عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب. عندما طرق طفل باب الزنزانة..!!

فاجأني طفل لم يُكمل عامه الثاني عشر، حين وقف أمامي يسألني عن كتاب "الزنزانة 10" لأحمد المرزوقي.!!
نظرتُ إليه، ثم إلى أبيه الذي كان بجانبه ، وعدت أنظر إليه كأنني أبحث في ملامحه الصغيرة عن جواب لسؤال أكبر من عمره : أترى أنك ترغب، حقا، في قراءة هذا الكتاب؟
قالها بثقة لا تشبه تردده الأول، وكأن السؤال لم يفاجئه: نعم ، ثم أضاف، وكأنه يقدم لي الدليل على اختياره: رأيتُ تقديما له على يوتيوب، فشعرت برغبة في قراءته.
كان أبوه أكثر حذرا مني، فقال وهو يبتسم: ربما إذا بدأه لن يكمله ، أحداثه قاسية وواقعية .
ازدادت دهشتي عندما رأيته يتحدث بجرأة وشجاعة دون الرجوع لأبيه ، فناولته الكتاب، وظللتُ لحظة أتأمل يديه الصغيرتين وهما تحملان غلافا يحكي عن تجربة اعتقال وتعذيب وظروفا قاسية جدا، وفيه أوصاف مؤلمة نفسيا وجسديا، إضافة إلى موضوعات سياسية وتاريخية ناضجة.!!
خرج الطفل من المكتبة، والكتاب بين يديه ، وظللتُ أراقبه بعيني حتى غاب ، فقلت في نفسي : الأطفال لا يقرؤون دائما بما يناسب أعمارهم، بل بما يوقظ أسئلتهم.
وربما كان ذلك الطفل قد رأى في الكتاب شيئا لم أره أنا؛ أو كأن فضوله رأى بابا يريد أن يفتحه ليكتشف ما ورائه ، ومن يدري؟ لعل الكتاب الذي ظن أبوه أنه قد يعجز عن إكماله، يكون هو الكتاب الذي يجعله، بعد سنوات، يسأل عن أشياء أكبر من عمره، وأعمق من رفوف مكتبتنا ؛ فالقراءة في بداياتها، ليست دائما بحثا عن كتاب ، أحيانا تكون بحثا عن شيء في داخلنا لم نعرف بعدُ كيف نسمّيه ، وقد يشتري الطفل كتابا عن الزنزانة، بينما يكون في الحقيقة قد بدأ، دون أن يدري، رحلته الأولى نحو الحرية ، حرية أن يختار ما سيقرأه وهو طفل .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...