يحيى بركات - حين يقرأنا الآخر: من يخلف الرئيس محمود عباس… وأين اختفى الفلسطينيون؟

ثمة نصوص نقرأها لكي نعرف ماذا يقول أصحابها، وثمة نصوص ينبغي أن نقرأها لكي نعرف كيف يروننا.

ومقال الباحث والصحفي الإسرائيلي بنحاس عنباري عن لقاء حسين الشيخ وتيار محمد دحلان في العلمين ينتمي، في رأيي، إلى النوع الثاني.

فالسؤال الأهم فيه ليس إن كان حسين الشيخ سيتصالح مع محمد دحلان، ولا إن كان سمير المشهراوي قد فتح بابًا ظل مغلقًا سنوات، ولا حتى إن كانت هناك ترتيبات تجري فعلًا لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس. فهذه معلومات واستنتاجات يحتاج بعضها إلى مزيد من التدقيق، وبعضها ينسبه الكاتب إلى مصادر فلسطينية وعربية لا يسميها.

الأهم شيء آخر:

كيف ينظر كاتب من دولة الاحتلال إلى النظام السياسي الفلسطيني وهو يقترب، بحسب قراءته، من نهاية مرحلة الرئيس محمود عباس؟

هنا يصبح المقال أشبه بلقطة أشعة.

نرى الرئيس محمود عباس، ونرى حسين الشيخ، ومحمد دحلان، وسمير المشهراوي، وجبريل الرجوب، وقيادات فتح القديمة. ونرى عواصم عربية وأوروبا وإسرائيل. ونرى الانتخابات التشريعية والمجلس الوطني وحماس وغزة والضفة.

الجميع موجودون تقريبًا.

لكن ابحث قليلًا عن الفلسطيني نفسه.

ستكتشف أنه يكاد يكون غائبًا عن الكادر.

وهنا تبدأ الحكاية.

يقدم عنباري الرئيس محمود عباس كرجل دخل، وفق قراءته، الفصل الأخير من حكمه. وفي كتابات سابقة له كان أكثر مباشرة حين قرأ اعتراض جبريل الرجوب على ترتيب الانتخابات الرئاسية والتشريعية بوصفه جزءًا من الصراع على مرحلة ما بعد الرئيس، وربط اعتراضات داخل حركة فتح بمخاوف من صعود ياسر عباس.

وفي مقاله الجديد يبني فوق ذلك فرضية أخرى: أن لقاء حسين الشيخ بتيار محمد دحلان قد يكون خطوة في إعادة تشكيل مراكز القوة استعدادًا لليوم التالي.

قد يصيب في جزء من هذه القراءة، وقد يخطئ في أجزاء أخرى.

لكن المثير ليس فقط ما يقوله عن الرئيس محمود عباس.

المثير هو كيف يفهم انتقال السلطة الفلسطينية.

فالخلافة في نصه لا تنشأ من مجتمع يختار، بل من حركة تعيد ترتيب نفسها، ورجل يبحث عن موقع، ورجل آخر يعود إلى المعادلة، وعواصم تراقب، وأوروبا تبحث عن «الإصلاح»، وإسرائيل تتابع من يصلح ومن لا يصلح.

كأن السياسة الفلسطينية رقعة شطرنج.

هناك ملك يقترب من مغادرة الرقعة، وهناك من يقترب من المربع الذي سيتركه، وهناك قطع تتحرك بين رام الله والعلمين وعواصم أخرى.

أما الناس الذين يفترض أنهم أصحاب الرقعة نفسها، فيبقون خارج الصورة.

وهذا ليس تفصيلًا لغويًا.

إنه جوهر الرؤية.

حين يصل عنباري إلى الانتخابات التشريعية، لا يراها أولًا باعتبارها حقًا للفلسطينيين في إعادة إنتاج مؤسساتهم بعد غياب طويل للانتخابات التشريعية. إنه ينظر إليها من زاوية مختلفة: هل يمكن إجراؤها؟ ماذا عن غزة؟ ماذا سيحدث للانقسام؟ ومن ستخدم نتائجها في صراع اليوم التالي؟

ومن هنا يصل سريعًا إلى استنتاج أن الانتخابات التشريعية، في الظروف الراهنة، ليست قابلة للتنفيذ.

لكن هنا ينبغي للقارئ الفلسطيني أن يتوقف.

