في سرد ناعم تهتز الذاكرة ، تتردد كبندول، وقد تتعدى مسافات الواقع في نص إنساني نفسي فلسفي"نوستالجيا" حيث اختارت الكاتبة مكان الحدث قرية "الصدى" و شخصية الحكي "آية" ، ومرآة تعكس لون و طعم حياة ، والقرية لوحة الماضي البعيد ..
فــ "الصدى" هو رجع الصوت و ارتداده ، هو نبض الذكريات ، والحنين و الأنين أيضا في مساحات الفقد الإنساني .
في معاني الكلمات "آية" لفظ يحمل معنى الحُسْن والجمال ، وفي دلالات الأسماء "آية" شخصية لها من الاسم نصيب فهي تتمتع بالصبر والثقة والقدرة على تخطي و عبور الصعاب.
للمرآة في القصة دور أيضا فهي لا تمثل انعكاسا للأشياء حين يسقط عليها الضوء ، بل هي طرفا من أطراف الحوار ، و ممر إلى العبور نحو الأمس البعيد يتخطى حوار النفس"الأنا".
معاني الشرود و الحيرة و الوحدة تستبد بالفتاة ، فتقودها عبر الدهاليز العتيقة إلى حجرة الجدة ..
*إيناس*"شعور مبهم ومقلق، كأن شيئًا عزيزًا قد سُلب منها أثناء نومها. جلست على حافة فراشها طويلًا، تحاول أن تلتقط خيط الفكرة الهاربة" ..
★L★هنا في البيت العتيق تزيح ستار مهترئ عن مرآة برونزية يكسوها غبار السنين ، بكفيها المرتجفتين تحاول اكتشاف ملامحها و خريطة وجهها ، تحاول التيقن من أن هذا الكائن المنعكس في ضباب المرآة الكبيرة يشبهها أو يمثلها ، هيئة ونبضا وصوتا ، مشاعر الوحدة والغربة تجتاحها ..
*إيناس*"اقتربت أكثر، حتى كادت أنفاسها تلامس سطح المرآة البارد. حملت معها ثقل السنوات كلها، وأرادت دليلًا واحدًا يثبت أن وجودها لم يتبدد، وأنها لم تصبح مجرد ذكرى تمشي على قدمين. أدارت جسدها ببطء أمام المرآة، دورة بعد أخرى، تراقب حركة ثوبها وانسياب خصلات شعرها، كأنها تبحث عن زاوية صغيرة تتصالح فيها مع ظلها"
"كانت تفتش بين الخصلات عن نسخة قديمة من نفسها."
★L★البحث عن الذات و تأكيد الهوية قضية إنسانية تفرض سطوتها على البشر حين تزحف تجاعيد الكبر و العزلة ، حين يطلق الفقد أنيابه ومخالبه لينهش ويفتك ما بقي من رفات إنسانيتنا.
كان البحث عن الطفولة، عن فضاءات الحلم والأمان وغمازات الخدين ، الحنين إلى شهد البراءة من أجل دفقة رضا.
*إيناس*"ظل الصمت معلقًا بينهما؛ المرآة صامتة، والوجه الذي ينظر إليها بقي غريبًا، بعيدًا، كأنه وجه شخص تعرفه دون أن تتذكر اسمه. عندها أدركت الحقيقة التي كانت تهرب منها. لم تكن تبحث عن وجهها الحالي، بل كانت تبحث عن وجه الطفلة التي كانتها قبل أن تعبرها الخسارات "
ماذا فعلت بنا السنون ؟!
★L★في متوالية هادرة للأيام و الشهور تقتص الأعوام جماليات المحبة والألفة و الدهشة والفرح وأحلامنا المجنحة ، فيتغير لون الواقع ومذاقه ، من اتساع مساحات أمان، بلا واجبات تذكر ،في مراحل الطفولة إلى زنازن من الضغوط والمسؤوليات والمهام ، التي تحول الكيان الإنساني إلى ندبات ودهاليز وتعاريج وخنادق قد تفرض حدتها على خريطة وجهه .
