الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي - صفر جامعة عراقية

خروج الجامعات العراقية من أفضل ألف جامعة في تصنيف شنغهاي 2026 يجب ألا يتحول إلى محاكمة للأستاذ العراقي.بل إلى محاكمة للمنظومة التي لم تستطع أن تمنح الأستاذ البيئة التي يحتاجها لكي يكون عالماً. فالتصنيف العالمي لا يسأل الأستاذ العراقي إن كان يحب وطنه. ولا يسأله إن كان يعمل بضمير. ولا يعرف عدد الساعات التي أمضاها في قاعة الدرس.

تصنيف شنغهاي يضع هذه الحقيقة أمامنا بلا زخرفة. فالقائمة العالمية تعتمد على ستة مؤشرات رئيسية تتعلق بالجوائز العلمية الكبرى، والباحثين الأكثر استشهاداً، والنشر في نيتشر وساينس NatureوScience، والأبحاث المفهرسة عالمياًWeb of Science، ثم الأداء الأكاديمي للفرد.أي أن السؤال الحقيقي ليس: كم جامعة لدينا؟ بل: كم جامعة لدينا تستطيع أن تنتج معرفة تنافس العالم؟

في العراق اليوم نحو 54 جامعة حكومية و56 جامعة أهلية ، تتنافس على الظهور في عشرات التصنيفات العالمية، غير أن هذه التصنيفات ليست كلها سواء؛ فبعضها تحوّل إلى صناعة تجارية يمكن للمؤسسات أن تدفع مقابل خدماتها وتسويق حضورها فيها، كما حدث مع تايمز للتعليم العالي وكيو إس اللتين طالما جرى الاحتفاء بتصنيفاتهما في العراق، حتى أُنفقت أموال كبيرة على فعاليات واحتفالات لا تصنع جامعة ولا تنتج بحثًا. أما تصنيف شنغهاي فله حكاية أخرى؛ فهو يقوم أساسًا على مؤشرات بحثية وأكاديمية قابلة للقياس، ولا يُشترى بالمال ولا تُرفع مرتبته بالاحتفالات والبروتوكولات. هناك فرق بين جامعة تشتري منصةً إعلامية، وجامعة تشتري مكانًا حقيقيًا في خريطة العلم

قد يكون لديك أستاذ عراقي ممتاز. لكن ماذا يستطيع أن يفعل وحده؟ إذا لم يجد مختبراً؟إذا لم يجد تمويلاً؟إذا لم يجد فريقاً بحثياً؟ إذا كان نصف وقته يذهب في الأعمال الإدارية؟ إذا كان الوصول إلى قواعد البيانات العلمية صعباً؟ إذا كانت الترقية أهم من الاكتشاف؟ إذا كان المشروع البحثي يحتاج أشهراً من المخاطبات للحصول على الموافقات؟ إذا كان الطالب نفسه يأتي إلى الدراسات العليا وهو غير مدرب على البحث الحقيقي؟ هل نلوم الأستاذ بعد ذلك لأنه لم يصبح حائزاً على نوبل؟ هذه ليست سخرية. هذه هي مأساة العلم عندما تتحول الجامعة إلى جهاز إداري. العالم لا يصنعه القرار الإداري. العالم يصنعه السؤال. والسؤال يحتاج إلى حرية. والتجربة تحتاج إلى مختبر. والاكتشاف يحتاج إلى وقت. والوقت يحتاج إلى نظام يحترم الباحث.

لقد أصبح العالم اليوم يتعامل مع الجامعات باعتبارها شبكات دولية لإنتاج المعرفة. باحث في بغداد يعمل مع باحث في طوكيو. مختبر في الرياض يتعاون مع مختبر في برلين. جامعة في القاهرة تتصل بمركز بحثي في الولايات المتحدة. بيانات تنتقل في ثوانٍ. ومقالة واحدة يمكن أن يقرأها آلاف الباحثين.

أما الجامعة التي تعمل داخل حدودها، وتعيد إنتاج المعرفة نفسها، وتكتفي بالنشر من أجل استكمال المتطلبات الإدارية، فإنها تصبح معزولة عن التيار العالمي للعلم. ولذلك فإن إصلاح التعليم العالي العراقي لا يبدأ بإضافة مادة جديدة إلى المناهج. يبدأ بإعادة بناء كرامة الباحث. اجعلوا الأستاذ يتفرغ للبحث.

مولوا المختبرات.افتحوا قواعد البيانات.اربطوا الجامعات بالصناعة.أرسلوا الباحثين إلى المختبرات العالمية.
استقدموا علماء عراقيين من الخارج.أنشئوا فرقاً بحثية لا مشاريع فردية متفرقة.كافئوا البحث الذي يغير الواقع.وضعوا معياراً بسيطاً أمام كل جامعة:ما الشيء الجديد الذي أضفناه إلى المعرفة هذا العام؟
إذا لم تجد الجامعة جواباً، فهناك مشكلة.وإذا وجدت جواباً، فلتقله للعالم.لا نريد جامعة عراقية تعيش على ذكريات الماضي.ولا نريد جامعة تتفاخر بعدد الشهادات.نريد جامعة تستطيع أن تقول للعالم:هذا اكتشافنا.هذه تقنيتنا.هذا بحثنا.وهذا أثرنا.

أما الأستاذ العراقي، فلا تقتلوه بالتهم. أنقذوه من النظام الذي يستهلكه. فقد يكون بين آلاف الأساتذة العراقيين اليوم عقل علمي استثنائي، لكن العقل الاستثنائي يحتاج إلى بيئة استثنائية كي يظهر.لأن العراق لا يعاني من نقص العقول.العراق يعاني من مشكلة تحويل العقول إلى منظومة. وهذه هي المعركة الحقيقية.ليست معركة العراق مع شنغهاي. بل معركته مع الطريقة التي يدير بها المعرفة. فالترتيب العالمي ليس خصماً. إنه جرس.

والجامعة التي تسمع الجرس تستطيع أن تنهض. أما الجامعة التي تكسر الجرس لأنها لم يعجبها صوته فستظل نائمة.ولذلك لا نريد غداً بيانات تشرح لنا لماذا أخطأ التصنيف. نريد خطة تقول لنا: كيف سنعود؟ ولا نريد حفلاً. نريد مختبراً. ولا نريد شهادة جديدة. نريد اكتشافاً. ولا نريد صورة جماعية أمام بوابة الجامعة. نريد اسماً عراقياً يظهر في مكان ما من الخريطة العلمية للعالم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...