نبيل العريني - ثقب مطار رامون وفتحة كريم أبو شالوم.

حين نأخذ فكرة "الانتخاب الطبيعي" من سياقها البيولوجي ونضعها في سياق غزة، فإننا لا نتحدث عن تطور، بل عن تفكيك. الدنيا هنا لا تفرز الأقوى ليبقى، بل تدفع بالأنقى والأكثر كفاءة إلى الحافة، ثم إلى الخارج. هذا الخروج المتتالي للأطباء، والكتاب، والمهندسين، والأكاديميين، ليس مجرد أرقام في قاعات المغادرة. إنه سحب منظم لخيوط الأمان التي تمسك النسيج بأكمله. والنتيجة الحتمية لكل هذا التراكم هي السقوط في قاع الهشاشة المجتمعية.
ما هي هذه الهشاشة؟ إنها الحالة التي يصبح فيها المجتمع كالزجاج الرقيق. يبدو واقفاً متماسكاً من بعيد، لكنه يفتقد للعصب الداخلي الذي يحميه من أي صدمة. حين تفقد غزة نخبها، فإنها تفقد "المخمدات" الروحية والفكرية والعلمية التي تمتص الأزمات. غياب الطبيب الماهر يعني أن أبسط الأمراض تصبح قاتلة. وغياب المفكر والفنان يعني أن الأفكار المتطرفة والدخيلة تجد أرضاً خصبة بلا مقاومة.
هذا الانتخاب القسري يفضي بالتدريج إلى أخطر أنواع التراكمات: تراكم الفراغ.
والفراغ في علم الاجتماع لا يظل فارغاً، بل يمتلئ فوراً بالبدائل المشوهة. عندما يغيب الوعي والعلم والأمان النفسي، يحل محلها القلق المزمن، والارتجال، والبحث الفردي الساحق عن الخلاص. المجتمع الهش هو مجتمع يفقد ذاكرته التراكمية؛ فكل جيل يبدأ من الصفر لأن جيل الأساتذة قد غادر. يتحول المجتمع من كيان ينتج المعرفة والحضارة، إلى مجتمع "رد فعل" دائم، مستنزف جسدياً وعقلياً، عاجز عن التخطيط ليوم غد، لأن يومه الحالي مليء بالثقوب.
إن الخطر الحقيقي الذي نواجهه ليس مجرد نقص في الكوادر، بل هو تحول الهشاشة إلى "بنية ثابتة" ونمط حياة. هو أن تصبح غزة، التي طالما عُرفت بصلابتها الوعائية، مجتمعاً منهكاً من الداخل، يسهل كسر إرادته لأن أعمدته الرفيعة جرى اقتلاعها واحداً تلو الآخر باسم النجاة الفردية والمنح البعيدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...