إبراهيم محمود: موت سليم بركات " شذرات "




-1-

سليم بركات لم يمت! ولا أظن أن أحداً، أيَّ أحد، أيْ ممَّن له صلة، ولو عن بُعد باللغة، بالإبداع وصنعته طبعاً، وكيف يجري التفنن باللغة ومن خلالها، يريد له الموت، لأن قراءته تشعِره أنه هو نفسه قادر على أن يعيش، أن يتنفس من خلال اللغة إذا تفهَّمها جيداً، وأعطاها ما من شأنه الرد من جهتها، في منحه صفة البصمة الخاصة، لمن يسمع بها أو يقرأها.

أليس القراءة الجالبة للمتعة إشعار بإضافة نوعية لعمر مختلف: لازمني؟

موت سليم بركات في حقيقة اسمه، في مرتقى مسمّاه، نعي لصورته النمطية كغيره، واحتفاء باسمه المسمى خارج جل التصنيفات المعتادة التي على أساسها يتم التعامل مع ما يكتب، وما يُكتَب عنه تالياً. إنها نيرفاناه التي يصعب على كثيرين إدراك نوع الإنسان داخله، نوعية المتكلم عبر الكتابة، والتي تعزله عن ميتات الآخرين ، وتكون له ميتاته الخاصة جداً" ألم تقرأوا ما كتبه جاك دريدا في " ميتات رولان بارت "؟ حينها، ولمن يكون له استكناه لمفهوم الموت المقلق، يمكن الإحاطة بنسَب موته!


-2-

ما أكثر ما كتبتُ عنه، قياساً إلى آخرين، ما أقل ما تمكنت من كتابته عنه، قياساً إلى نفسي. بركات لا يدعو قارئه، ناقده إلى الكتابة عنه، إنما عما يُكتَب باسمه، وفارق الموقع المتحرك. بركات ابتكر، وهذا اعتراف محترف كتابة للكتابة، إن جاز التعبير، النظرية النسبية في اللغة: مكاناً وزماناً. ما يُكتَب عنه يُشعِر أن هناك إمكانية الإضافة إلى ما لانهاية. هذا تذكير آخر بجاك دريدا في مفهوم " القطْع الناقص " الذي لا بد أن له وشيج قربى بنظرية آينشتاين، لكن بركات في لغته المكتوبة يوحي باللاتناهي، وهذا مصدر إزعاج كاتبه كثيراً، وقوع في فخ المرغوب فيه ووهمه.



-3-

في عدد كتبه الستينيّ، حيث تتعانق عناوين بجمالياتها المتباينة والمختلفة، ثمة ما يشير إلى أن نجم كتابته في صعود، كما تشهد السنوات الأخيرة من حياته. تُرى، كم مرة يموت، وسيموت ، على طريقته الخاصة، لينبعث اسماً متسلسلاً في عمل جديد، حيث لا يمكن القطْع بذلك، وهو ما يضفي على حياته استثنائية المعنى أدبياً، كما لو أنها وجدت لتتنفس الكتابة التي يتناوب فيها كل من الشعر والنثر، كما لو أنه يحاول، وباستماته تعنيه: الجمع بين الحسنيين في كل منهما، وبهما معاً كذلك.



-4-

أن يجعل بركات من نفسه أو شخصه رهين " مطبخه " البيتي الصغير، كما أعلمني، كما رأيته فيه ذات يوم، وقبل أكثر من عقدين من الزمن في ضاحية " سكوغوس " بستوكهولم العاصمة السويدية، وما لسكوغوس الغابة التي تمثّل بحراً شجرياً" شجر الحور بجلاء" من دلالة على هذه الإقامة الخاصة التي ائتمن بها على نفسها، نوعاً من همبابا الميثولوجي، حارساً على برّية الكائن في روحه، في ذلك ما ينير بعضاً لافتاً من خصوصية حياته، وما يترتب عليها من خيال مقتدر، وكتابة معتبضرة، و... من تأويلات متضاربة .



-5-

بركات، كائن بركات، لعله كائن أفلاطون الأسطوري الأول في حواريته " المأدبة " وهو يشير بلسان سارد له إلى كائن تليد، مهيب القوام يتمازج فيه الذكر والأنثى، فجرى التفريق بينهما بشطره، وما في ذلك من إضعاف للكائن الإنساني في المحصّلة. في بركات ثمة تمازج لا يعد بما ينتظره قارئه أو المهتم به بما سيصدر عنه لاحقاً : شعراً أم نثراً، لحظة صدور عمل جديد، في هذه التوأمة التي يختفي فيها النثر والشعر المعهودان، يبرز مكر الكاتب وتتضاءل حيلة قارئه في كيفية الربط بينهما، ومن الصعب الفصل القاعدي بينهما. أي ميتة أوجدها في اللغة السائدة ، لغة الضاد، كما لو أن المسلَّم به هو استحالة وحيدة مسنَدة إليه دون غيره؟