*إيناس*"رفعت آية رأسها ببطء، ونظرت مباشرة إلى عينيها المنعكستين في المرآة. كان فيهما شيء من التعب، وشيء من الحنين، وشيء آخر يشبه النجاة. ابتسمت؛ لم تكن ابتسامة كاملة، لكنها كانت صادقة، حزينة وشجاعة في آن واحد. وقالت بصوت خفيض: «تشجعي يا صديقتي... فذاك زمن مضى»" .
★L★للاسم طاقة و لكل منا منها نصيب فتتحق الاستطاعة مع إشراقة الصبح على أطلال البيت القديم عبر النافذة ..
كانت النافذة هي الحد الفاصل الواصل بين سجن الماضي ( أوجاع الذات وبوح الغربة والعزلة ) و بين (الواقع و نبضاته المتباينة والحركة و التأرجح بين النور و الظل)
النافذة و بريق الصبح مسارات للخروج و الانعتاق ..
ها هي بذور الثقة تنتعش في الأوردة ، حين تفتح المنافذ ، ليغزو النور و الهواء الندي مسارب و مرافئ الحياة ..
*إيناس*اندفع الهواء إلى الغرفة واسعًا ونقيًا، يحمل رائحة الحقول البعيدة وأغنيات الطرق المفتوحة. رفعت رأسها نحو السماء، وكانت شاسعة إلى حد أدهشها، تمتد بلا أسوار ولا حدود ولا ذكريات تثقل الجناحين ، وشعرت أن روحها تتسع معها."
★L★حين يضحك الصباح، تشرع أجنحة الحلم باتساع المدى ، ينبض القلب باللآلئ الندية ، ينبثق الخير و النماء والجمال ، تنقشع الغشاوة و الرماديات ..
الأمل يدخل القلب بلا استئذان ..
**ليلى حسين**
☆☆☆☆☆☆
الصدى والمرآة البرونزية
****************
في قرية تُدعى "الصدى"، حيث كان النسيان يسير بين البيوت كريح خفية تمحو آثار العابرين، استيقظت آية ذات صباح على شعور لم تختبره من قبل؛ شعور مبهم ومقلق، كأن شيئًا عزيزًا قد سُلب منها أثناء نومها. جلست على حافة فراشها طويلًا، تحاول أن تلتقط خيط الفكرة الهاربة، ثم أدركت فجأة أنها لم تعد تتذكر ملمس ملامحها. نهضت مرتبكة، وسارت عبر الممرات القديمة في بيت جدتها، حتى وصلت إلى الخزانة الخشبية العتيقة التي لم تُفتح منذ أعوام. أزاحت الستار المهترئ، فكشفت عن مرآة برونزية كبيرة، غطّى الغبار سطحها حتى بدت كنافذة موصدة على زمن بعيد. وقفت أمامها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت عينيها نحو انعكاسها.
-١-
رفعت يديها المرتجفتين، وأخذت تتحسس وجهها ببطء، كأنها تتعرف إلى تضاريس أرض غريبة. ضغطت على عظام خديها، ومررت أطراف أصابعها فوق جبينها، ثم تتبعت خط فكها بحذر، محاولة أن تتأكد أن هذا الوجه ما زال ينتمي إليها. لكن المرآة لم تمنحها ما أرادت؛ فلم يكن هناك انعكاس واضح، بل ضباب رمادي كثيف يتراقص فوق الزجاج كستار من النسيان. اقتربت أكثر، حتى كاد أنفاسها تلامس سطح المرآة البارد. حملت معها ثقل السنوات كلها، وأرادت دليلًا واحدًا يثبت أن وجودها لم يتبدد، وأنها لم تصبح مجرد ذكرى تمشي على قدمين. أدارت جسدها ببطء أمام المرآة، دورة بعد أخرى، تراقب حركة ثوبها وانسياب خصلات شعرها، كأنها تبحث عن زاوية صغيرة تتصالح فيها مع ظلها. ثم وضعت كفها على صدرها. كان النبض حاضرًا، قويًا، دافئًا، لكنه بدا لها غريبًا، كصوت باب قديم تسمعه لأول مرة. أغمضت عينيها وهمست: «ما اسم صاحب هذا الصوت؟ أشعر أنني عرفته يومًا، أو ربما مررت به في زمن بعيد ثم نسيته بين طرقات الحياة». ارتد صوتها في أرجاء الغرفة، وعاد إليها أكثر وحدةً مما خرج.
