الكثير ولا أزال، وفي الفترة من العام 1989 إلى العام 1997 وكنت وقتها مصورة صحفية، عانيت أكثر، فقد كسروا كاميرتي مرتين، وأتذكر في إحدى المرات وكنت أصورّ في الخليل، أن جندياً منهم أزاحني بالبندقية، فمتى كانوا رافضين لقيامك بالتصوير فسيجدون مليون طريقة كي يمنعوك من ذلك، فهم لا يقدرون ما تقوم به، وهذا ليس كلاماً عن الجنود فقط، فهم عموماً لا يهتمون بالسؤال: كيف يعيش غيرهم أو حتى هل يستطيع العيش؟ فهم يريدون أخذ ما يشاءون دون اهتمام بالآخرين.
أكره السياسيين
* ألم يقض الاحتلال على جزء من حياتكم الخاصة ويمنعكم من معالجتها في إبداعاتكم؟
- الاحتلال لم يقض على ذلك فنحن من اختار ذلك، ونحن فضلنا أن نعمل على القضية الكبرى وهي أيضاً قضية خاصة، فأنا عندما أقوم بالتصوير بالطريقة التي أحبها من عكس للتجارب التي أعيشها إنما أعبر عن جزء من حياتي. وأنا لا أؤمن بالسياسة بل أكرهها وأكره السياسيين، فهم لا يساهمون بأي حل للقضية الفلسطينية بل إنهم يورطونها أكثر فأكثر، لكن لو تأملت في أعمالي لوجدتها كلها سياسية، فأنا أعبر عن نفسي وعن شعبي وعن أرضي، فهذا النوع من الفن لم يفرض علينا بل نحن قد اخترناه، وعندما أقوم بتصوير قضية بلادي فإن في صوري تجربة خاصة، القضية الفلسطينية لم تحرمنا من معالجة قضايا أخرى، فالتعبير عنها موجود، وهناك من يقوم بمعالجتها وهناك فنانون جدد مهتمون بهذه القضايا وليس لهم علاقة بالسياسة، ويعملون عليها بشتّى المظاهر.
أهرب من الصور المؤطَّرة
* عندي إحساس بأنك تحاولين الهرب في أعمالك من الصور المؤطرة، فأنت تهربين من الصور التي تكشف عن زمان ومكان محددين؟
- هذا صحيح، على سبيل المثال عندما قمت بالتصوير عن الاجتياح السلبي، كانت هذه المناظر تذكرني وأنا أصور في الشوارع بالأحداث التي حدثت في عام 48 - والتي لم أرها عياناً، لكني عرفتها عن طريق الكتب والقصص التي كان يحكيها أهلي - وبالأحداث التي حدثت في عام 67، فأحببت أن يتأمل الناس في هذه الصور ويتساءلوا عن تاريخها هل هي حقبة 48 أم 56 أم 67 ؟ أحببت أن يشعر الناس بأن هذه الصور لا تعبر عن ما يحدث اليوم وإنما عن أي حرب مرت أو عن أي احتلال.
نشر في صحيفة الوطن البحرينية: العدد (585) الأربعاء 18 يوليو العام 2007.