-6-

ليس لدى بركات من يكاتبه، وليس هناك ما يوحي بذلك. ليس نفياً للآخر، إنما تفرغاً للآخر فيه، والمتوقف عليه وحده، وعلى مقياسه. وقلة ظهوره، في المقابلات، أو الحوارات المرئية خاصة، تعبير عن خيار استراتيجي يصعب، وربما يستحيل على كثيرين، وكثيرين جداً، الرهان عليه، لحظة النظر في غواية النفس، في حب الظهور. في أنا بركات ثمة عالم يأتيه من جهاته الأربع، بطريقته، والذين يحاولون ارتياده يعجزون منذ الخطوة الأولى، لأن ثمة أنا كارثية غالباً، استهوائية تقودهم.



-7-

بركات لا يوالي أحداً! هو ما يمكن التوقف عنده في كتاباته. إنه منذور بكينونته للكتابة ، وحدها الكتابة تجعله رحالة العالم حاضراً، ماضياً ومستقبلاً، أو في زمن مفتوح، كما تقول عناوين كتبه، ومحتوياتها، وأسماؤها ومسمّياتها دون مرجعية محددة. ربما تكون السقطة الوحيدة، وأشدد على هذه العبارة، ما سطّره في بعض محدود جداً من مقالاته ذات الطابع الاستنفاري ضد تنظيم كردي ذات يوم "Pkk: حزب العمال الكردستاني " وبروز ذلك في أعمال له كذلك جهة خيارات الأمكنة وشخوصها" سبايا سنجار نموذجاً " وتجنب الكتابة عن مجريات أحداث المنطقة التي عاش فيها بين كل من عامودا- قامشلو. أي بركات يُرى في الحالة هذه؟

ليس الحديث هذا طعناً في مصداقية ما كتب، واستقباحه، أو استهجانه، إنما في كونه العازل نفسه عما هو طرفي، وبطواعية خاصة به، إلا في هذا، كما لو أن الآخرين ممن ينخرطون في تنظيمات حزبية كردية أخرى، بعيدون عن كل خطأ أو نقيصة، أو ما شابه ذلك " كتبت عن ذلك في أكثر من مكان ".



-8-

بركات كاتب استثنائي. نعم، ثمة ثغرة مفهومية، لا بد من النظر فيه، دونها لا تعود الكتابة كتابة، أو المصنّف باسمها أدباً، ولا بأي شكل، وهي أنه على خلفية من هذه المعايشة البينية، وشعوره بأن أنا العالم داخله، لا يرى في الذي يُكتَب عنه، ما يقرّبه من حقيقته كاتباً روائياً أو شاعراً، وتبيّنه لما كان يجهله وهو يكتب. أكثر من ذلك : شطبه الإجمالي على ما يُكتب عنه من زاوية النقد، وما في ذلك من تجيير لحقيقة الكتابة عينها. إنها ضريبة الميتة التي يعيشها داخلها، وهي استثنائية، ومغيَّبة في حقيقتها عن الآخرين، وهؤلاء دونها.



-9-

ثمة من يردد على أكثر من صعيج، في أكثر من محفل، أن بركات يمارس انتقاماً من اللغة، خصوصاً لحظة التقابل بينه بصفته كردياً، والعربية باعتبارها لغة الآخر ، وهذا يمثّل المهيمن المستبد به ككردي وفي من يجري تمثيله كشعب له هوية وتاريخ وجغرافية كردياً. لا أبأسَ من هذا التشخيص. الانتقام من اللغة وباللغة صنعة المهزوم، وبالتالي انغلاق اللغة على نفسه. بركات ، ربما كان هبَة العربية الأوحد، ومن خارج خانتها، بمفهومها الأثني، في عصرها الحديث، ودون أي تحفظ، وهو يشهد، وبصدق هنا، على أن اللغة أي لغة لا تؤطَّر، وأن أياً كان حين يعيشها بعمق، بنوع من المتاخمة الصوفيه ستلقّمه الكثير من أسرارها. بركات بذلك يكون الشاهد الوحيد الأوحد على مثل هذه العلاقة، على هذه الصوفية المقدامة والعميقة، لحظة تحرير اللغة من أي تأطير جانبي، والغوص فيها، لتكون عربيته هذه هبة بالمقابل لمن يريد التحرر مما هو سياجيّ، دوغمائي، أو منمّط فيه .



-10-

بركات لديه ولع شديد لا يجارى، ربما، إلى حد الهوس أحياناً، باللعب، اللعب باللغة. أي طفل نوعيّ بين جنبيه؟حيث إن قارئه، كما هي متابعتي له، لا يمكنه توقع ما يمكن أن يأتي في قراءة أي فقرة حتى في نصه الروائي، فثمة خروج دائماً عن المألوف، وهو ينفخ في " شعرة " الكلمة الواحدة، ويمنحها حضوراً مباغتاً، وما في ذلك من توتر للقارىء والدفع به لأن يعيد ترتيبات حساباته وهكذا..


