حسين عبروس-"أعظم ما نحتاجه في مولدك..! "

"أعظم ما نحتاجه في مولدك..! "
- رســــــــــولَ الله، هل أشكـــــوك ما بي
من الأشــــــــــواقِ، أم أشكو اغترابـــــي؟
......
يجيء مولدك يا رسول الله ﷺ، فتتحرك فينا ذاكرةٌ قديمة، وتفيض الألسنة بالصلاة عليك، وتُضاء الليالي باسمك، ويعلو صوت المدائح؛ لكن شيئًا في أعماقنا يظل صامتًا، كأنه يسألنا في خجلٍ موجع: إذا كنا نحبك، فلماذا ابتعدنا عن بعض ما جئتَ به؟ لست أشكو إليك غيابك، فقد تركت لنا كتاب الله وسنتك وسيرةً ما زالت تهدي من أراد الهداية، وإنّما أشكو اغترابنا عن روح الرّسالة؛ وعن ذلك النّور الذي كان يجعل الإيمان حياةً كاملة، لا اسمًا موروثًا، ولا مظهرًا عابرًا، ولا خصومةً لا تنتهي حول القشور.
نحن الذين وجدنا الإسلام في المهد، وفتحنا أعيننا عليه قبل أن نعرف عظمته، وورثنا الشّهادة قبل أن نعرف معنى ثقلها، وورثنا الأذان قبل أن نتعلّم ماذا يعني أن ينادي الإنسان ربَّه من أعماق قلبه. أمّا الذين آمنوا بك أوّل مرة، فقد دخلوا الإسلام وهم يعرفون أن وراء الكلمة ثمنًا، وأن الإيمان قد يجرّد الإنسان من ماله ووطنه وأمانه، ومع ذلك اختاروا النّور حين كانت العتمة أكثر أمانًا. لم يكن الإسلام عندهم ميراثًا اجتماعيًا، بل كان ميلادًا للإنسان؛ غيّر نظرتهم إلى الله وإلى أنفسهم وإلى الحياة.
أمّا نحن، فقد ألفنا النّعمة حتى كأنّها حقٌّ لا يُسأل عنه، وألفنا الاسم حتى أصبح أحيانًا أكبر من المعنى. صرنا نعرف كيف يبدو المسلم، ولا نسأل بالقدر نفسه كيف يكون المسلم؛ نختلف على هيئة اللّحية والثّوب، ونتخاصم حول الجزئيات، ثمّ نترك في القلب متّسعًا للحسد والكبر والشماتة، وفي اللّسان مجالًا للغيبة والبهتان، والزّور، وفي المعاملة أبوابًا للظلم والخيانة. كأنّنا حفظنا قشرة الدّين، ثم نسينا أن جوهره إنسانٌ يطهّر قلبه قبل أن يزيّن مظهره.
يا رسول الله، ما أقسى أن نرفع اسمك عاليًا في الكلام، ثم لا يرتفع فينا خلقٌ واحد إلى مستوى ذلك الاسم. نصلّي عليك بألسنتنا، ثم نقسو على إنسانٍ لا يملك دفع أذانا؛ نمدح رحمتك، ثم تضيق صدورنا بالمختلف معنا؛ نتحدث عن عدلك، ثم نبحث لأنفسنا عن ألف عذر حين نظلم؛ نتغنى بأمانتك، ثم يصبح الصدق عند بعضنا ترفًا حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة. وما أوجع أن يتحول الدين في حياة الإنسان من قوّةٍ تحرّره إلى عادةٍ تمنحه شعورًا زائفًا بأنّه قد بلغ الغاية، بينما الرّحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لقد جئتنا برسالةٍ تجعل العلم عبادة، والعمل كرامة، والعدل أساس العمران، والرّحمة لغةً بين البشر؛ فإذا بنا أحيانًا نستهلك ما يصنعه غيرنا، ونستظل بأمجاد أسلافنا، ونكثر من الحديث عن القوة ونحن لا نملك أسبابها، وعن النهضة ونحن لا نحتمل مشقتها، وعن الوحدة ونحن نبحث في كل اختلاف عن سببٍ جديد للانقسام. ما أقسى أن يكون ماضينا مضيئًا إلى الحد الذي يعمينا عن عتمة حاضرنا.
ومع ذلك، يا رسول الله، لا أريد أن أكتب عن أمةٍ ضاعت؛ لأن الأمة التي ما زالت تعرف طريقها إلى الله لم تضِع تمامًا، والقلب الذي يتألم من عتمته لم يمت. أريد أن يكون المولد موعدًا نعود فيه إلى أنفسنا لا إلى مظاهرنا، وأن نقف لحظةً بعيدًا عن الضجيج ونسأل: ماذا صنع الإيمان فينا؟ ماذا غيّر؟ ماذا طهّر؟ ماذا بنى؟ وهل في بيوتنا ومجتمعاتنا وأعمالنا شيءٌ من الرحمة والعدل والصدق الذي جئت به؟
لا نستطيع أن نعيد زمن الصحابة، ولا أن نحمل أعباءهم كما حملوها، لكننا نستطيع أن نخوض معركتنا نحن: أن نهاجر من الكذب إلى الصدق، ومن الحقد إلى الصفح، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكسل إلى العمل، ومن عبادة المظهر إلى صدق الجوهر. نستطيع أن نعيد للإسلام صورته التي لا تحتاج إلى كثير كلام؛ إنسانٌ إذا ائتمنته أمِنت، وإذا خاصمك لم يظلمك، وإذا قدر عليك عفا، وإذا عمل أتقن، وإذا رأى ضعيفًا انحنى له قلبه قبل أن تمتد إليه يده.
فيا رسول الله ﷺ، لعلّ أعظم ما نحتاجه في مولدك ليس مزيدًا من الأصوات، وإنّما لحظة صمتٍ طويلة نسمع فيها ضميرنا. لعلنا نحتاج أن نطفئ شيئًا من أضواء الاحتفال لنرى ما أطفأناه في داخلنا، وأن نكفّ قليلًا عن الحديث عن محبتك لنختبر أثر هذه المحبة في أخلاقنا. فالمولد الذي لا يوقظ الضمير يبقى ذكرى، والمحبة التي لا تصنع اقتداءً تبقى دعوى، والدين الذي لا يحرر الإنسان من ظلمه لنفسه ولغيره لم يبلغ بعدُ موضعه من القلب.
رسولَ الله… هل أشكو إليك شوقي أم أشكو اغترابي؟ لعل الجواب يسكن فينا جميعًا: إننا لا نشتاق إلى زمنك بقدر ما نشتاق إلى إنسانٍ يشبه ذلك الإنسان الذي صنعته رسالتك؛ إنسانٍ لا يخاف الحق، ولا يبيع ضميره، ولا يجعل الدين سلّمًا إلى مصلحة، ولا يجعل الاختلاف بابًا للكراهية. فإذا استطعنا أن نُخرج من المولد قلبًا أكثر صفاءً، وعقلًا أكثر وعيًا، ويدًا أكثر عملًا، ولسانًا أكثر صدقًا، وإنسانًا أكثر رحمة، فقد ولد فينا شيءٌ يستحق أن يُسمّى حياة.
فيا أمة محمد ﷺ، لا تسألوا هذا العام: كيف نحتفل بمولد رسول الله؟ اسألوا السؤال الأصعب والأجمل: كيف نولد نحن من جديد؟ فإذا ولد الإنسان فينا، خرج الإسلام من قشرة الاحتفال إلى عمق الحياة، وعادت السّيرة نورًا يمشي بين الناس، وعاد المولد من ذكرى في التقويم إلى يقظةٍ في القلب.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...