عبدالمنعم الهراق - حديث الكتب... عندما استدعى المتنبي شُرّاحه...

في ليلة صيفية حارة ، هدأ ضجيج المكتبة، وانطفأت المصابيح واحدا بعد آخر، وبقي ضوء خافت يتسلل من نافذة عالية، يلامس ظهور الكتب النائمة على الرفوف ؛ وفجأة، سُمعت حركة في جناح الشعر.
تحرك ديوان من مكانه، وانفتح ببطء، ثم خرج منه صوت مهيب: أين شُرّاحي؟
ارتجفت الرفوف ، وسكتت الكتب لحظة، كأنها تعرف صاحب الصوت قبل أن تراه ، فجأة دخل أبي الطيب المتنبي ؛ كان واقفا في منتصف المكتبة، بثوبه العربي، وعينين فيهما شيء من الكبرياء القديم، وفيهما أيضا فضول شاعر عاد بعد قرون ليسأل الذين ظلوا يطاردون شعره بيتا بيتا .
قال: لقد عشت حياتي أقول الشعر، وأنتم أمضيتم أعماركم تشرحونه ، الليلة أريد أن أعرف: لماذا؟ ماذا وجدتم في شعري حتى لم تتركوه يمضي وحيدا؟
تقدم شرح العكبري أولا، وكان يحمل وقار الكتب القديمة، وقال: يا أبا الطيب، أنا لم آت شعرك لأقف عند معانيه الظاهرة فقط ، جئتُ لأكشف ما اختبأ خلفها ، فشرحتُ غريب ألفاظك، ووقفتُ عند تراكيبك، وربطتُ أبياتك بسياقاتها، واستعنتُ باللغة والنحو والبلاغة والأخبار ؛ أردتُ أن أجعل القارئ يرى القصيدة كما يراها من يقف أمام قصر عظيم: يعرف أبوابه، وأروقته، وأسراره.
ابتسم المتنبي: إذن أنت حارس مفاتيح القصيدة؟
قال العكبري: بل خادمها، يا أبا الطيب.
ثم تقدم أبو العلاء المعري، يمشي كمن جاء من عالم آخر، وقال بصوته المتأمل: أما أنا، فلم أشرح شعرك لأفسّر الكلمات وحسب ، شعرك كان عندي سؤالا، وأنا أحببت الأسئلة التي لا تنتهي ، رأيتُ في أبياتك فلسفة وحكمة وتجربة إنسانية، ورأيتُ الشاعر وهو يصارع اللغة والحياة معا ؛ لذلك اقتربتُ من ديوانك بعين الناقد، وعقل الفيلسوف، وذاكرة اللغوي.
قال المتنبي: وأنت يا أبا العلاء، هل كنت تشرحني أم تحاورني؟
أجاب المعري: كنتُ أحاورك ، وربما خالفتك أحيانا، لأن الشرح الذي لا يختلف مع صاحبه، يعتبر ترديدا وليس شرحا ؛ صحك المتنبي لأول مرة .
ثم جاء ابن جني ، وكان يبدو كأنه خرج لتوه من بين جذور الكلمات ، قال: يا أبا الطيب، أنا أعرفك من داخل اللغة ، كنتُ أبحث في ألفاظك كما يفتش الصائغ في جوهرة نادرة ، أتبين وجوه الاشتقاق، وأتتبع أسرار النحو والتصريف، وأكشف ما قد يخفى على القارئ من دقة استعمالك ؛ لقد كنتُ أؤمن أن في شعرك نظاما لا يراه إلا من دخل إلى اللغة من بابها الضيق.
اقترب المتنبي منه وقال: حتى قال الناس إنك من أكثر الناس معرفة بشعري.
فقال ابن جني: لأنني كنتُ أقرأك كشاعر يقرأ شاعرا، ولغويّ يقرأ لغة صنعتها يد شاعر ؛ ثم انحنى قليلا وأضاف:وأحيانا، كنتُ أجد في بيت واحد ما يكفي لدرس كامل في العربية.
قال المتنبي: وهذا شيء يرضي الشاعر أكثر مما يرضي النحوي.
فتقدم الواحدي، وقال: أما أنا، فقد أردتُ أن أضع يد القارئ على المعنى، وأن أزيل عنه ما قد يعترضه من غموض. شرحتُ الأبيات ، ووقفتُ عند المناسبات والقصص التي قيلت فيها، وربطتُ القول بأسباب النزول ، كنتُ أريد للقارئ أن يعرف: لماذا قلت هذا؟ ولمن قلته؟ وفي أي مقام ولد هذا البيت؟
ثم نظر إلى المتنبي وقال: فالشعر يا أبا الطيب لا يعيش في الفراغ ، وراء كل بيت حكاية، ووراء بعض الحكم جرح قديم، ووراء بعض المديح موقف، ووراء بعض الهجاء خصومة.
