لعنة الحروب لا تصنع أمنًا: إسرائيل أمام امتحان التاريخ

لعنة الحروب لا تصنع أمنًا: إسرائيل أمام امتحان التاريخ

المحامي علي أبو حبلة

من حرب المئة عام إلى الحروب الصليبية، يثبت التاريخ أن القوة تستطيع احتلال المدن وتدمير العمران، لكنها عاجزة عن احتلال إرادة الشعوب أو قتل هويتها. وحين تتحول الحرب من وسيلة مؤقتة إلى مشروع سياسي دائم، يصبح المنتصر الحقيقي هو الخراب.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه المجتمع الإسرائيلي اليوم بلا مواربة: هل يمكن لإسرائيل أن تقصف طريقها إلى السلام؟ وهل تستطيع القوة العسكرية أن تمنحها أمنًا دائمًا بينما يبقى الشعب الفلسطيني بلا حرية وبلا أفق سياسي؟

غزة قدمت الجواب بأقسى صورة إنسانية، والضفة الغربية تنذر بمزيد من التصعيد، والقدس تقف في قلب عاصفة سياسية ودينية لا تحتمل مزيدًا من محاولات فرض الأمر الواقع.

المشكلة ليست في حاجة الإسرائيليين إلى الأمن، فهذا حق إنساني بديهي، كما أن المشكلة ليست في حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة والحرية. المشكلة تبدأ عندما يتحول أمن طرف إلى ذريعة لسلب أمن الطرف الآخر، وعندما تصبح القوة بديلًا عن السياسة، ويصبح الاحتلال والاستيطان أدوات يُراد لها أن تتحول إلى واقع دائم.

والأخطر من ذلك هو دفع الصراع نحو حرب دينية مفتوحة. فحين تستخدم جماعات متطرفة مفردات دينية أو تاريخية لتبرير إقصاء الفلسطينيين أو تصوير الصراع باعتباره معركة مقدسة، فإنها لا تدفع المنطقة نحو النصر، بل نحو حرب بلا نهاية.

لقد أخطأ التاريخ من قبل عندما ظنت قوى عديدة أن السيف يستطيع حسم قضايا الشعوب. والحروب الصليبية خير شاهد على أن الشعارات المقدسة لا تمنح أصحابها انتصارًا أبديًا. كما أن حرب المئة عام أثبتت أن أجيالًا كاملة يمكن أن تدفع ثمن صراعات تبدأها النخب السياسية وتنتهي آثارها في حياة الناس.

فهل يريد الإسرائيليون أن تكون غزة بداية قرن جديد من الحروب؟

في الضفة الغربية، لا يمكن تجاهل مخاطر استمرار الاستيطان والعنف والتوتر والقيود. فالضفة ليست مساحة يمكن إخضاعها إلى ما لا نهاية، والفلسطينيون ليسوا كتلة سكانية بلا تاريخ أو حقوق. وفي القدس، لا يمكن فرض سلام بالقوة على مدينة تحمل مكانة دينية ووطنية عميقة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود.

إن القدس تحتاج إلى حماية مكانتها وحرمة مقدساتها وحقوق سكانها، لا إلى تحويلها إلى وقود دائم للصراع.

وهنا يجب أن تكون الرسالة السياسية واضحة: لا يمكن بناء أمن إسرائيلي مستدام من دون حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي مع استمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان وإغلاق أبواب الأفق السياسي.

أيها الإسرائيليون،

إن رفض سياسات الحكومة المتطرفة لا يعني رفض وجود إسرائيل، كما أن الاعتراف بحقوق الفلسطينيين لا يعني إنكار حق الإسرائيليين في الأمن. المطلوب هو التحرر من معادلة قاتلة تقول إن أحد الشعبين لا يستطيع أن يأمن إلا إذا خاف الآخر.

لقد آن أوان الانتقال من سؤال: كيف نهزم الفلسطينيين؟ إلى سؤال أكثر عقلانية: كيف ننهي الصراع؟

وهنا تقع مسؤولية سياسية وأخلاقية على المجتمع الإسرائيلي: الضغط من أجل وقف الحرب، ورفض التوسع الاستيطاني، ووقف سياسات فرض الأمر الواقع، والعودة إلى مسار سياسي جاد يفضي إلى حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، ويضمن للإسرائيليين أمنهم، ويجعل القدس جزءًا من حل السلام لا عنوانًا لحرب جديدة.

فالخيار اليوم ليس بين الانتصار والهزيمة، بل بين استمرار الحرب وصناعة السلام.

ومن الأردن، الذي يدرك بحكم الجغرافيا والتاريخ أن القضية الفلسطينية ليست ملفًا عابرًا، فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة: السلام العادل هو الطريق الوحيد لأمن المنطقة، وإنهاء الاحتلال هو المدخل الحقيقي للاستقرار، والعيش المشترك هو البديل الوحيد عن دورة الدم.

فلتتقدم السياسة خطوة إلى الأمام قبل أن تتقدم الحرب خطوة أخرى.

على المجتمع الإسرائيلي أن يختار: دولة تعيش إلى الأبد خلف جدار الخوف والسلاح، أم دولة تبحث عن سلام حقيقي مع شعب يعيش إلى جوارها؟

إن شجاعة السلام اليوم قد تكون أصعب من خوض الحرب، لكنها وحدها القادرة على إنقاذ مستقبل الشعبين.

فلسطينيون وإسرائيليون باقون على هذه الأرض؛ أما الاحتلال والحروب والسياسات فتتغير. فلنكن نحن من يغيّرها قبل أن يغيّرها التاريخ بثمن أفدح.

العيش المشترك ليس تنازلًا؛ إنه استراتيجية نجاة، والسلام العادل ليس هزيمة؛ بل هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن يورث للأجيال. عرض أقل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...