يحيى بركات ،' غزة والعدسة الرابعة: حين فقدت الصحافة احتكار الصورة

قرأت مقال بول مخلوف
«تشومسكي وسعيد وإرنو حين عرّت غزة الصحافة الغربية»،
فتوقفت طويلًا أمام الطرق الثلاثة التي فتحها لقراءة ما فعلته غزة بصورة الإعلام الغربي.

فبول مخلوف لديه ثلاثة طرق: تشومسكي والمؤسسة، سعيد والتمثيل، إرنو والمسؤولية الأخلاقية.

ثلاثة مفكرين، وثلاث زوايا مختلفة للنظر إلى المشهد. تشومسكي يأخذنا إلى المؤسسة التي تصنع الخبر: من يملكها؟ من تختار مصدرًا؟ من تمنحه صفة الخبير؟ ما الذي تضعه في مقدمة النشرة، وما الذي تدفع به إلى الهامش؟

وإدوارد سعيد يأخذنا إلى التمثيل؛ إلى العين التي ترى الفلسطيني قبل أن تراه، وإلى الصورة القديمة التي تسبقه إلى الشاشة، وإلى اللغة التي تمنح إنسانًا اسمًا وعائلة وذاكرة، بينما تختصر إنسانًا آخر في رقم أو تهديد أو «مشكلة أمنية».

أما آني إرنو فتأخذنا إلى المسؤولية الأخلاقية للكاتب والمثقف والصحافي عندما يصبح الصمت نفسه موقفًا، وعندما لا تعود الكلمات بريئة أمام الدم.

وجدتني ألتقي مع بول مخلوف في هذه الطرق الثلاثة. لكنني، وأنا أقرأ، شعرت أن هناك شيئًا آخر يقف خارج الكادر. شيئًا رافق غزة منذ اللحظة الأولى، ورأى ما رأته، ودخل البيوت والمستشفيات والخيام، ووقف تحت الركام وفوقه، وعبر الحدود التي لم يستطع كثير من الصحافيين عبورها.

عدسة أخرى لم تكن في يد المؤسسة.

الكاميرا.

وهنا، بالنسبة لي، فتحت غزة الطريق الرابع.

لا طريقًا يناقض الطرق الثلاثة، بل طريقًا يلتقي بها ويضيف إليها. فإذا كان تشومسكي يسأل عن المؤسسة التي تصنع الخبر، وسعيد عن التمثيل ومن يملك صورة الآخر، وإرنو عن المسؤولية الأخلاقية لمن يرى ويكتب، فإن غزة وضعت أمامنا سؤالًا جديدًا:

ماذا يحدث عندما يمسك الإنسان الذي كان موضوعًا للخبر بالكاميرا بنفسه؟

ولم تكن هذه المرة كاميرا المؤسسة. كانت، في الغالب، هاتفًا صغيرًا في يد إنسان.

وهنا تغيّر المشهد.

لسنوات طويلة كانت المؤسسة الإعلامية الكبرى تمتلك تقريبًا عناصر الصورة كلها. ترسل المراسل، تحمل الكاميرا، تختار اللقطة، تعود بها إلى غرفة المونتاج، تكتب العنوان، تضع التعليق، ثم تقرر متى نراها، وكم ثانية نراها، وما الذي ينبغي أن نفهمه منها.

وكان الفلسطيني، في الغالب، موضوعًا أمام الكاميرا. الآخر يصوره، والآخر يسأله، والآخر يختار من كلامه، والآخر يضع صوته فوق صورته.

أما في غزة فقد حدث انقلاب صغير بحجم هاتف محمول.

الفلسطيني أمسك الكاميرا بنفسه.

لم يعد ينتظر أن يأتي أحد ليصوره. صار هو المصور والشاهد وصاحب الصورة، وأحيانًا كان هو موضوع الصورة أيضًا.

أب يحمل هاتفه ويصور جثامين أطفاله. ابن يصور المكان الذي قُتلت فيه أمه وإخوته. فتاة تقف أمام ركام بيتها، وتعرف أن تحت هذه الكتلة من الإسمنت والحديد أفرادًا من عائلتها.

وهاتف يظل يعمل من تحت الركام.

لا نرى وجه صاحبه. قطعة من الإسمنت. شعاع صغير من الضوء. أنفاس. استغاثة. ثم ربما ينقطع التسجيل.

