[HEADING=2][/HEADING]
حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب
أحمد رجب شلتوت
ليست العلاقات بين الشرق والغرب مجرد تاريخ من الحروب والاحتلال والمصالح الاقتصادية؛ فثمة تاريخ آخر أكثر حميمية، جرت أحداثه في الظل، وصنعته الخيالات والصور المتبادلة عن الجسد والجنس. هذه المنطقة الملتبسة يناقشها المؤرخ البريطاني "ديريك هوبود" (1933–2020)، في كتابه "التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط: البريطانيون والفرنسيون والعرب"، الصادر بالعربية عن مشروع كلمة في 2009، بترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء.
حالة كاشفة
اختيار الموضوع في حد ذاته يمثل مغامرة؛ لأن "هوبود" يرى في الجنس مدخلا مهما لفهم العلاقات الأوروبية العربية، لقناعته بأن الطريقة التي ينظر بها مجتمع إلى جسد المجتمع الآخر تكشف كثيرًا من تصوراته عنه. وهو يضع العلاقات الجنسية في سياق أوسع من الصور والتصورات والأحكام المسبقة، فيميز بين العلاقات الحقيقية التي قد تنشأ بين أفراد من الطرفين، وبين التصورات العامة التي استقرت في العقول وانتقلت عبر الكتب والصور. وهو تمييز بالغ الأهمية؛ لأن الكتاب لا يريد أن يقول إن البريطانيين أو الفرنسيين كانوا على صورة واحدة في علاقتهم بالعرب، وإنما يحاول أن يضع التجربة الفردية في مواجهة الصورة الجماعية التي صنعتها الثقافة.
يبدأ الكتاب من سؤال عن الذي يمكن حدوثه عندما يلتقي أفراد ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين، وتحكم كل ثقافة منهما تصورات مسبقة عن الأخرى، هنا تصبح العلاقة الجنسية حالة كاشفة، فقد يلتقي رجل أوروبي بامرأة عربية في علاقة فعلية تتجاوز الصور المسبقة، لكن المجتمع الذي ينتمي إليه الطرفان ربما يكون قد صنع قبل اللقاء صورة كاملة عن الآخر. ولذلك يصبح اللقاء، بطريقة ما، مواجهة بين الإنسان الحقيقي والصورة المتخيلة عنه.
قد يكون الواقع أكثر تعقيدًا من الصورة، لكن الصورة تحدد ما يتوقعه الفرد من الآخر قبل أن يلتقيه، ولذلك يحرص المؤلف على تتبع هذه العلاقة عبر مراحل تاريخية مختلفة، هي المرحلة السابقة للاستعمار، والمرحلة الاستعمارية، ثم مرحلة ما بعد الاستعمار، وذلك يجعل الجنس عنده جزءًا من تاريخ طويل للاتصال بين العالم العربي وأوروبا، وليس ظاهرة منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية.
خلفية الأحكام المسبقة
يحمل الفصل الأول عنوان "خلفية الأحكام المسبقة"، ثم ينتقل الفصل الثاني إلى "الشرق الأوسط في الوعي الأوروبي"، قبل أن يصل الفصل الثالث إلى العلاقة بين الشرق الأوسط والإمبراطوريات. وهذا الترتيب يكشف عن الطريقة بناء الكتاب، فهو يبدأ من الصورة الذهنية، ثم يتابع تحولها إلى علاقة، ثم يضع العلاقة داخل سياق القوة السياسية والإمبراطورية. وهنا يقترب من منطقة الاستشراق، لكنه لا يدخل إليها بالطريق النظري المعتاد. فبدلًا من التركيز على الكتب العلمية والسياسية التي أنتجت معرفة عن الشرق، يتتبع "هوبود" المخيلة الجنسية التي ساهمت في إنتاج صورة الشرق.
والشرق في المخيلة الأوروبية لم يكن مجرد أرض بعيدة ذات تاريخ وحضارة؛ كان أيضًا مكانًا للغموض والغرابة والحريم والعادات الجنسية التي تبدو للأوروبي القادم من ثقافته موضوعًا للدهشة. وهكذا يصبح الجسد جزءًا من عملية إنتاج صورة الآخر. لكن "هوبود" لا يحصر المسألة في النظرة الأوروبية وحدها. فالكتاب، في فصوله اللاحقة، يحاول أن يتابع أيضًا موقف العرب من الأوروبيين والأوروبيات، وأن يرى العلاقات الجنسية بوصفها عملية تبادل للنظرات، وإن لم يكن هذا التبادل متكافئًا دائمًا.