فالكاتب لا يقدم هذه النتيجة باعتبارها مجرد عقبة تقنية؛ إنها تصبح، في بنية المقال، جسرًا للانتقال من الانتخاب إلى الترتيب السياسي.

وهذا فارق يستحق الانتباه.

فالانتخابات التشريعية ما زالت، رسميًا، استحقاقًا قائمًا، والعمل عليها لم يتوقف. وهذا لا يعني أنها ستجري حتمًا، ولا يلغي العقبات الهائلة التي تحيط بها في غزة والقدس والضفة، لكنه يعني أن عنباري لا ينقل هنا حقيقة نهائية، بل يقدم قراءته السياسية لمصيرها.

والقراءة الدقيقة لا ينبغي أن تستبدل رواية فلسطينية برواية إسرائيلية، وإنما أن تسأل كيف تُصنع كل رواية، وما الذي تختاره لتضعه في الضوء، وما الذي تتركه في العتمة.

ثم يصل عنباري إلى المجلس الوطني الفلسطيني.

وهنا تصبح اللغة أكثر دلالة.

يضع كلمة «انتخابات» بين علامتي تنصيص.

قد تبدو علامتا التنصيص صغيرتين على الورق، لكنهما في القراءة السياسية كبيرتان.

إنهما تقولان شيئًا عن مقدار تصديقه بأن ما سيجري سيكون انتخابًا بالمعنى الحقيقي.

يستدعي عنباري تجربة منظمة التحرير، ويتحدث عن التعيين والتوافق، ثم ينتقل إلى صعوبة إجراء الانتخابات بين الفلسطينيين في عدد من دول الشتات، ليصل إلى احتمال أن يصبح المجلس الوطني المقبل إطارًا لمصالحة فتح وتيار دحلان، ولإنتاج تركيبة مشتركة لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس.

وهنا يصبح المقال أكثر أهمية بالنسبة لنا.

ليس لأن علينا أن نصدق استنتاجه.

بل لأنه يضع أمامنا مرآة.

فالنظام الانتخابي للمجلس الوطني يتحدث عن مجلس من 350 عضوًا، 200 يمثلون الوطن و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج، والأصل فيه الانتخاب، مع اللجوء إلى صيغ أخرى حيث يتعذر إجراؤه.

لكن عنباري يتجاوز النصوص وينظر إلى الممارسة التاريخية والقيود السياسية المحيطة بالفلسطينيين في المهاجر، ثم يقول لنا، بصورة غير مباشرة:

لا تتوقعوا انتخابًا كاملًا.

توقعوا توافقًا.

وهنا لا ينبغي أن يكون ردنا الغاضب: لا، ستكون هناك انتخابات.

بل ينبغي أن يكون سؤالنا أكثر قسوة:

هل أعطينا نحن، بأدائنا السياسي طوال العقود الماضية، الآخرين ما يكفي كي يتخيلوا المجلس الوطني مؤسسة يُتوافق على أعضائها أكثر مما ينتخبهم الفلسطينيون؟

السؤال مؤلم.

لكنه أهم من الدفاع عن الصورة.

وحين ينظر عنباري إلى الفلسطينيين في الخارج تظهر طبقة أخرى من النص.

الفلسطيني هناك لا يظهر، في معظم المشهد، باعتباره صاحب حق سياسي ينبغي البحث عن الوسيلة التي تمكنه من ممارسة حقه في اختيار ممثليه، بل بوصفه جزءًا من معادلات الدول التي يعيش فيها: ماذا تسمح هذه الدولة؟ ماذا تمنع تلك؟ وما الذي تتيحه التوازنات السياسية هنا أو هناك؟

قد يكون في ذلك جزء من واقع لا يمكن إنكاره. فالفلسطينيون في المهاجر يعيشون تحت قوانين وسيادات وظروف سياسية مختلفة، ولا يمكن إجراء انتخابات عابرة للحدود بمجرد إصدار مرسوم.

لكن اللغة تكشف شيئًا أبعد.

مرة أخرى، الدول فاعلة.

والنخب فاعلة.

والقيادات فاعلة.

أما الفلسطيني نفسه فيكاد يتحول إلى مفعول به.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، نكتشف أن المقال الذي بدأ بلقاء في العلمين ليس، في الحقيقة، مقالًا عن العلمين.

إنه تصور لكيف يمكن أن تولد السلطة الفلسطينية المقبلة.