-٢-
عبثت بشعرها طويلًا، بعثرته ثم أعادت جمعه مرات متتالية. جرّبت تسريحة طفولتها الأولى، ثم تلك التي كانت ترافقها في سنوات الدراسة، ثم تركته منسدلًا على كتفيها كما كانت تفعل في الأيام السعيدة. كانت تفتش بين الخصلات عن نسخة قديمة من نفسها.
وفجأة لمحت غمازتيها الصغيرتين، اللتين هجرتهما الابتسامة منذ سنوات طويلة. اقتربت من المرآة أكثر، وأخذت تحاول إبرازهما بأصابع مرتجفة، كطفلة تبحث عن لعبة ضائعة بين الركام. انتظرت أن يحدث شيء ما، أن يلمع وجهها فجأة، أو أن تنبثق من أعماق الزجاج ملامح مألوفة تعيد إليها يقينها المفقود. لكن شيئًا لم يحدث. ظل الصمت معلقًا بينهما؛ المرآة صامتة، والوجه الذي ينظر إليها بقي غريبًا، بعيدًا، كأنه وجه شخص تعرفه دون أن تتذكر اسمه. عندها أدركت الحقيقة التي كانت تهرب منها. لم تكن تبحث عن وجهها الحالي، بل كانت تبحث عن وجه الطفلة التي كانتها قبل أن تعبرها الخسارات، وقبل أن تترك السنوات بصماتها الثقيلة على روحها. كانت تبحث عن تلك النسخة البريئة التي كانت تضحك دون خوف، وتحلم دون حساب، وتؤمن أن العالم يتسع للجميع. لكن الطفلة كانت قد مضت بعيدًا، ولم يعد ممكنًا استعادتها كما كانت.
-٣-
رفعت آية رأسها ببطء، ونظرت مباشرة إلى عينيها المنعكستين في المرآة. كان فيهما شيء من التعب، وشيء من الحنين، وشيء آخر يشبه النجاة. ابتسمت؛ لم تكن ابتسامة كاملة، لكنها كانت صادقة، حزينة وشجاعة في آن واحد. وقالت بصوت خفيض: «تشجعي يا صديقتي... فذاك زمن مضى». ثم التفتت نحو النافذة.
في الخارج كانت أطلال البيت القديم تستلقي تحت ضوء الصباح الباهت؛ هناك الساحة التي لعبت فيها طفلة، وهناك البئر التي جفّت مياهها، وهناك الجدران التي احتفظت بضحكات كثيرة قبل أن يهجرها أصحابها. تأملت المشهد طويلًا، وللمرة الأولى لم تشعر بالرغبة في العودة. فهمت أن التشبث بالحجارة القديمة لن يعيد الحياة إلى ما انتهى، وأن الأبواب المغلقة لا تُفتح بالبكاء عليها. تركت المرآة خلفها، واتجهت نحو النافذة، وفتحتها على مصراعيها.
اندفع الهواء إلى الغرفة واسعًا ونقيًا، يحمل رائحة الحقول البعيدة وأغنيات الطرق المفتوحة. رفعت رأسها نحو السماء، وكانت شاسعة إلى حد أدهشها، تمتد بلا أسوار ولا حدود ولا ذكريات تثقل الجناحين. وشعرت أن روحها تتسع معها. لقد علّمها الفقد أن الأشياء لا تدوم، وعلّمتها الغربة أن الإنسان قادر على أن يبني وطنه في أي مكان يشرق فيه الأمل.