الإمبراطورية في غرفة النوم
يأتي الفصل الثالث بعنوان «الشرق الأوسط والإمبراطوريات»، ثم يخصص الفصل الرابع للتجارب الفرنسية، والفصل الخامس للعلاقة بين الأوروبيين والمؤسسات أو الأوساط المرتبطة بالشرق الأوسط. وبعد ذلك ينتقل في الفصل السادس إلى «المواقف الغربية تجاه رجال الشرق ونسائه». وفي الفصول الثلاثة يرى أن الجنس لا يحدث في فراغ اجتماعي. فالأوروبي الذي يصل إلى الشرق في القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين لا يصل بوصفه فردًا مجردًا؛ فقد يكون سائحًا أو رحالة أو موظفًا أو جنديًا أو مستعمرًا، ومن ثم فإن علاقته بالآخر تحمل معها، بدرجات مختلفة، موقعه داخل منظومة القوة.
وهذا يجعل صورة المرأة الشرقية مثلًا قابلة لأن تصبح جزءًا من صورة أوسع عن المجتمع الشرقي كله، فإذا تم تصوير المرأة الشرقية كخاضعة أو غامضة أو شديدة الحسية، فإن الصورة لا تتوقف عند حدود المرأة؛ وإنما يمكن أن تمتد لتصبح حكمًا على المجتمع الذي تنتمي إليه. ومن هنا يكشف أن الاستعمار لم يكن مجرد سيطرة على الأرض، بل كان أيضًا سيطرة على صورة الآخر، وقد تكون السيطرة على الصورة أكثر استمرارًا من السيطرة السياسية نفسها، لأنها تنتقل الثقافة إلى المخيلة.
***
بين الصورة والسلوك
ينجح الكاتب بدرجة كبيرة في إثبات أن التصورات الجنسية كانت حاضرة في العلاقات بين الأوروبيين والعرب، وأن الأدب والرحلات والصور والوقائع الفردية ساهمت في تشكيل هذه التصورات. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما ينتقل من القول إن هذه التصورات موجودة إلى القول إنها أثرت في التاريخ.
فوجود تصور جنسي عن الشرق في كتاب لرحالة أوروبي لا يكفي وحده لإثبات أن هذا التصور كان له تأثير سياسي أو تاريخي مباشر. المهم كيفية انتقال الصورة من المخيلة إلى السلوك، ومن السلوك إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى القرار أو الحدث التاريخي، وهذا ما لم يستطع الكتاب إثباته. بمعنى أنه
نجح في إثبات حضور الجنس في التاريخ أكثر من نجاحه في إثبات أن الجنس صنع التاريخ.
لقاءات متبادلة
يمثل الفصل السابع، "أنماط السلوك الأوروبي"، ثم الفصل الثامن، "العلاقات المتبادلة"، انتقالًا مهمًا من صورة الآخر إلى السلوك الفعلي في العلاقات بين الطرفين. وهنا يستعيد الكتاب توازنه؛ لأن "هوبود" لا يكتفي بالصور العامة، بل يهتم باللقاءات الفردية. وهذه اللقاءات تكشف أحيانًا أن الإنسان أكثر تعقيدًا من الثقافة التي جاء منها. فقد يحمل الأوروبي معه صورة نمطية عن العربي، لكنه عندما يدخل في علاقة فعلية معه قد يكتشف أن الشخص الذي أمامه لا يطابق الصورة، والعكس صحيح. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لفكرة "هوبود "عن العلاقة بين اللقاءات الفردية والتصورات العامة. فالتاريخ لا يصنعه أصحاب الصور الكبرى وحدهم؛ بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يتجاوزون الصور في لقاءاتهم اليومية.
البريطانيون في الشرق الأوسط
في الفصل التاسع "حيوات البريطانيين في الشرق الأوسط"، ينقل الكاتب موضوعه من مستوى التصورات إلى مستوى الحياة اليومية. فالاستعمار، في نهاية المطاف، لم يكن مؤسسة مجردة؛ كان مجموعة من البشر يعيشون في أماكن أخرى، ويحبون ويكرهون ويدخلون في علاقات ويكوّنون صداقات ويصنعون خصومات. ولذلك فإن دراسة الحياة الخاصة لهؤلاء البريطانيين تكشف جانبًا من التاريخ لا يظهر في الوثائق السياسية. فالإمبراطورية ليست فقط ما فعلته الحكومات، وإنما أيضًا ما فعله الأشخاص الذين عاشوا داخلها. لكن يجب أن ننتبه كقراء إلى أن التجربة الفردية، ومهما كانت دالة ومثيرة، لا تسمح وحدها بتعميم الحكم على البريطانيين أو الفرنسيين أو العرب.
