الضفة الغربية في مرمى الانتخابات الإسرائيلية.. هل يمهّد نتنياهو لانفجار محسوب؟

الضفة الغربية في مرمى الانتخابات الإسرائيلية.. هل يمهّد نتنياهو لانفجار محسوب؟



المحامي علي أبو حبلة



لم تعد الضفة الغربية المحتلة مجرد ساحة أمنية في الحسابات الإسرائيلية، بل باتت، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتصاعد اعتداءات المستوطنين، جزءاً متقدماً من المعركة السياسية الداخلية، وسط تحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من انفجار أمني واسع قد يصعب احتواؤه.



وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأنها تكشف، إلى جانب حجم التوتر، عن تباين متزايد بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية بشأن إدارة الضفة ومخاطر دفعها نحو مواجهة شاملة.



وقد أشار المحلل العسكري يوآف ليمور إلى أن الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون متطرفون، في قصرة وغيرها، تأتي ضمن سياق متصاعد يهدد بإشعال الضفة. والأكثر خطورة هو ما نُقل عن وجود انطباع داخل الجيش بأن بعض أركان الحكومة قد تكون معنية بتصعيد واسع، سواء بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية أو لأسباب سياسية وانتخابية.



وإذا صح هذا التقدير، فإن القضية تتجاوز مجرد عجز الحكومة عن ضبط المستوطنين، لتطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل يجري توظيف الفوضى الأمنية باعتبارها أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والانتخابي الإسرائيلي؟



السلطة الفلسطينية في مرمى السيناريوهات



الأكثر إثارة للقلق ما كشفه المحلل العسكري في «هآرتس» عاموس هرئيل عن طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إعداد خطة للتعامل مع احتمال توجيه أفراد من أجهزة الأمن الفلسطينية أسلحتهم ضد الجيش الإسرائيلي.



وبصرف النظر عن مدى واقعية هذا السيناريو، فإن مجرد بحثه على هذا المستوى يحمل دلالات سياسية وأمنية خطيرة، لأنه ينقل النقاش من الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون إلى احتمال انهيار التنسيق الأمني واندلاع مواجهة مباشرة بين الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن الفلسطينية.



وهنا تكمن المفارقة: بدلاً من معالجة أسباب التوتر، وفي مقدمتها اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، يجري التعامل مع احتمال انهيار السلطة وكأنه نتيجة محتملة ينبغي الاستعداد لها، بما قد يؤدي إلى تحميل الفلسطينيين مسبقاً مسؤولية تداعيات انفجار تصنع أسبابه على الأرض.



والواقع أن السلطة الفلسطينية، رغم أزمتها السياسية والمالية، ما زالت تمثل أحد العوامل التي تحول دون اتساع دائرة العنف. وأي مسار يؤدي إلى إضعافها أو انهيارها لن يعني فقط إضعاف طرف فلسطيني، بل قد يزيل إحدى آليات احتواء الانفجار.



المستوطنون والانتخابات



تكمن الخطورة الأكبر في تزامن هذا التصعيد مع الاستعداد للانتخابات الإسرائيلية. فالمواجهة الواسعة في الضفة يمكن أن تعيد ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي، وتنقل النقاش من ملفات الإخفاق السياسي والأمني إلى عناوين «الأمن» و«مواجهة الإرهاب».



وفي المجتمعات التي تعيش صراعاً ممتداً، يمكن للخوف أن يتحول إلى أداة سياسية مؤثرة في صناديق الاقتراع. ولذلك فإن إبقاء الضفة في حالة توتر دائم قد يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قوى سياسية ترى في التصعيد وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي.



القانون الدولي ليس ورقة انتخابية



من منظور القانون الدولي، لا يمكن التعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة انتخابية إسرائيلية. فهي أرض فلسطينية محتلة، وتتحمل إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، التزامات واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني تجاه السكان المدنيين وحماية حياتهم وممتلكاتهم.



ولا يمكن فصل اعتداءات المستوطنين عن مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال عن منع العنف وحماية السكان، كما أن أي تدهور في الوضع الأمني أو انهيار مؤسسات الحكم الفلسطينية لا يلغي الالتزامات القانونية الناشئة عن الاحتلال.



إن الخطر الحقيقي هو أن تتحول الضفة إلى «غزة جديدة» في الحسابات السياسية الإسرائيلية، بحيث يصبح التصعيد مدخلاً لعمليات عسكرية أوسع وفرض وقائع جديدة على الأرض.



لذلك، فإن المسؤولية الفلسطينية والدولية تقتضي التحرك لمنع الانفجار، وتوفير الحماية للسكان، ومواجهة عنف المستوطنين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، والحفاظ على مؤسسات السلطة ومنع انهيارها.



فالضفة الغربية ليست صندوق اقتراع إسرائيلياً، والفلسطينيون ليسوا وقوداً لمعركة انتخابية. وأي محاولة لتحويل أمنهم وحياتهم إلى ورقة في الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية لن تنتج أمناً، بل قد تفتح الباب أمام انفجار تتجاوز تداعياته حدود الضفة وإسرائيل والمنطقة بأسرها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...