هناك، عند حافة السماء، تلاشت الغشاوة التي كانت تغطي قلبها، وهناك أيضًا تعرّف النبض أخيرًا إلى اسمه. لم يكن اسمه الحنين، ولا الخوف، ولا الندم.
كان اسمه ببساطة: الأمل.
إيناس عتمان
فــ "الصدى" هو رجع الصوت و ارتداده ، هو نبض الذكريات ، والحنين و الأنين أيضا في مساحات الفقد الإنساني .
في معاني الكلمات "آية" لفظ يحمل معنى الحُسْن والجمال ، وفي دلالات الأسماء "آية" شخصية لها من الاسم نصيب فهي تتمتع بالصبر والثقة والقدرة على تخطي و عبور الصعاب.
للمرآة في القصة دور أيضا فهي لا تمثل انعكاسا للأشياء حين يسقط عليها الضوء ، بل هي طرفا من أطراف الحوار ، و ممر إلى العبور نحو الأمس البعيد يتخطى حوار النفس"الأنا".
معاني الشرود و الحيرة و الوحدة تستبد بالفتاة ، فتقودها عبر الدهاليز العتيقة إلى حجرة الجدة ..
*إيناس*"شعور مبهم ومقلق، كأن شيئًا عزيزًا قد سُلب منها أثناء نومها. جلست على حافة فراشها طويلًا، تحاول أن تلتقط خيط الفكرة الهاربة" ..
★L★هنا في البيت العتيق تزيح ستار مهترئ عن مرآة برونزية يكسوها غبار السنين ، بكفيها المرتجفتين تحاول اكتشاف ملامحها و خريطة وجهها ، تحاول التيقن من أن هذا الكائن المنعكس في ضباب المرآة الكبيرة يشبهها أو يمثلها ، هيئة ونبضا وصوتا ، مشاعر الوحدة والغربة تجتاحها ..
*إيناس*"اقتربت أكثر، حتى كادت أنفاسها تلامس سطح المرآة البارد. حملت معها ثقل السنوات كلها، وأرادت دليلًا واحدًا يثبت أن وجودها لم يتبدد، وأنها لم تصبح مجرد ذكرى تمشي على قدمين. أدارت جسدها ببطء أمام المرآة، دورة بعد أخرى، تراقب حركة ثوبها وانسياب خصلات شعرها، كأنها تبحث عن زاوية صغيرة تتصالح فيها مع ظلها"
"كانت تفتش بين الخصلات عن نسخة قديمة من نفسها."
★L★البحث عن الذات و تأكيد الهوية قضية إنسانية تفرض سطوتها على البشر حين تزحف تجاعيد الكبر و العزلة ، حين يطلق الفقد أنيابه ومخالبه لينهش ويفتك ما بقي من رفات إنسانيتنا.
كان البحث عن الطفولة، عن فضاءات الحلم والأمان وغمازات الخدين ، الحنين إلى شهد البراءة من أجل دفقة رضا.
*إيناس*"ظل الصمت معلقًا بينهما؛ المرآة صامتة، والوجه الذي ينظر إليها بقي غريبًا، بعيدًا، كأنه وجه شخص تعرفه دون أن تتذكر اسمه. عندها أدركت الحقيقة التي كانت تهرب منها. لم تكن تبحث عن وجهها الحالي، بل كانت تبحث عن وجه الطفلة التي كانتها قبل أن تعبرها الخسارات "
ماذا فعلت بنا السنون ؟!
★L★في متوالية هادرة للأيام و الشهور تقتص الأعوام جماليات المحبة والألفة و الدهشة والفرح وأحلامنا المجنحة ، فيتغير لون الواقع ومذاقه ، من اتساع مساحات أمان، بلا واجبات تذكر ،في مراحل الطفولة إلى زنازن من الضغوط والمسؤوليات والمهام ، التي تحول الكيان الإنساني إلى ندبات ودهاليز وتعاريج وخنادق قد تفرض حدتها على خريطة وجهه .