العرب في أوروبا
يكتسب الفصل العاشر، "العرب في أوروبا"، أهمية خاصة لأنه يعكس اتجاه النظرة الذي سيطر على جانب كبير من الكتاب. فبعد أن تابع المؤلف الأوروبيين وهم ينظرون إلى الشرق ونسائه، ينتقل إلى العربي حين يعبر الحدود باتجاه أوروبا، ليصبح هو الآخر موضوعًا للتجربة والدهشة والاغتراب. وبالطبع العربي يحمل معه صورة عن الغرب، كما تحمل أوروبا صورة عنه. فيصبح الانتقال الجغرافي دخولًا في مواجهة بين صورتين متخيلتين، سرعان ما تصطدمان بالواقع.
هنا يستعين المؤلف بعدد من الأعمال الأدبية العربية التي تصور تجربة العربي في أوروبا، منها رواية "بيرة في نادي البلياردو" لوجيه غالي، التي يتابع من خلالها تجربة مصريين يعيشان في لندن، وقد أدخلهما الانتقال إلى المجتمع البريطاني في حالة من الارتباك الأخلاقي والجسدي. فالعلاقة بالجنس هنا تقدم باعتبارها تجربة تكشف هشاشة الهوية حين تنتقل فجأة من منظومة قيم إلى منظومة أخرى. فالشخصيتان تنجذبان إلى الحرية الجنسية التي يتيحها المجتمع البريطاني، لكنهما لا تستطيعان الانفصال تمامًا عن منظومتهما الأصلية؛ فينشأ التمزق بين الرغبة والشعور بالذنب، وبين ما تتيحه البيئة الجديدة وما ترسخ في الداخل من قيم وتصورات. والأكثر دلالة أن تجربة أوروبا لا تنتهي بانتهاء الإقامة فيها؛ إذ يحمل العائد معه آثار التجربة إلى بلده. وهنا تصبح أوروبا، بالنسبة إلى الشخصيتين، تجربة غيرت علاقتهما بأنفسهما قبل أن تغير علاقتهما بالآخر.
ويزداد الأمر وضوحًا في الأمثلة الأدبية الأخرى التي يستدعيها، مثل "الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمن منيف، ففي هذه الأعمال يصبح الانتقال إلى الغرب وسيلة لاختبار منظومته الأخلاقية والاجتماعية، واكتشاف المسافة بين ما كان يتصوره عن أوروبا وما يجده فيها بالفعل. وفي المقابل تتيح هذه الرحلات للغرب أن يظهر بوصفه موضوعًا للنظر العربي، وليس بوصفه النموذج الذي يقيس الآخر.
وهنا يؤكد الفصل على أن التصورات الجنسية ليست ملكًا لطرف واحد، فإذا كان الأوروبي قد صنع صورة عن الشرق بوصفه عالمًا للغموض والحريم والحسية، فإن العربي يستطيع بدوره أن يحمل إلى أوروبا صورًا عن المرأة الأوروبية وعن حريتها الجنسية وعن المجتمع الذي يسمح بها. لكن "هوبود" يكشف أن الصورة المتخيلة تصطدم في النهاية بالإنسان الحقيقي. ففي تجربة العربي في أوروبا قد تتحول الحرية نفسها إلى مصدر للقلق، وقد يتحول التحرر من بعض القيود إلى اغتراب عن الذات. فالآخر ليس موجودًا خارجنا فقط؛ نحن نحمله في خيالنا قبل أن نلتقيه، فالأوروبي يحمل صورة عن العربي، والعربي كذلك يحمل صورة عن الأوروبي، وعندما يلتقيان تبدأ عملية اختبار لهذه الصور. وقد ينجح اللقاء في تحطيمها، لكنه قد يفشل أيضًا فيعيد إنتاجها بصورة أشد قسوة.
