د. محمد قاروط أبو رحمة - قبل أن نعيد بناء الحامل السياسي... من يبدأ

أقدّر للدكتورة غانية ملحيس هذا الجَلَد الواضح في الكتابة والتفكير، وإصرارها على العودة إلى الأسئلة الفلسطينية الكبرى، وعدم الاكتفاء بتشخيص الأزمة أو الدوران حول الإجابات السهلة.

ففي مقالها الذي يحمل العنوان: «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟» المنشور في 29/8/2026، تطرح سؤالًا جوهريًا حول أزمة التمثيل الفلسطيني، ووحدة الشعب، والحامل السياسي القادر على حمل المشروع الوطني الفلسطيني.

مقال د. غانية ملحيس: «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟»

ولا أختلف معها في أن انتظار انهيار إسرائيل ليس استراتيجية، ولا في أن الأزمة الفلسطينية أعمق من مجرد الانقسام بين الفصائل، ولا في أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى قدرة سياسية تستطيع تحويل عناصر القوة الفلسطينية والتضامن العالمي إلى فعل سياسي مؤثر.

لكنني، وأنا أقرأ دعوتها إلى إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني، وجدت نفسي أمام سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

كيف نبدأ؟

وإذا كان المطلوب إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني، فمن سيبدأ؟

ومن يملك حق الدعوة إلى هذه البداية؟

وهل نتوقف عن العمل السياسي حتى نعيد بناء هذا الحامل؟

وهل نتوقف عن مواجهة الاحتلال حتى نتفق على شكل الإطار الذي سيقود المواجهة؟

وهل نوقف المؤسسات القائمة إلى أن نؤسس مؤسسات جديدة؟

وهل نهدم ما هو موجود قبل أن نعرف ما الذي سنبنيه مكانه؟

ومن سيقرر أصلًا أن الحامل القائم انتهى؟

ومن سيقرر أن الوقت أصبح مناسبًا لإعادة بنائه؟

ومن سيحدد شكل الحامل الجديد؟

ومن سيضع تصوره الأول؟

ومن سيجمع القوى والفصائل والتجمعات الفلسطينية؟

ومن سيقرر من يحق له الجلوس إلى طاولة الاتفاق؟

ومن سيحدد من يمثل غزة؟

ومن يمثل الضفة؟

ومن يمثل القدس؟

ومن يمثل الفلسطينيين في الداخل؟

ومن يمثل الشتات؟

ومن يقرر أن هؤلاء هم الممثلون الحقيقيون؟

ومن يختار الذين سيختارون الممثلين؟

ومن يمنحهم حق الاختيار؟

ومن سيدعو إلى الاجتماع الأول؟

ومن سيضع قائمة المدعوين؟

ومن سيقرر من يدخل ومن يبقى خارج القاعة؟

ومن سيحدد موعد الاجتماع؟

وأين سينعقد؟

وتحت أي مرجعية؟

ومن سيضع جدول أعمال الجلسة الأولى؟

ومن سيدير الحوار؟

ومن يحدد قواعد النقاش؟

ومن يقرر كيف تُتخذ القرارات؟

وماذا نفعل إذا اختلف المجتمعون منذ السؤال الأول؟

ومن يحسم الخلاف؟

وعلى ماذا سنتفق أولًا؟

هل نتفق أولًا على المشروع الوطني؟

أم على تعريف المرحلة؟

أم على شكل التمثيل؟

أم على الشرعية؟

أم على منظمة التحرير؟

أم على الانتخابات؟

أم على العلاقة بين السلطة والمنظمة؟

أم على العلاقة بين المقاومة والسياسة؟

أم على توزيع القرار بين الداخل والشتات؟

وإذا كان الاتفاق على كل هذه الأسئلة يحتاج إلى إطار سياسي قادر على جمع المختلفين، فمن سيبني الإطار السياسي الذي سيقود الاتفاق على بناء الإطار السياسي؟

وإذا كنا نحتاج إلى الحامل السياسي لكي نتفق على كيفية بناء الحامل السياسي، فكيف نخرج من هذه الدائرة؟

وهل ننتظر الاتفاق الكامل لكي نبدأ؟

وهل يمكن أن نتفق على كل شيء قبل أن نعمل؟

وهل يمكن أن نعرف شكل الحامل السياسي المطلوب بالكامل قبل أن نخوض تجربة بنائه؟

وهل تُبنى الثقة قبل العمل المشترك أم من خلاله؟

وهل نكتشف القادرين على القيادة قبل التجربة أم أثناءها؟

وهل تتضح نقاط الاتفاق قبل الحركة أم تكشفها الحركة؟

وهل نمتلك ترف الانتظار حتى نصل إلى صيغة مكتملة، بينما الواقع يتغير كل يوم؟

وهل المطلوب أن نبدأ من الصفر، أم أن نتحرك بما هو موجود، ونصلح ما يمكن إصلاحه، ونختبر ما يمكن تطويره؟

وهل يكون العمل السياسي نتيجة اكتمال الاتفاق؟

أم أن الاتفاق نفسه يحتاج إلى عمل مشترك لكي ينضج؟

وهل يُبنى الحامل السياسي أولًا ثم يبدأ العمل؟

أم أن العمل المشترك نفسه هو الذي يصنع الثقة، ويكشف الإمكانات، ويحدد القادرين، ويُنتج تدريجيًا الحامل السياسي الذي نبحث عنه؟