*إيناس*"رفعت آية رأسها ببطء، ونظرت مباشرة إلى عينيها المنعكستين في المرآة. كان فيهما شيء من التعب، وشيء من الحنين، وشيء آخر يشبه النجاة. ابتسمت؛ لم تكن ابتسامة كاملة، لكنها كانت صادقة، حزينة وشجاعة في آن واحد. وقالت بصوت خفيض: «تشجعي يا صديقتي... فذاك زمن مضى»" .
★L★للاسم طاقة و لكل منا منها نصيب فتتحق الاستطاعة مع إشراقة الصبح على أطلال البيت القديم عبر النافذة ..
كانت النافذة هي الحد الفاصل الواصل بين سجن الماضي ( أوجاع الذات وبوح الغربة والعزلة ) و بين (الواقع و نبضاته المتباينة والحركة و التأرجح بين النور و الظل)
النافذة و بريق الصبح مسارات للخروج و الانعتاق ..
ها هي بذور الثقة تنتعش في الأوردة ، حين تفتح المنافذ ، ليغزو النور و الهواء الندي مسارب و مرافئ الحياة ..
*إيناس*اندفع الهواء إلى الغرفة واسعًا ونقيًا، يحمل رائحة الحقول البعيدة وأغنيات الطرق المفتوحة. رفعت رأسها نحو السماء، وكانت شاسعة إلى حد أدهشها، تمتد بلا أسوار ولا حدود ولا ذكريات تثقل الجناحين ، وشعرت أن روحها تتسع معها."
★L★حين يضحك الصباح، تشرع أجنحة الحلم باتساع المدى ، ينبض القلب باللآلئ الندية ، ينبثق الخير و النماء والجمال ، تنقشع الغشاوة و الرماديات ..
الأمل يدخل القلب بلا استئذان ..
**ليلى حسين**
☆☆☆☆☆☆
الصدى والمرآة البرونزية
****************
في قرية تُدعى "الصدى"، حيث كان النسيان يسير بين البيوت كريح خفية تمحو آثار العابرين، استيقظت آية ذات صباح على شعور لم تختبره من قبل؛ شعور مبهم ومقلق، كأن شيئًا عزيزًا قد سُلب منها أثناء نومها. جلست على حافة فراشها طويلًا، تحاول أن تلتقط خيط الفكرة الهاربة، ثم أدركت فجأة أنها لم تعد تتذكر ملمس ملامحها. نهضت مرتبكة، وسارت عبر الممرات القديمة في بيت جدتها، حتى وصلت إلى الخزانة الخشبية العتيقة التي لم تُفتح منذ أعوام. أزاحت الستار المهترئ، فكشفت عن مرآة برونزية كبيرة، غطّى الغبار سطحها حتى بدت كنافذة موصدة على زمن بعيد. وقفت أمامها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت عينيها نحو انعكاسها.
-١-
رفعت يديها المرتجفتين، وأخذت تتحسس وجهها ببطء، كأنها تتعرف إلى تضاريس أرض غريبة. ضغطت على عظام خديها، ومررت أطراف أصابعها فوق جبينها، ثم تتبعت خط فكها بحذر، محاولة أن تتأكد أن هذا الوجه ما زال ينتمي إليها. لكن المرآة لم تمنحها ما أرادت؛ فلم يكن هناك انعكاس واضح، بل ضباب رمادي كثيف يتراقص فوق الزجاج كستار من النسيان. اقتربت أكثر، حتى كاد أنفاسها تلامس سطح المرآة البارد. حملت معها ثقل السنوات كلها، وأرادت دليلًا واحدًا يثبت أن وجودها لم يتبدد، وأنها لم تصبح مجرد ذكرى تمشي على قدمين. أدارت جسدها ببطء أمام المرآة، دورة بعد أخرى، تراقب حركة ثوبها وانسياب خصلات شعرها، كأنها تبحث عن زاوية صغيرة تتصالح فيها مع ظلها. ثم وضعت كفها على صدرها. كان النبض حاضرًا، قويًا، دافئًا، لكنه بدا لها غريبًا، كصوت باب قديم تسمعه لأول مرة. أغمضت عينيها وهمست: «ما اسم صاحب هذا الصوت؟ أشعر أنني عرفته يومًا، أو ربما مررت به في زمن بعيد ثم نسيته بين طرقات الحياة». ارتد صوتها في أرجاء الغرفة، وعاد إليها أكثر وحدةً مما خرج.