***
إن الكاتب هنا يستخرج من الأعمال الأدبية دلالات مهمة حول الصدمة والاغتراب والجنس، لكنه يميل إلى قراءة التجربة الجنسية باعتبارها مفتاحًا كافيًا لفهم التحول الذي يصيب الشخصية العربية في أوروبا. والحال أن ما تعرضه هذه الأعمال أكثر تعقيدًا؛ فالجنس يتقاطع فيها مع السياسة والمنفى والهوية والاغتراب النفسي، وليس دائمًا العامل المركزي في التجربة. لذلك فإن القيمة الكبرى لهذه الأعمال الأدبية تكمن في إظهار ما يحدث للإنسان حين تتصدع المسافة بين الصورة التي يحملها عن الآخر والصورة التي يحملها الآخر عنه.
بهذا المعنى، يمثل الفصل العاشر خاتمة مناسبة للكتاب؛ لأنه يعيد العلاقة إلى وضعها المتبادل بعد أن بدت في أجزاء سابقة وكأنها نظرة أوروبية إلى شرق موضوع للخيال والرغبة. وفي «العرب في أوروبا» يصبح الغرب نفسه موضوعًا للنظر، ويصبح العربي هو الذي يدخل التجربة حاملاً تصوراته وأسئلته ورغباته. وبالتالي لم تعد المشكلة في أن أحد الطرفين يملك صورة خاطئة عن الآخر، وإنما في أن كليهما قد يدخل اللقاء وهو يتعامل مع صورة بدلًا من إنسان.
وختاما فالفكرة المحورية للكتاب تتمثل في أن الاستعمار يبدأ باحتلال الأرض، لكنه لا يكتمل إلا حين يحتل الخيال صورة الإنسان الذي يسكنها. ومن هذه الزاوية يصبح الجسد أحد ميادين الصراع على تعريف الآخر. فحين يتحول جسد الشرقي إلى موضوع للرغبة أو الخوف أو الاشتهاء أو الاحتقار، فإنه يفقد جزءًا من فرديته ليصبح علامة على «الشرق» كله. وحين يرد العربي بالنظر إلى الأوروبي من موقعه الخاص، تبدأ عملية أخرى من إعادة تعريف الآخر.
كذلك نجح "ديريك هوبود" في اختيار موضوع مهم ومهمل نسبيًا، وفي إدراك أن العلاقات بين الشعوب لا تتشكل فقط عبر السياسة والاقتصاد، وإنما عبر المخيلة أيضًا. ونجح في الربط بين التصورات الجنسية وبين الصورة الأوسع التي صنعها الأوروبي عن الشرق الأوسط، كما أن انتقاله بين التجارب البريطانية والفرنسية والعربية، وبين اللقاءات الفردية والأحكام العامة، يمنح الكتاب ثراءً تاريخيًا واجتماعيًا واضحًا. أيضا كان موفقا في التعامل مع العلاقات الجنسية باعتبارها وثائق تكشف عن الإنسان وعن المجتمع وعن علاقات القوة.
لكن الكتاب يتعثر حين يوسع طموحه من دراسة التصورات الجنسية إلى الزعم بتأثيرها في مجرى التاريخ من دون أن تكون العلاقة السببية بين الأمرين واضحة دائمًا. كما أن كثرة الوقائع والشهادات قد تجعل بعض المواضع أقرب إلى التراكم منها إلى التحليل، فضلًا عن أن حضور التجربة العربية لا يبدو في جميع مراحل الكتاب موازيًا لحضور النظرة الأوروبية. والأهم أن الكتاب يقف قريبًا من أسئلة الاستشراق، لكنه لا يحول هذه الأسئلة إلى إطار نظري مكتمل.
وبالرغم من ذلك، يظل الكتاب مهما، رغم مرور ربع قرن على صدور طبعته الإنجليزية الأولى، حتى وإن لم تنجح كل أطروحاته بالدرجة نفسها. فهو لا يقدم الكلمة الأخيرة في تاريخ الجنس والاستعمار، لكنه يفتح بابًا مهمًا لكتابة تاريخ مختلف للعلاقة بين الشرق والغرب؛ وهنا، في المسافة بين الجسد كما هو والجسد كما تراه المخيلة، يجد "ديريك هوبود "مادته التاريخية الأكثر إثارة، ويجد قارئه سؤال الكتاب الأعمق: هل يمكن أن نلتقي بالآخر حقًا إذا كنا قد صنعناه في خيالنا قبل أن نراه؟
حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب
أحمد رجب شلتوت
ليست العلاقات بين الشرق والغرب مجرد تاريخ من الحروب والاحتلال والمصالح الاقتصادية؛ فثمة تاريخ آخر أكثر حميمية، جرت أحداثه في الظل، وصنعته الخيالات والصور المتبادلة عن الجسد والجنس. هذه المنطقة الملتبسة يناقشها المؤرخ البريطاني "ديريك هوبود" (1933–2020)، في كتابه "التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط: البريطانيون والفرنسيون والعرب"، الصادر بالعربية عن مشروع كلمة في 2009، بترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء.