وهل نحتاج إلى أن نتفق أولًا لكي نبدأ؟

أم أننا نحتاج إلى أن نبدأ بما نستطيع، لكي نتعلم من خلال العمل كيف يمكن أن نتفق؟

لعل هذا هو السؤال الذي يسبق سؤال شكل الحامل السياسي:

ليس فقط: ما الحامل السياسي الذي نريده؟ بل: كيف نبدأ بناءه من داخل الواقع، من دون أن نتوقف، ومن دون أن نهدم ما هو قائم قبل أن نعرف ما الذي سيحل محله؟
تعليقغانية ملحيس

الأستاذمحمدأبورحمة

قرأتمقالك" قبلأننعيدبناءالحاملالسياسي... منيبدأ؟ " باهتمام،وأشعرأنكأخذتالسؤالالذيطرحتهفيالمقالإلىالخطوةالتاليةمباشرة: إذاكنانتحدثعنإعادةبناءالحاملالسياسي،فكيفتبدأهذهالعمليةمنداخلالواقعالذينعيشه،لامنواقعافتراضينتصوره؟
وأعتقدأنأسئلتكالكثيرةليستالتفافاعلىالسؤال،بلتكشفصعوبتهالحقيقية. فمنسيبدأ؟ومنيملكحقالدعوة؟ومنيمثلمن؟وكيفنجمعالمختلفين؟ومنيقررقواعدالحوار؟وكيفنبدأقبلأننتفق،ونتفققبلأننمتلكإطارايجمعنا؟
لكنربماتكمنالإجابةفيأنعليناألانتعاملمع «الحاملالسياسي»باعتبارهمؤسسةجاهزةينبغيأننبنيهاأولاثمنبدأالعملمنخلالها.
ربمايبدأالحاملقبلأنيولدكحامل.
يبدأكسؤال،ثمكمساحةللحوار،ثمكوعيمشترك،ثمكمبادئ،ثمكتجاربعملمشترك،ثمتتبلورمنخلالذلكوظائفهوشروطشرعيتهوأشكالهالممكنة.
ولذلكلاأعتقدأننابحاجةإلىانتظاراتفاقالفلسطينيينعلىكلشيءلكينبدأ. بلربمايكونالعكسهوالصحيح: نبدأبمانستطيعالاتفاقعليه،ومنخلالالعملالمشتركنكتشفمايمكنأننتفقعليهلاحقًا.
وهناأتفقمعكتمامافيأنالثقةلاتُبنىبالضرورةقبلالعمل،كثيرمنهالايُنتجإلامنخلالالعملنفسه. وكذلكالقدرةعلىالقيادة،وشروطالتمثيل،وحدودالاختلاف،وآلياتاتخاذالقرار،كلهاأمورقدلانستطيعتحديدهانظريابصورةمكتملةقبلأننخوضالتجربة.
ولعلالخطأالذييجبأننتجنبههوالبحثمنذالبدايةعن «المؤسسةالنهائية». ربماينبغيأننبحثأولاعنالمسارالذييمكنأنينتجالمؤسسةالتييحتاجهاالشعب.
وهذايعيدترتيبالسؤالمن:
منسيبنيالحاملالسياسي؟إلى: كيفنخلقالبيئةالفلسطينيةالتيتستطيعأنتنتجحاملاسياسيا؟
وهناأجدأنماطرحتهأنتيتقاطعبصورةجميلةمعماأثارهخالدعطيةحولالفرقبينالحاملالوطنيوالحاملالسياسي،ومعماأثارهيحيىبركاتحولمعنىأننكونشعباحواحدادونأننكونبالضرورةبنيةسياسيةواحدة. ربماتكونهذهالنقاشاتنفسهابدايةلمانبحثعنه.
فلاأتصورأنعليناأننعلنمنالآنشكلامؤسسيا،أوأننهدمماهوقائم،أوأننزعمامتلاكالإجابة. لكنيمكنناأننبدأمنشيءأكثرتواضعاوأهمية: فتحمساحةفلسطينيةحرةوجادةللتفكيرفيالأسئلةالتيلمتعدالبنىالقائمةقادرةعلىالإجابةعنها.
ومنهذهالمساحةيمكنأنتتشكلتدريجياالمبادئ،والمشروع،والوظائف،ثمالأطرالتيتحملها.
ولذلكأجدسؤالكالأخيرشديدالأهمية:
هلنحتاجإلىأننتفقأولالكينبدأ،أمنحتاجإلىأننبدأبمانستطيعلكينتعلمكيفنتفق؟
أميلإلىالثانية. لأنالتاريخلاينتظراكتمالالإجابات،ولأنالحاملالسياسيالذينحتاجهربمالايمكنأنيُرسمكلهعلىالورققبلأنيبدأ،بلقديكونعليناأننبنيهونحننسير،ونختبرهونحننبنيه،ونصححهكلمااكتشفناحدودمابنيناه.
وهنا،فيتقديري،يبدأالسؤالالحقيقيبعدالمقال:
ماأولخطوةيمكنأننفعلهامعا،مندونأنيدعيأحدأنهيمثلالجميع،ومندونأنيشترطالاتفاقالكاملقبلالبداية؟
أظنأنهذاالسؤاليستحقأنننتقلإليهالآن.
غانيةملحيس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...