عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب.. شهر غشت... عندما تكشف الرفوف ما تخفيه القلوب.

ودّعنا شهر غشت على إيقاع ساخن، لا لأن الشمس كانت أكثر قسوة فحسب ، بينما كانت رفوف المكتبة كانت تعيش هي الأخرى صيفها الخاص؛ صيفا من الكتب والأسئلة والاختيارات، ومن قرّاء لم تمنعهم حرارة الأيام من البحث عن شيء يطفئ عطش المعرفة.
في غشت، لا تعود خريطة القراءة مجرد قائمة مبيعات؛ إنها مرآة صغيرة لما يشغل الناس، وما يفتشون عنه بين دفتي كتاب.
كانت السيرة الذاتية والمذكرات هي العنوان الأبرز هذا الشهر، وكأن القارئ المغربي أراد أن يقترب من الإنسان قبل الفكرة، وأن يسمع اعترافات الذين مرّوا من الحياة وتركوا وراءهم شيئا من آثارهم.
في الصدارة جاءت الصحافية فاطمة الافريقي بكتابها " لم نكن أحراراً بما يكفي..."، متربعة على عرش الأكثر مبيعا ، ثم جاء عبد الكريم حامدي بمذكراته "ابن الفحم"، وبعده كتابي "يوميات بائع كتب"، الذي أراه في كل مرة يغادر رفوف المكتبة إلى يد قارئ، كأنه يغادرني أنا أيضا، ويحمل معه شيئا من أيام هذه المكتبة وحكاياتها.
لكن غشت لم يكن شهر المذكرات وحدها ، فقد بدا أن بعض رجال التعليم قرروا أن يخوضوا موسم الامتحانات في خضم العطلة، فكان الإقبال لافتا على كتب الامتحانات المهنية، وكأن العطلة بالنسبة لبعضهم لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل معركة أخرى.
حضر عبد الفتاح ديبون بكتابيه: "دليل الامتحانات المهنية" و" دليل علوم التربية "، وحضر التباري النباري بكتاب "كفايات التأهيل المهني للمدرس والمدرسة بين المرجعيات النظرية والتطبيق".
ثم عاد "الأمير" لمكيافيلي إلى مكانه المعتاد، محتفظا بشيء من تلك الهيبة القديمة التي لا تعترف بتقادم الزمن ، وبقي عبد الله العروي حاضرا " بـمجمل تاريخ المغرب "؛ وكأن سؤال المغرب لا ينتهي، وكلما ظننا أننا فرغنا من تاريخه، أعادنا كتاب إلى بدايته ، أما غوستاف لوبون، فقد بدا كأنه قام من قبره للحظة، ونفض الغبار عن كتبه، ليقول لنا إن الجماهير لم تتغير كثيرا، فجاء "سيكولوجية الجماهير" ليحجز لنفسه مكانا بين الأكثر مبيعا.
ولم يغب " أول مرة أتدبر القرآن" لعادل محمد خليل، ذلك الكتاب الذي يبدو أنه اتخذ من قوائم المبيعات مقاما دائما؛ كل شهر يعود إليها، هادئا وثابتا، وكأن بعض الكتب لا تبيعها الموضة، بل الحاجة.
أما الروايات... فكان لها حديث آخر ، في المقدمة جاءت رواية " أغالب مجرى النهر"، الفائزة بجائزة البوكر لهذا العام، لتفتح شهرها على مياه جديدة ؛ ثم عاد نيكولاي غوغول من القرن التاسع عشر، حاملا " المعطف، يوميات مجنون، الأنف"، ليؤكد مرة أخرى أن بعض النصوص لا تعرف كيف تشيخ ؛ وجاء حسن أوريد " بـالفقيه "، ثم " قبل السقوط بقليل " لسلمى أمانة الله، و " رسائل دامية " لزهرة رميج.
وفي منتصف القائمة وقف دوستويفسكي بثقله المعهود مع " الجريمة والعقاب "، إلى جوار نيكوس كازانتزاكي و "زوربا اليوناني "؛ روايتان تفصل بينهما الجغرافيا والتجربة، لكن يجمعهما ذلك السؤال القديم عن الإنسان، وحريته، ومعنى أن يعيش. ثم جاءت " الأنشوطة الباريسية مغاربة وعرب آخرون " لأحمد المديني، وبعدها " ربيع قرطبة " لحسن أوريد، لتختتم إليف شافاك القائمة " بقواعد العشق الأربعون".
هكذا رسمت رفوف المكتبة، في آخر أيام غشت، خريطة قراءة لا تشبه خريطة واحدة.
سيرة تبحث عن الذاكرة، ومذكرات تبحث عن الإنسان، وكتب تستعد للامتحان، وتاريخ يستعيد أسئلته، وفكر يراقب الجماهير، وكتاب يفتح للقارئ نافذة على القرآن، وروايات تسافر بنا من موسكو إلى قرطبة، ومن باريس إلى اليونان، ومن الحب إلى الجريمة، ومن الواقع إلى أكثر المناطق غموضا في النفس البشرية.
وأنا، بين هذه الرفوف، لا أرى مجرد كتب غادرت المكتبة إلى أيدي أصحابها ، أراقب أذواقا تتشكل، وأسئلة تتكاثر، وقلوبا تبحث عن شيء لا تعرف دائما كيف تسميه ، ولعل أجمل ما في قوائم المبيعات أنها لا تخبرنا فقط أي الكتب بيعت أكثر، بل تهمس لنا، إذا أحسنا الإصغاء: ماذا كان الناس يريدون أن يقرأوا هذا الشهر؟
وماذا كانوا يريدون أن يعرفوا عن أنفسهم والعالم؟
غشت رحل ، لكن الرفوف لا تعرف الرحيل ، كلما أُغلقت صفحة، فُتحت أخرى، وكلما غادر قارئ حاملا كتابا، دخل إلى المكتبة سؤال جديد.
وهكذا تستمر الحكاية ، حكاية القراء والكتب،وحكاية مكتبة لا تبيع الكتب فقط ، لكنها تحفظ بين رفوفها شيئا من روح الذين مرّوا بها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...