حالة كاشفة
اختيار الموضوع في حد ذاته يمثل مغامرة؛ لأن "هوبود" يرى في الجنس مدخلا مهما لفهم العلاقات الأوروبية العربية، لقناعته بأن الطريقة التي ينظر بها مجتمع إلى جسد المجتمع الآخر تكشف كثيرًا من تصوراته عنه. وهو يضع العلاقات الجنسية في سياق أوسع من الصور والتصورات والأحكام المسبقة، فيميز بين العلاقات الحقيقية التي قد تنشأ بين أفراد من الطرفين، وبين التصورات العامة التي استقرت في العقول وانتقلت عبر الكتب والصور. وهو تمييز بالغ الأهمية؛ لأن الكتاب لا يريد أن يقول إن البريطانيين أو الفرنسيين كانوا على صورة واحدة في علاقتهم بالعرب، وإنما يحاول أن يضع التجربة الفردية في مواجهة الصورة الجماعية التي صنعتها الثقافة.
يبدأ الكتاب من سؤال عن الذي يمكن حدوثه عندما يلتقي أفراد ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين، وتحكم كل ثقافة منهما تصورات مسبقة عن الأخرى، هنا تصبح العلاقة الجنسية حالة كاشفة، فقد يلتقي رجل أوروبي بامرأة عربية في علاقة فعلية تتجاوز الصور المسبقة، لكن المجتمع الذي ينتمي إليه الطرفان ربما يكون قد صنع قبل اللقاء صورة كاملة عن الآخر. ولذلك يصبح اللقاء، بطريقة ما، مواجهة بين الإنسان الحقيقي والصورة المتخيلة عنه.
قد يكون الواقع أكثر تعقيدًا من الصورة، لكن الصورة تحدد ما يتوقعه الفرد من الآخر قبل أن يلتقيه، ولذلك يحرص المؤلف على تتبع هذه العلاقة عبر مراحل تاريخية مختلفة، هي المرحلة السابقة للاستعمار، والمرحلة الاستعمارية، ثم مرحلة ما بعد الاستعمار، وذلك يجعل الجنس عنده جزءًا من تاريخ طويل للاتصال بين العالم العربي وأوروبا، وليس ظاهرة منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية.
خلفية الأحكام المسبقة
يحمل الفصل الأول عنوان "خلفية الأحكام المسبقة"، ثم ينتقل الفصل الثاني إلى "الشرق الأوسط في الوعي الأوروبي"، قبل أن يصل الفصل الثالث إلى العلاقة بين الشرق الأوسط والإمبراطوريات. وهذا الترتيب يكشف عن الطريقة بناء الكتاب، فهو يبدأ من الصورة الذهنية، ثم يتابع تحولها إلى علاقة، ثم يضع العلاقة داخل سياق القوة السياسية والإمبراطورية. وهنا يقترب من منطقة الاستشراق، لكنه لا يدخل إليها بالطريق النظري المعتاد. فبدلًا من التركيز على الكتب العلمية والسياسية التي أنتجت معرفة عن الشرق، يتتبع "هوبود" المخيلة الجنسية التي ساهمت في إنتاج صورة الشرق.
والشرق في المخيلة الأوروبية لم يكن مجرد أرض بعيدة ذات تاريخ وحضارة؛ كان أيضًا مكانًا للغموض والغرابة والحريم والعادات الجنسية التي تبدو للأوروبي القادم من ثقافته موضوعًا للدهشة. وهكذا يصبح الجسد جزءًا من عملية إنتاج صورة الآخر. لكن "هوبود" لا يحصر المسألة في النظرة الأوروبية وحدها. فالكتاب، في فصوله اللاحقة، يحاول أن يتابع أيضًا موقف العرب من الأوروبيين والأوروبيات، وأن يرى العلاقات الجنسية بوصفها عملية تبادل للنظرات، وإن لم يكن هذا التبادل متكافئًا دائمًا.