في السينما يستطيع المخرج أن يقطع المشهد عندما يصبح الألم أكبر من احتمال المتفرج. لكن كاميرا غزة لم يكن لديها هذا الترف.

المشهد لم يكن فيلمًا.

ولذلك لم يكن هناك أحد يستطيع أن يقول:

قطع.

تخرج الكاميرا من تحت الركام إلى الشارع. عمارة شاهقة تقف للحظة. يبدأ الغبار من أسفلها، ثم تهوي طوابقها فوق بعضها.

خلف كل نافذة كانت، قبل ثوانٍ، حياة: سرير، خزانة، لعبة طفل، صورة عرس، فنجان قهوة تُرك على الطاولة.

ثم تختفي العمارة.

تتحرك الكاميرا. عمارة أخرى. شارع آخر. حي آخر. حتى يفقد تعبير «بيت مدمر» معناه، لأن الكادر نفسه لم يعد قادرًا على العثور على نهاية للخراب.

لم تعد الكاميرا تصور ركام بيت.

صارت تصور مدينة تتحول إلى ركام.

ثم يتحرك الكادر.

آلاف البشر يمشون. نساء وأطفال وشيوخ. حقائب صغيرة وأغطية وأكياس. طفل يحمل طفلًا، وأم تحمل ما استطاعت حمله من حياة بيت لم يعد موجودًا.

يمشون بمحاذاة البحر بحثًا عن مكان يأويهم. أي مكان. قطعة أرض. خيمة. سماء أقل خطرًا.

والكاميرا تمشي معهم.

لا توجد محطة وصول في نهاية اللقطة. فقط بشر يمشون.

وكأن صورة فلسطينية قديمة عادت من أرشيف النكبة، لكنها هذه المرة لم تصلنا بعد عقود، بالأبيض والأسود، داخل كتاب تاريخ.

النزوح يحدث أمامنا.

بالألوان.

بالصوت.

وفي اللحظة نفسها.

لكن الطريق الرابع حمل مفارقة لم يكن أحد يتوقعها.

الكاميرا لم تبقَ في يد الضحية وحدها.

على الجهة الأخرى من الركام أخرج جنود وضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي هواتفهم أيضًا.

وصوّروا.

وهنا لا نعود أمام كاميرا فلسطينية تتهم الجندي فقط. نحن أمام صور خرج بعضها من هواتف الجنود أنفسهم وانتشر عبر منصات التواصل: تفجير مبانٍ ومناطق واسعة، عمليات تدمير تتحول في بعض المقاطع إلى احتفال أو إهداء، معتقلون فلسطينيون مجردون من ملابسهم تحت سيطرة الجنود، مشاهد للجثامين والآليات والجرافات، وجنود أمام البيوت المدمرة وداخل البيوت التي دخلوها.

القوة نفسها تقف أحيانًا أمام الكاميرا وتستعرض فعلها.

ولا يعنيني هنا أن أدخل إلى نفسية الجندي، ولا ماذا شعر بعد ذلك.

يعنيني ما هو أبسط وأشد خطورة:

أنه صوّر، وأنني رأيت.

الهاتف هو الهاتف. العدسة هي العدسة. وزر التسجيل هو الزر نفسه.

لكن ما يقف خلف الكاميرتين عالمان مختلفان.

كاميرا الضحية تقول:

انظروا ماذا يحدث لنا.

وكاميرا الجندي تقول، في بعض تلك المقاطع، من دون أن تدرك ربما ما الذي تتركه للتاريخ:

انظروا ماذا نفعل.

الأولى تبحث عن شاهد.

والثانية صنعت شاهدًا، حتى عندما أرادت أن تصنع جمهورًا.

وهنا دخل شخص ثالث إلى الكادر.

أنا.

الإنسان الذي يشاهد.

لم أكن داخل البيت حين قُصف، لكن هاتف صاحبه أدخلني إليه. لم أكن تحت الركام، لكنني سمعت الصوت الخارج من تحته. لم أمشِ على طريق النزوح، لكن الكاميرا جعلتني أرى من يمشون عليه. ولم أكن إلى جوار الجندي عندما وقع الفعل، لكن هاتفًا من الجهة الأخرى وضع بعض تلك الأفعال أمام عيني.