-12-

جُل الذين يثنون على بركات، ويتوّجونه بألقاب وصفات تفخيمية، لا صلة لها بالأدب، وإنما بمرض نفسي، أسميه النقص أو الدونية، ليكون بركات المعوَّل عليه، أداة انتقام من الآخر متكلم الضاد، ومحاولة إفحامه على أن هناك من يغلبه في عقر داره بلغته نفسها. يا لها من مناورة مهلِكة لصاحبها. من يصفونه بـ" العبقري " عليهم أن يقدّموا شهادة تجويز للمعرفة التي يمتلكونها، أن يكونوا في مستوى هذا المفهوم. قراءة الآخر كما هو موضوعنا، لا لا تقوم على الوصف، وإنما مكاشفة الملتبس والمقلق، كما هو حال ما هو مقروء هنا وهناك، ومن جهة المعتبرين كتّاباً كرداً، ويتقنون لغة الضاد.


-13-

ثمة ما يستحق التذكير به جهة المعنيين بالعربية كلغة، وبشأن بركات، وهي تتمثل في جانب التهميش لبركات، لحقيقة إبداعاته، في " إشرقاته " اللغوية. إن ما يُطبَع باسمه هنا وهناك عربياً، ليس اعترافاً بكونه " عبقري " لغة هنا، وإنما كسلعة يمكن تداولها والتسريع في عملية البيع. ثمة الخطوة الأهم، خطوة الاعتراف وأبعد، وكيفية إفساح في المجال لكتاباته في مستويات مختلفة، وقراءتها في أصولها، وتبيّن مآثر الجمال المغاير فيها، لجعل المخيال أكثر حيوية.

ربما كان هناك خوف من اللغة نفسها في الحالة هذه، كما لو أن الإقبال في ورشات عمل أكاديمية، وثقافية، يغذّي في المقبِل روح تمرّد على الجاري تلقيمه له وتفعيل أثره وحده!



-14-

في كل قراءة لأي عمل، ثمة الارتكاز إلى قول يستضاء به، أو اقتباس يمكّن من فتح معبر إلى نص له، أو باستدعاء نظير ما، أو مثال من جنسه.. لا أكثر من خيبات الباحث في نصه باعتماد طريقة لها تاريخها الطويل والمستهلَك كهذا الإجراء. نص بركات لا يقارَن بأي نص، لهذا يتطلب تحرراً من أي خلفية تعتّم على رؤية المقروء من خلالها. بهذا، يكون النص، أي نص، مدافعاً عن نفسه، حامياً إياها، على قدّر تمايزه الإبداعي، وجل الذين يقرأون بركات في شعره أو نثره، يُسقَط في أيديهم،جرّاء هذا المسلك، حيث ينعدم الشبيه فيه.



-15-

في مقدور أي كان، وهو في عالم الكتابة، أن يتحدث عما هو مألوف جهة أسلوب الكتابة لدى بركات، وما يتكرر في كتاباته من صور، أو علامات نصية، أو أوصاف وغيرها. ذلك صحيح. وهو ما يسهل إثباته، إنما ما لا يمكن ضبطه، هو لامرئي المرئي في نصه. أي ما يجعل الكلمة الواحدة، كما هي مقروءة ومتنقلة بمواصفات معينة، منكشفة في هيئات لا قبل لها، وهذا ما ينزع عن كتابته صفة الحدودية. ثمة متعة المفاجأة وصدمة : وماذا بعد؟!



-16-

من قرأ بركات سيميائياً، أي من خلال مظهره؟ علامات وجهه، النظر في عينيه والبياض الساطع فيهما. لباسه" فانيلته " ما يشي به مظهره في الإيقاع بناظره المحترف.. إنه السطح السهل تلمّسه، إنما على هذا السطح، عبره، تكون هناك تدفقات، التباسات، تماوجات أصداء لأكثر من شخص، من كائن وراء مظهره، وقوامه رغم بلوغه الخامسة والسبعين من عمره.

هل هناك من حاول قراءة نصوصه من خلال مظهره الخارجي؟ المغامرة تحتاج إلى مغامرة، إنما من يكون الخاسر؟ لعلها المتعة لحظة الرهان على الأدب دون غيره!


-17-

إلى أين تمتد ميتات بركات؟ أعني بذلك سلسلة كتاباته بعلامتها الفارقة: الإبداعية. لا علْم لي، وليس في مقدور أي كان، و ربما بصورة كلّيه، التخمين أو التوقع، كما لو أن بركات يعيش ولادات تترى، وهي قائمة ونشِطة،، أعني ميتات تتوقف عليه وحده وليس عبر الترخيص من أي كان، وبين الشفافية في الصورة، والعمق اللجي في المخيال يبقى قارئه عالقاً في هاوية مركبة بين التفسير والتأويل، وليس من ضمان، ولا بأي شكل قطعي، لتأكيد صواب أي منهما.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...