الإمبراطورية في غرفة النوم
يأتي الفصل الثالث بعنوان «الشرق الأوسط والإمبراطوريات»، ثم يخصص الفصل الرابع للتجارب الفرنسية، والفصل الخامس للعلاقة بين الأوروبيين والمؤسسات أو الأوساط المرتبطة بالشرق الأوسط. وبعد ذلك ينتقل في الفصل السادس إلى «المواقف الغربية تجاه رجال الشرق ونسائه». وفي الفصول الثلاثة يرى أن الجنس لا يحدث في فراغ اجتماعي. فالأوروبي الذي يصل إلى الشرق في القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين لا يصل بوصفه فردًا مجردًا؛ فقد يكون سائحًا أو رحالة أو موظفًا أو جنديًا أو مستعمرًا، ومن ثم فإن علاقته بالآخر تحمل معها، بدرجات مختلفة، موقعه داخل منظومة القوة.
وهذا يجعل صورة المرأة الشرقية مثلًا قابلة لأن تصبح جزءًا من صورة أوسع عن المجتمع الشرقي كله، فإذا تم تصوير المرأة الشرقية كخاضعة أو غامضة أو شديدة الحسية، فإن الصورة لا تتوقف عند حدود المرأة؛ وإنما يمكن أن تمتد لتصبح حكمًا على المجتمع الذي تنتمي إليه. ومن هنا يكشف أن الاستعمار لم يكن مجرد سيطرة على الأرض، بل كان أيضًا سيطرة على صورة الآخر، وقد تكون السيطرة على الصورة أكثر استمرارًا من السيطرة السياسية نفسها، لأنها تنتقل الثقافة إلى المخيلة.
***
بين الصورة والسلوك
ينجح الكاتب بدرجة كبيرة في إثبات أن التصورات الجنسية كانت حاضرة في العلاقات بين الأوروبيين والعرب، وأن الأدب والرحلات والصور والوقائع الفردية ساهمت في تشكيل هذه التصورات. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما ينتقل من القول إن هذه التصورات موجودة إلى القول إنها أثرت في التاريخ.
فوجود تصور جنسي عن الشرق في كتاب لرحالة أوروبي لا يكفي وحده لإثبات أن هذا التصور كان له تأثير سياسي أو تاريخي مباشر. المهم كيفية انتقال الصورة من المخيلة إلى السلوك، ومن السلوك إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى القرار أو الحدث التاريخي، وهذا ما لم يستطع الكتاب إثباته. بمعنى أنه
نجح في إثبات حضور الجنس في التاريخ أكثر من نجاحه في إثبات أن الجنس صنع التاريخ.
لقاءات متبادلة
يمثل الفصل السابع، "أنماط السلوك الأوروبي"، ثم الفصل الثامن، "العلاقات المتبادلة"، انتقالًا مهمًا من صورة الآخر إلى السلوك الفعلي في العلاقات بين الطرفين. وهنا يستعيد الكتاب توازنه؛ لأن "هوبود" لا يكتفي بالصور العامة، بل يهتم باللقاءات الفردية. وهذه اللقاءات تكشف أحيانًا أن الإنسان أكثر تعقيدًا من الثقافة التي جاء منها. فقد يحمل الأوروبي معه صورة نمطية عن العربي، لكنه عندما يدخل في علاقة فعلية معه قد يكتشف أن الشخص الذي أمامه لا يطابق الصورة، والعكس صحيح. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لفكرة "هوبود "عن العلاقة بين اللقاءات الفردية والتصورات العامة. فالتاريخ لا يصنعه أصحاب الصور الكبرى وحدهم؛ بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يتجاوزون الصور في لقاءاتهم اليومية.
البريطانيون في الشرق الأوسط
في الفصل التاسع "حيوات البريطانيين في الشرق الأوسط"، ينقل الكاتب موضوعه من مستوى التصورات إلى مستوى الحياة اليومية. فالاستعمار، في نهاية المطاف، لم يكن مؤسسة مجردة؛ كان مجموعة من البشر يعيشون في أماكن أخرى، ويحبون ويكرهون ويدخلون في علاقات ويكوّنون صداقات ويصنعون خصومات. ولذلك فإن دراسة الحياة الخاصة لهؤلاء البريطانيين تكشف جانبًا من التاريخ لا يظهر في الوثائق السياسية. فالإمبراطورية ليست فقط ما فعلته الحكومات، وإنما أيضًا ما فعله الأشخاص الذين عاشوا داخلها. لكن يجب أن ننتبه كقراء إلى أن التجربة الفردية، ومهما كانت دالة ومثيرة، لا تسمح وحدها بتعميم الحكم على البريطانيين أو الفرنسيين أو العرب.