الرئيس محمود عباس يغادر المشهد يومًا ما.

النخب تستعد.

فتح تعيد ترتيب بيتها.

تيار محمد دحلان يعود إلى المعادلة.

حسين الشيخ يتحرك.

جبريل الرجوب يعترض.

العواصم تراقب.

أوروبا تتحدث عن الإصلاح.

وإسرائيل لا تكتفي بالمشاهدة؛ فالكاتب نفسه يصنف شخصيات فلسطينية وفق ما يراه خطرًا أو مقبولًا بالنسبة إليها.

ثم تأتي الانتخابات.

أو لا تأتي.

ويأتي المجلس الوطني بالانتخاب، أو بالتوافق.

لكن شيئًا يظل ناقصًا في الفيلم.

المجتمع الفلسطيني.

وهذا تحديدًا ما ينبغي أن يقلقنا.

ليس لأن كاتبًا من دولة الاحتلال لم يجعل المجتمع الفلسطيني بطل مقاله؛ فليس مطلوبًا منه أن يفعل ذلك.

بل لأن نظامنا السياسي، خلال سنوات طويلة، ساهم في جعل كتابة مستقبلنا بهذه الطريقة ممكنة: مستقبل تتصدره أسماء القيادات والفصائل والعواصم، بينما يتراجع صاحب الحق الأصلي في منح الشرعية إلى خلفية المشهد.

واللافت أن هذه العدسة ليست جديدة عند عنباري. ففي قراءاته السابقة للانتخابات الفلسطينية كان يميل أيضًا إلى نقل مركز الحكاية من المجتمع والانتخابات إلى الصراعات داخل فتح وموازين القوى بين القيادات.

الأسماء تتغير.

التحالفات تتبدل.

لكن المجتمع يبقى في خلفية الكادر.

وهنا، ربما من حيث يريد الكاتب أو لا يريد، يقدم لنا خدمة.

إنه يخبرنا كيف يرانا الآخر عندما تضعف الصلة بين المجتمع ومؤسساته.

يرانا قيادات تبحث عن خلفاء.

وفصائل تبحث عن مواقع.

وعواصم تبحث عن رجال يمكن التعامل معهم.

وترتيبات تبحث، بعد اكتمالها، عن شرعية.

ولا يرى بوضوح مجتمعًا يدخل المشهد ويقول:

أنا الذي أقرر.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس ليس: حسين الشيخ أم محمد دحلان أم جبريل الرجوب أم غيرهم؟

ولا ينبغي أصلًا اختزال مستقبل الفلسطينيين في أربعة أو خمسة أسماء.

السؤال الأهم هو:

بأي طريق سيصل أي واحد منهم إلى القيادة؟

هل يأتي لأن الرئيس اختاره؟

أم لأن فتح اختارته؟

أم لأن توافقًا فصائليًا أنتجه؟

أم لأن ضغوطًا عربية ودولية وجدت فيه الرجل الممكن؟

أم لأن الفلسطينيين، في الوطن والمهاجر، منحوه أصواتهم؟

الفارق بين هذه الطرق ليس تفصيلًا دستوريًا.

إنه تعريف الشرعية نفسها.

وربما لهذا يستحق أن نقرأ عنباري جيدًا، لا لنعرف من يتوقع أن يخلف الرئيس محمود عباس، بل لنرى أنفسنا في المرآة التي وضعها أمامنا.

فأزمة السياسة الفلسطينية ليست في غياب الخليفة، بل في غياب السؤال الذي يسبق الخليفة:

من يملك حق اختياره؟

حين يصبح المستقبل بحثًا عن اسم، تكون السياسة قد اختُزلت في الأشخاص. وحين يصبح البحث عن صاحب الحق في اختيار الاسم، نكون قد أعدنا السياسة إلى أصلها.

فالشرعية لا تنتقل من كرسي إلى كرسي، ولا تُورَّث من رجل إلى رجل، ولا تصنعها العواصم ثم تصادق عليها المؤسسات.

الشرعية تبدأ من المجتمع، أو لا تكون.

ولهذا فإن السؤال الفلسطيني بعد الرئيس محمود عباس ليس:

من يأتي بعده؟

بل:

هل يعود الفلسطيني ليكون هو من يقرر من يأتي؟
ذلك هو الفارق بين وراثة السلطة… وولادة الشرعية.

يحيى بركات
30/8/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...