سكت المتنبي قليلا، كأنه تذكر شيئا من حياته ، ثم قال: أنت كنت تبحث عن القصيدة وهي تلبس ثوب التاريخ.
قال الواحدي: نعم.
وبينما كان الجميع يتحدثون، ظهر البرقوقي بثوبه الحديث، وكأنه جاء من زمن أبعد من زمنهم ، قال: أما أنا، فجئتُ إلى ديوانك بعدما تراكمت حوله الشروح والحواشي والتفسيرات ، أردتُ أن أقرّبك من القارئ الحديث، وأن أشرح ما استغلق من الألفاظ والتراكيب، وأوضح المعاني والإشارات، دون أن أفقد القصيدة روحها ثم اضاف قائلا : كان همّي أن أقول للقارئ ، لا تخف من المتنبي ، اقترب منه ، ستكتشف أن هذا الشاعر الذي يبدو شامخا بعيدا، كان يعرف الإنسان جيدا: ضعفه، وطموحه، وغدره، وحيرته، وفرحه وانكساره.
قال المتنبي: وهل نجحت في جعلي قريبا من القارئ؟
أجاب البرقوقي: بدليل أن أجيالا قرأتك من خلالي.
هنا تحرك كتاب آخر من الرف ، كان شرح ناصيف اليازجي ، قال: أنا جئتُ من زمن كان فيه الناس يخافون على العربية من الضعف، فرأيتُ فيك مدرسة قائمة بذاتها ، لذلك لم يكن شرحي مجرد تفسير للمعاني، بل محاولة لإبراز جمال العربية في شعرك، ودقة التعبير، وقوة الأسلوب، وما في أبياتك من بلاغة وفصاحة ، ثم أضاف : كنتُ أريد للقارئ أن يقرأ المتنبي، لا ليعرف ماذا قال فقط، بل ليعرف كيف استطاع أن يقول ما قاله بهذه القوة.
نظر إليه المتنبي طويلا، ثم قال: وهذه شهادة أحبها.
وأخيرا تقدم بطرس البستاني، يحمل بين يديه شيئا من روح المعاجم والموسوعات ، قال: أما أنا، فجئتُ إلى ديوانك لأجعل أبوابه أكثر انفتاحا على القارئ ، اهتممتُ باللغة، والمعنى، والإشارات، والأعلام، وما يحتاج إليه القارئ لفهم النص؛ كنتُ أريد أن أضع بين يدي القارئ جسرا يعبر به إلى عالمك، دون أن أزاحمك على الطريق.
قال المتنبي: ولماذا كل هذا العناء؟
أجاب البستاني: لأن بعض الشعر لا يُقرأ مرة واحدة.
ثم ساد الصمت طويل ، نظر المتنبي إلى الشروح السبعة ، العكبري كان يحمل مفاتيح اللغة والمعنى ، المعري يحمل سؤال الفلسفة والحوار ، ابن جني يحمل أسرار العربية ومفاتيحها الدقيقة ، الواحدي يحمل سياقات القصائد وأخبارها ومناسباتها ، البرقوقي يحمل رغبة التقريب والتيسير للقارئ الحديث ، ناصيف اليازجي يحمل عشق العربية وبلاغتها وجمال أسلوبها ، وبطرس البستاني يحمل روح الجمع والتوضيح وبناء الجسور بين القارئ والنص.
قال المتنبي: الآن فهمت ، اقتربوا جميعا ، أنتم لم تشرحوا شعري لأنكم وجدتموه ناقصا، بل لأنكم ألفيتموه واسعا.
ثم أخذ ديوانه بين يديه، وقلب بعض صفحاته، وقال: الشاعر يكتب قصيدته مرة، لكن القارئ قد يكتب لها عمرا كاملا من الأسئلة ، وأنتم لم تكونوا حواجز بيني وبين القراء، بل كنتم النوافذ التي دخلوا منها إلى عالمي.
ثم نظر إلى رفوف المكتبة وقال: عجيب أمر الكتاب ، يموت صاحبه، ويبقى صوته ، ويموت الشارح، ويبقى شرحه، أما القصيدة ، فتظل تمشي بينهما، لا هي ميتة ولا هي مكتملة.
ثم أغلق ديوانه، وقال وهو يغادر: لقد شرحتُم شعري، لكنكم لم تستطيعوا أن تشرحوا سر بقائه.
وعندما اختفى في آخر الممر، أغلقت الكتب صفحاتها ، وبقيت جملة واحدة معلقة في عتمة المكتبة: بعض الشعر يحتاج إلى شرح كي يُفهم، وبعضه يحتاج إلى شرح كي نكتشف أنه أكبر من كل شرح.
ومنذ تلك الليلة، كلما مررت أمام رف شروح المتنبي، خُيّل إليّ أنني أسمع همسا خافتا بين الكتب: نحن لا نشرح المتنبي ، نحن نحاول فقط أن نلحق به.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...