العرب في أوروبا
يكتسب الفصل العاشر، "العرب في أوروبا"، أهمية خاصة لأنه يعكس اتجاه النظرة الذي سيطر على جانب كبير من الكتاب. فبعد أن تابع المؤلف الأوروبيين وهم ينظرون إلى الشرق ونسائه، ينتقل إلى العربي حين يعبر الحدود باتجاه أوروبا، ليصبح هو الآخر موضوعًا للتجربة والدهشة والاغتراب. وبالطبع العربي يحمل معه صورة عن الغرب، كما تحمل أوروبا صورة عنه. فيصبح الانتقال الجغرافي دخولًا في مواجهة بين صورتين متخيلتين، سرعان ما تصطدمان بالواقع.
هنا يستعين المؤلف بعدد من الأعمال الأدبية العربية التي تصور تجربة العربي في أوروبا، منها رواية "بيرة في نادي البلياردو" لوجيه غالي، التي يتابع من خلالها تجربة مصريين يعيشان في لندن، وقد أدخلهما الانتقال إلى المجتمع البريطاني في حالة من الارتباك الأخلاقي والجسدي. فالعلاقة بالجنس هنا تقدم باعتبارها تجربة تكشف هشاشة الهوية حين تنتقل فجأة من منظومة قيم إلى منظومة أخرى. فالشخصيتان تنجذبان إلى الحرية الجنسية التي يتيحها المجتمع البريطاني، لكنهما لا تستطيعان الانفصال تمامًا عن منظومتهما الأصلية؛ فينشأ التمزق بين الرغبة والشعور بالذنب، وبين ما تتيحه البيئة الجديدة وما ترسخ في الداخل من قيم وتصورات. والأكثر دلالة أن تجربة أوروبا لا تنتهي بانتهاء الإقامة فيها؛ إذ يحمل العائد معه آثار التجربة إلى بلده. وهنا تصبح أوروبا، بالنسبة إلى الشخصيتين، تجربة غيرت علاقتهما بأنفسهما قبل أن تغير علاقتهما بالآخر.
ويزداد الأمر وضوحًا في الأمثلة الأدبية الأخرى التي يستدعيها، مثل "الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمن منيف، ففي هذه الأعمال يصبح الانتقال إلى الغرب وسيلة لاختبار منظومته الأخلاقية والاجتماعية، واكتشاف المسافة بين ما كان يتصوره عن أوروبا وما يجده فيها بالفعل. وفي المقابل تتيح هذه الرحلات للغرب أن يظهر بوصفه موضوعًا للنظر العربي، وليس بوصفه النموذج الذي يقيس الآخر.
وهنا يؤكد الفصل على أن التصورات الجنسية ليست ملكًا لطرف واحد، فإذا كان الأوروبي قد صنع صورة عن الشرق بوصفه عالمًا للغموض والحريم والحسية، فإن العربي يستطيع بدوره أن يحمل إلى أوروبا صورًا عن المرأة الأوروبية وعن حريتها الجنسية وعن المجتمع الذي يسمح بها. لكن "هوبود" يكشف أن الصورة المتخيلة تصطدم في النهاية بالإنسان الحقيقي. ففي تجربة العربي في أوروبا قد تتحول الحرية نفسها إلى مصدر للقلق، وقد يتحول التحرر من بعض القيود إلى اغتراب عن الذات. فالآخر ليس موجودًا خارجنا فقط؛ نحن نحمله في خيالنا قبل أن نلتقيه، فالأوروبي يحمل صورة عن العربي، والعربي كذلك يحمل صورة عن الأوروبي، وعندما يلتقيان تبدأ عملية اختبار لهذه الصور. وقد ينجح اللقاء في تحطيمها، لكنه قد يفشل أيضًا فيعيد إنتاجها بصورة أشد قسوة.