لا أستطيع أن أدعي أنني عشت ما عاشه أهل غزة. بين مشاهدة الألم وعيشه مسافة لا يحق لنا إلغاؤها.

لكنني رأيت.

ورأيت ما يكفي كي تسقط عني حجة أنني لم أكن أعرف.

وهنا، في رأيي، فعلت غزة بالصحافة الغربية شيئًا أكبر من كشف انحيازها.

لقد كسرت احتكارها للصورة.

لم تعد المؤسسة وحدها تقف بين الحدث وبيننا. لم تعد تستطيع أن تقرر وحدها ما الذي يستحق أن نراه.

صار هناك دائمًا مشهد آخر خارج غرفة الأخبار.

النشرة تقول شيئًا، والهاتف يعرض شيئًا آخر. المتحدث العسكري يقدم رواية، وتأتي الصورة من المكان.

يقول العنوان: «ضربة».

وترى أنت العمارة تختفي.

يقول: «عملية عسكرية».

وترى الحي.

يقول: «إخلاء».

وترى البشر يحملون ما تبقى من حياتهم ويمشون إلى المجهول.

وحين تعجز المؤسسة عن احتكار الصورة، تنتقل المعركة إلى مكان آخر:

إلى اسم الصورة.

إذا لم تستطع منع صورة البيت المدمر، تستطيع أن تسميه «هدفًا». وإذا لم تستطع إخفاء الطفل القتيل، تستطيع أن تضعه داخل «حصيلة». وإذا وصلت صورة المستشفى، تستطيع أن تبدأ الخبر برواية عسكرية.

إذا أفلتت الكاميرا من يدك، تحاول أن تمسك بالكلمات المحيطة بها.

وهكذا أصبحت اللغة، في كثير من الأحيان، خط الدفاع الأخير عن الرواية القديمة.

وهنا يعود تشومسكي؛ فالمشكلة ليست دائمًا في اختراع الكذبة، بل في صناعة الإطار الذي توضع داخله الحقيقة.

ويعود سعيد؛ لأن السؤال ليس فقط ماذا نرى، بل من يملك حق تسمية ما نراه.

وتعود إرنو؛ لأن الإنسان، بعدما يرى، لا يستطيع الاحتماء إلى الأبد خلف كلمة «الحياد».

لكن الطريق الرابع أضاف شيئًا لم يكن موجودًا بهذه القوة من قبل:

الصورة خرجت من يد الوسيط.

وهنا تصبح كاميرا الهاتف أكثر من وسيلة إعلام.

تصبح شاهدًا.

وذاكرة.

وأرشيفًا.

وقد تصبح دليلًا.

لكن المفارقة أن هذا الأرشيف الهائل لا يوجد في أرشيف. إنه مبعثر بين آلاف الهواتف والحسابات والصفحات والمنصات؛ في أجهزة الآباء والأمهات، والصحافيين، والأطباء، والمسعفين، والنازحين، وفي هواتف وحسابات جنود جيش الاحتلال أيضًا.

وقد تكون لدينا ملايين الصور...

ولا يكون لدينا أرشيف واحد.

الصورة التي نراها اليوم قد تختفي غدًا. حساب يُغلق، منصة تحذف، هاتف يتحطم، صاحبه يرحل، رابط يموت. وقد يبقى الفيديو وتضيع هويته: من صوّره؟ أين؟ متى؟ من يظهر فيه؟

عندها نكون قد حفظنا الصورة وفقدنا الوثيقة.

لهذا لا يكفي أن نجمع المقاطع. علينا أن ننقذ ذاكرتها: الاسم، المكان، التاريخ، الوقت متى أمكن، المصور، أسماء من يظهرون في الصورة حين تُعرف، مصدر النسخة الأصلية، وما تحقق منها وما بقي بحاجة إلى تحقق.

فالفرق بين فيديو عابر على منصة اجتماعية وبين وثيقة للتاريخ ليس الصورة وحدها.

إنه السياق الذي يبقى حولها عندما يرحل أصحابها.

ونحن الفلسطينيين نعرف معنى ضياع الصورة. نعرف الأفلام التي ضاعت، والأشرطة التي تناثرت، والأرشيفات التي رحلت من مدينة إلى أخرى ومن حرب إلى أخرى، ثم أمضت أجيال سنوات تبحث عن بكرة فيلم أو نسخة نجت بالمصادفة.