-٢-
عبثت بشعرها طويلًا، بعثرته ثم أعادت جمعه مرات متتالية. جرّبت تسريحة طفولتها الأولى، ثم تلك التي كانت ترافقها في سنوات الدراسة، ثم تركته منسدلًا على كتفيها كما كانت تفعل في الأيام السعيدة. كانت تفتش بين الخصلات عن نسخة قديمة من نفسها.
وفجأة لمحت غمازتيها الصغيرتين، اللتين هجرتهما الابتسامة منذ سنوات طويلة. اقتربت من المرآة أكثر، وأخذت تحاول إبرازهما بأصابع مرتجفة، كطفلة تبحث عن لعبة ضائعة بين الركام. انتظرت أن يحدث شيء ما، أن يلمع وجهها فجأة، أو أن تنبثق من أعماق الزجاج ملامح مألوفة تعيد إليها يقينها المفقود. لكن شيئًا لم يحدث. ظل الصمت معلقًا بينهما؛ المرآة صامتة، والوجه الذي ينظر إليها بقي غريبًا، بعيدًا، كأنه وجه شخص تعرفه دون أن تتذكر اسمه. عندها أدركت الحقيقة التي كانت تهرب منها. لم تكن تبحث عن وجهها الحالي، بل كانت تبحث عن وجه الطفلة التي كانتها قبل أن تعبرها الخسارات، وقبل أن تترك السنوات بصماتها الثقيلة على روحها. كانت تبحث عن تلك النسخة البريئة التي كانت تضحك دون خوف، وتحلم دون حساب، وتؤمن أن العالم يتسع للجميع. لكن الطفلة كانت قد مضت بعيدًا، ولم يعد ممكنًا استعادتها كما كانت.
-٣-
رفعت آية رأسها ببطء، ونظرت مباشرة إلى عينيها المنعكستين في المرآة. كان فيهما شيء من التعب، وشيء من الحنين، وشيء آخر يشبه النجاة. ابتسمت؛ لم تكن ابتسامة كاملة، لكنها كانت صادقة، حزينة وشجاعة في آن واحد. وقالت بصوت خفيض: «تشجعي يا صديقتي... فذاك زمن مضى». ثم التفتت نحو النافذة.
في الخارج كانت أطلال البيت القديم تستلقي تحت ضوء الصباح الباهت؛ هناك الساحة التي لعبت فيها طفلة، وهناك البئر التي جفّت مياهها، وهناك الجدران التي احتفظت بضحكات كثيرة قبل أن يهجرها أصحابها. تأملت المشهد طويلًا، وللمرة الأولى لم تشعر بالرغبة في العودة. فهمت أن التشبث بالحجارة القديمة لن يعيد الحياة إلى ما انتهى، وأن الأبواب المغلقة لا تُفتح بالبكاء عليها. تركت المرآة خلفها، واتجهت نحو النافذة، وفتحتها على مصراعيها.
اندفع الهواء إلى الغرفة واسعًا ونقيًا، يحمل رائحة الحقول البعيدة وأغنيات الطرق المفتوحة. رفعت رأسها نحو السماء، وكانت شاسعة إلى حد أدهشها، تمتد بلا أسوار ولا حدود ولا ذكريات تثقل الجناحين. وشعرت أن روحها تتسع معها. لقد علّمها الفقد أن الأشياء لا تدوم، وعلّمتها الغربة أن الإنسان قادر على أن يبني وطنه في أي مكان يشرق فيه الأمل.
هناك، عند حافة السماء، تلاشت الغشاوة التي كانت تغطي قلبها، وهناك أيضًا تعرّف النبض أخيرًا إلى اسمه. لم يكن اسمه الحنين، ولا الخوف، ولا الندم.
كان اسمه ببساطة: الأمل.
إيناس عتمان