***
إن الكاتب هنا يستخرج من الأعمال الأدبية دلالات مهمة حول الصدمة والاغتراب والجنس، لكنه يميل إلى قراءة التجربة الجنسية باعتبارها مفتاحًا كافيًا لفهم التحول الذي يصيب الشخصية العربية في أوروبا. والحال أن ما تعرضه هذه الأعمال أكثر تعقيدًا؛ فالجنس يتقاطع فيها مع السياسة والمنفى والهوية والاغتراب النفسي، وليس دائمًا العامل المركزي في التجربة. لذلك فإن القيمة الكبرى لهذه الأعمال الأدبية تكمن في إظهار ما يحدث للإنسان حين تتصدع المسافة بين الصورة التي يحملها عن الآخر والصورة التي يحملها الآخر عنه.
بهذا المعنى، يمثل الفصل العاشر خاتمة مناسبة للكتاب؛ لأنه يعيد العلاقة إلى وضعها المتبادل بعد أن بدت في أجزاء سابقة وكأنها نظرة أوروبية إلى شرق موضوع للخيال والرغبة. وفي «العرب في أوروبا» يصبح الغرب نفسه موضوعًا للنظر، ويصبح العربي هو الذي يدخل التجربة حاملاً تصوراته وأسئلته ورغباته. وبالتالي لم تعد المشكلة في أن أحد الطرفين يملك صورة خاطئة عن الآخر، وإنما في أن كليهما قد يدخل اللقاء وهو يتعامل مع صورة بدلًا من إنسان.
وختاما فالفكرة المحورية للكتاب تتمثل في أن الاستعمار يبدأ باحتلال الأرض، لكنه لا يكتمل إلا حين يحتل الخيال صورة الإنسان الذي يسكنها. ومن هذه الزاوية يصبح الجسد أحد ميادين الصراع على تعريف الآخر. فحين يتحول جسد الشرقي إلى موضوع للرغبة أو الخوف أو الاشتهاء أو الاحتقار، فإنه يفقد جزءًا من فرديته ليصبح علامة على «الشرق» كله. وحين يرد العربي بالنظر إلى الأوروبي من موقعه الخاص، تبدأ عملية أخرى من إعادة تعريف الآخر.
كذلك نجح "ديريك هوبود" في اختيار موضوع مهم ومهمل نسبيًا، وفي إدراك أن العلاقات بين الشعوب لا تتشكل فقط عبر السياسة والاقتصاد، وإنما عبر المخيلة أيضًا. ونجح في الربط بين التصورات الجنسية وبين الصورة الأوسع التي صنعها الأوروبي عن الشرق الأوسط، كما أن انتقاله بين التجارب البريطانية والفرنسية والعربية، وبين اللقاءات الفردية والأحكام العامة، يمنح الكتاب ثراءً تاريخيًا واجتماعيًا واضحًا. أيضا كان موفقا في التعامل مع العلاقات الجنسية باعتبارها وثائق تكشف عن الإنسان وعن المجتمع وعن علاقات القوة.
لكن الكتاب يتعثر حين يوسع طموحه من دراسة التصورات الجنسية إلى الزعم بتأثيرها في مجرى التاريخ من دون أن تكون العلاقة السببية بين الأمرين واضحة دائمًا. كما أن كثرة الوقائع والشهادات قد تجعل بعض المواضع أقرب إلى التراكم منها إلى التحليل، فضلًا عن أن حضور التجربة العربية لا يبدو في جميع مراحل الكتاب موازيًا لحضور النظرة الأوروبية. والأهم أن الكتاب يقف قريبًا من أسئلة الاستشراق، لكنه لا يحول هذه الأسئلة إلى إطار نظري مكتمل.
وبالرغم من ذلك، يظل الكتاب مهما، رغم مرور ربع قرن على صدور طبعته الإنجليزية الأولى، حتى وإن لم تنجح كل أطروحاته بالدرجة نفسها. فهو لا يقدم الكلمة الأخيرة في تاريخ الجنس والاستعمار، لكنه يفتح بابًا مهمًا لكتابة تاريخ مختلف للعلاقة بين الشرق والغرب؛ وهنا، في المسافة بين الجسد كما هو والجسد كما تراه المخيلة، يجد "ديريك هوبود "مادته التاريخية الأكثر إثارة، ويجد قارئه سؤال الكتاب الأعمق: هل يمكن أن نلتقي بالآخر حقًا إذا كنا قد صنعناه في خيالنا قبل أن نراه؟