من أغرب ما سمعتُ في قصص عشق الكتب والهيام بها، حكى لي أحد القراء الأعزاء حكاية ما زلت كلما تذكرتها أتساءل: إلى أي حد يمكن أن يبلغ حب الكتاب في قلب قارئه؟
قال لي إنه يمتلك خزانة كتب متواضعة، جمعها على امتداد عقود من الزمن، كتابا إثر كتاب، حتى غدت بالنسبة إليه أكثر من مجرد رفوف وأوراق؛ كانت شيئا من ذاكرته، وقطعة من عمره، ورفقة طويلة لا يُفرّط فيها بسهولة.
وبلغ حبُّه لبعض كتبه مبلغا عجيبا، حتى إنه نقلها إلى غرفة نومه الخاصة، بعيدا عن الأعين ومتناول الأيدي، خشية أن يضيع منها كتاب، أو يُستعار فلا يعود.
وذات يوم، جاءه أخوه لزيارته ، وبحكم القرابة، دخل إلى غرفة نومه، فاستوقفه عنوان أحد الكتب ، مد يده إليه، ثم قال لأخيه: أعطني هذا الكتاب، أريد أن أقرأه ؛ هنا انتفض صاحب الخزانة، وكأن يدا امتدت إلى شيء من روحه، وقال بحزم: لا أستطيع أن أعيرك إياه، مهما حاولت معي.
استغرب الأخ، وألحّ عليه، وكرر طلبه مرة بعد أخرى، حتى رضخ صاحب الكتاب على مضض، لكنه اشترط شرطا لم أسمع بمثله من قبل ؛ قال له: سأعطيك الكتاب لتقرأه، على أن تعيده في موعد نتفق عليه ، وإذا لم تف بعهدك، فسأضطر إلى مخاصمتك إلى الأبد.
وافق الأخ، وأخذ الكتاب ومضى ، لكن ما كان يخشاه صاحب الكتاب وقع ؛ انقضى الموعد، ولم يعد الكتاب إلى مكانه ؛ مرت الأيام، ثم الأسابيع، والكتاب غائب، وكأن غيابه انتزاع شيء عزيز من قلب صاحبه.
احتدم الخلاف بين الأخوين، وكبرت المسألة حتى خرجت من حدود كتاب، ودخلت في شؤون العائلة ؛ فتدخل العقلاء، وحاولوا رأب الصدع، وطرقوا أبواب الصلح، وسعوا إلى إعادة المياه إلى مجاريها ، لكن صاحبنا ظل متمسكا بموقفه.
كان يرى أن القضية صارت عهد لم يُحترم، وشيء عزيز لم يُقدّر ، وهكذا حدث ما لم يكن في الحسبان: كتاب صغير أشعل خصومة كبيرة، ورف كتب متواضع فتح بابا للقطيعة بين أخوين.
قلت في نفسي وأنا أستمع إليه: كم هو غريب أمر الكتب! قد تجمع بين غرباء لا يجمعهم دم، وقد تفتح بين القلوب أبوابا لا تُغلق، لكنها في بعض الحكايات قد تصبح هي نفسها سببا في إغلاق أبواب الأخوة ؛ ولعل أغرب ما في الحكاية ليس أن رجلا أحب كتابا إلى هذا الحد، وإنما أن الكتاب الذي يفترض أن يكون جسرا بين الأرواح، صار هنا جدارا بين شقيقين.
لقد غلب المدادُ الدم ، وانتصرت محبة الكتاب، ولو للحظة، على رابطة الأخوة ، وبقي السؤال معلقا في ذهني: هل نملك الكتب حقا، أم أن بعضها حين تسكننا طويلا تبدأ هي بامتلاكنا؟
قال لي إنه يمتلك خزانة كتب متواضعة، جمعها على امتداد عقود من الزمن، كتابا إثر كتاب، حتى غدت بالنسبة إليه أكثر من مجرد رفوف وأوراق؛ كانت شيئا من ذاكرته، وقطعة من عمره، ورفقة طويلة لا يُفرّط فيها بسهولة.
وبلغ حبُّه لبعض كتبه مبلغا عجيبا، حتى إنه نقلها إلى غرفة نومه الخاصة، بعيدا عن الأعين ومتناول الأيدي، خشية أن يضيع منها كتاب، أو يُستعار فلا يعود.
وذات يوم، جاءه أخوه لزيارته ، وبحكم القرابة، دخل إلى غرفة نومه، فاستوقفه عنوان أحد الكتب ، مد يده إليه، ثم قال لأخيه: أعطني هذا الكتاب، أريد أن أقرأه ؛ هنا انتفض صاحب الخزانة، وكأن يدا امتدت إلى شيء من روحه، وقال بحزم: لا أستطيع أن أعيرك إياه، مهما حاولت معي.
استغرب الأخ، وألحّ عليه، وكرر طلبه مرة بعد أخرى، حتى رضخ صاحب الكتاب على مضض، لكنه اشترط شرطا لم أسمع بمثله من قبل ؛ قال له: سأعطيك الكتاب لتقرأه، على أن تعيده في موعد نتفق عليه ، وإذا لم تف بعهدك، فسأضطر إلى مخاصمتك إلى الأبد.
وافق الأخ، وأخذ الكتاب ومضى ، لكن ما كان يخشاه صاحب الكتاب وقع ؛ انقضى الموعد، ولم يعد الكتاب إلى مكانه ؛ مرت الأيام، ثم الأسابيع، والكتاب غائب، وكأن غيابه انتزاع شيء عزيز من قلب صاحبه.
احتدم الخلاف بين الأخوين، وكبرت المسألة حتى خرجت من حدود كتاب، ودخلت في شؤون العائلة ؛ فتدخل العقلاء، وحاولوا رأب الصدع، وطرقوا أبواب الصلح، وسعوا إلى إعادة المياه إلى مجاريها ، لكن صاحبنا ظل متمسكا بموقفه.
كان يرى أن القضية صارت عهد لم يُحترم، وشيء عزيز لم يُقدّر ، وهكذا حدث ما لم يكن في الحسبان: كتاب صغير أشعل خصومة كبيرة، ورف كتب متواضع فتح بابا للقطيعة بين أخوين.
قلت في نفسي وأنا أستمع إليه: كم هو غريب أمر الكتب! قد تجمع بين غرباء لا يجمعهم دم، وقد تفتح بين القلوب أبوابا لا تُغلق، لكنها في بعض الحكايات قد تصبح هي نفسها سببا في إغلاق أبواب الأخوة ؛ ولعل أغرب ما في الحكاية ليس أن رجلا أحب كتابا إلى هذا الحد، وإنما أن الكتاب الذي يفترض أن يكون جسرا بين الأرواح، صار هنا جدارا بين شقيقين.
لقد غلب المدادُ الدم ، وانتصرت محبة الكتاب، ولو للحظة، على رابطة الأخوة ، وبقي السؤال معلقا في ذهني: هل نملك الكتب حقا، أم أن بعضها حين تسكننا طويلا تبدأ هي بامتلاكنا؟