ولا يجوز أن نكرر المأساة نفسها لأننا صدقنا أن العصر الرقمي لا ينسى.

العصر الرقمي ينسى أيضًا.

فيسبوك ليس أرشيف فلسطين. وتيك توك ليس خزانة ذاكرتنا. والهاتف ليس مكانًا آمنًا للتاريخ.

ولهذا فإن جمع الأرشيف البصري لغزة وحفظه وتوثيقه ليس ترفًا ثقافيًا يؤجل إلى زمن أكثر هدوءًا. إنه جزء من حماية الرواية نفسها.

وليس المطلوب أرشيفًا للموت وحده، فالذاكرة الفلسطينية لا يجوز أن تحفظ كيف مات الناس وتنسى كيف عاشوا.

يجب أن يبقى البيت قبل أن يصبح ركامًا، والشارع قبل أن يُمحى، والأم أمام موقدها، والطفل في مدرسته، والصياد أمام البحر، والضحكة التي سبقت القصف.

والأسماء.

خصوصًا الأسماء.

لأن محو المكان يبدأ أحيانًا بتدمير الحجر، لكنه يكتمل إذا نجح في محو ذاكرته.

وهنا أعود إلى الطرق الأربعة.

ليس لكي أعيد الأسئلة، بل لأنني أراها الآن في مشهد واحد.

تشومسكي وقف خلف غرفة الأخبار وسأل عن السلطة التي تصنع الخبر.

إدوارد سعيد وقف أمام الصورة وسأل عن العين التي تصنع الآخر.

آني إرنو وقفت أمام الكاتب وسألت عن مسؤوليته عندما يرى.

ثم جاءت غزة.

لم تدخل من باب النظرية.

دخلت من شاشة هاتف صغيرة، مغطاة بالغبار.

ووضعت الطريق الرابع أمامنا:

أن يمسك الإنسان الكاميرا، فلا يعود مجرد موضوع في صورة الآخر.

أن يصبح من كان موضوعًا للخبر صانعًا لصورته وشاهدًا على ما يحدث له. وأن يترك بعض الفاعلين، بكاميراتهم هم، صورًا لأفعالهم. وأن يصبح العالم، بهذا الاتساع والسرعة، شاهدًا لا يستطيع الادعاء بسهولة أن الصورة لم تصل إليه.

هنا لا تعود الطرق الأربعة متوازية.

إنها تلتقي.

المؤسسة.
التمثيل.
المسؤولية.
والكاميرا.

ومن نقطة التقائها يولد سؤال لم يعد يخص الصحافة وحدها.

إنه سؤال يخصنا نحن.

كانت السلطة قديمًا تستطيع أن تراهن على غياب الصورة. ثم استطاعت أن تراهن على امتلاك الصورة، ثم على التحكم فيمن يعرضها.

أما غزة فقد كسرت شيئًا من هذه السلسلة.

خرجت الصورة من تحت الركام قبل أن يصل المراسل.

عبرت الحدود التي لم يستطع كثير من الصحافيين عبورها.

ووصلت إلى العالم من يد صاحبها.

لهذا فإن الطريق الرابع ليس مجرد طريق جديد إلى معرفة الحقيقة.

إنه تغيير في علاقة الإنسان بالحقيقة نفسها.

فبعد الصورة لم يعد السؤال:

من أخبرك؟

أصبح:

ماذا رأيت؟

وبعد أن رأيت، لا يعود السؤال الأخلاقي:

هل كنت تعرف؟

بل:

ماذا فعلت بما عرفت؟

وهنا، ربما، تكمن أقسى شهادة تركتها كاميرا غزة.

ليس فقط أنها حفظت صورة الضحية.

ولا أنها التقطت فعل القاتل.

بل أنها أخرجتنا نحن من مقاعد المتفرجين، ووضعتنا، شئنا أم أبينا، في موقع الشاهد.

والشاهد يستطيع أن يصمت.

يستطيع أن يدير وجهه.

ويستطيع أن يغلق الشاشة.

لكنه بعد أن رأى...
لا يستطيع أن يقول إنه لم يرَ.

يحيى بركات
31 آب 2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...