يحيى بركات - شيدا التي لم تكن هناك

قبل نحو ثلاثة أسابيع، وصلني من صديق مقال لكاتبة إيرانية لم أكن قد سمعت باسمها من قبل.
شيدا عرقجي.
كان صديقي معجبًا بما تكتب، فمرر إليّ المقال.

قرأته.
كانت اللغة هادئة وناضجة. المعلومات مرتبة، والحجة تتحرك بعقلانية من مقدمة إلى نتيجة، بلا صراخ ولا شعارات. شعرت أنني أمام كاتبة تعرف موضوعها، وتعرف أكثر كيف تقوله.
أعجبني المقال.
واحتفظت بالاسم.
بعد يومين تقريبًا، مر أمامي منشور لشيدا تقول فيه إنها ستظهر على قناة الجزيرة.
كاتبة إيرانية تكتب بهذا المستوى عن السياسة والعلاقات الدولية، من الطبيعي أن تجد طريقها إلى شاشة تبحث عن أصوات تعرف المنطقة من داخلها.
ثم ظهر منشور آخر.
اعتذار عن عدم المشاركة.
فهمت من الكلام أن شيئًا حدث في اللحظة الأخيرة، وأن الظهور الذي كان مقررًا لم يتم.
ومررت.
فالضيوف يتغيرون، والبرامج تتغير، والشاشات لها حساباتها.
بعد ذلك بأيام، وقبل نحو خمسة أيام، ظهر أمامي منشور آخر.
هذه المرة كانت شيدا تتحدث عن الإعلامية الفلسطينية إيمان عياد.
لم تكن تتحدث عنها كمشاهدة تعرف مذيعة من الشاشة، بل قالت إنها التقتها، وتعرفت إليها، وإن صداقة نشأت بينهما.
ومن دون أن أنتبه، كانت شخصية شيدا تكتمل في رأسي.
كاتبة إيرانية.
أستاذة جامعية.
تعرف المنطقة.
تكتب العربية بثقة.
على صلة بالجزيرة.
تعرف إيمان عياد.
وكان للشخصية وجه أيضًا.
امرأة جميلة، جذابة، تضع نظارات طبية تمنح وجهها حضورًا لافتًا. وكانت تنشر صورًا كثيرة لنفسها؛ لا صورة تعريف واحدة كما اعتدت أن أرى عند كثير من الأساتذة والكتّاب والصحفيين، بل حياة كاملة تقريبًا تمر أمامك بالصورة.
ولم يكن في ذلك، وحده، ما يدعو إلى الشك.
إلى أن قرأت مقالها اليوم.
كان عنوانه:
«خطأ واشنطن القاتل: كيف يُجبر التصعيد الأمريكي إيران على عبور الخط النووي الأحمر؟»
هذه المرة توقفت.
كانت الفكرة ذكية.
تقول شيدا، باختصار، إن إيران بقيت سنوات عند «العتبة النووية» لأنها كانت تحسب كلفة الانتقال إلى امتلاك القنبلة. لكن إذا فرضت واشنطن عليها أقصى العقوبات مسبقًا، وحاصرت اقتصادها إلى الحد الأقصى، فما الذي يبقى لطهران لكي تخشى خسارته؟
ثم تضيف إلى الاقتصاد الخطر العسكري.
فإذا شعرت الدولة أن بقاءها نفسه أصبح مهددًا، قد تنقلب المعادلة: ما كان بالأمس مخاطرة يصبح اليوم، في نظرها، حماية. وما كان الامتناع عن القنبلة قد يصبح أخطر من امتلاكها.
حجة تستحق النقاش.
وفيها قوة.
وفيها ثغرات أيضًا.
فالدولة الواقفة على العتبة النووية ليست بالضرورة دولة تمتلك غدًا قنبلة جاهزة، واليورانيوم المخصب ليس وحده منظومة ردع نووي، والضغط لا يقود دائمًا إلى نتيجة واحدة.
لكن عندما انتهيت من المقال، حدث شيء لم أتوقعه.
بدل أن أبحث أكثر عن إيران...
وجدتني أبحث عن شيدا.
من هي؟
عاد الاسم أمامي:
عرقجي.
هل بينها وبين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صلة قرابة؟
هل هي ابنته؟
من عائلته؟
أم أن الأمر مجرد تشابه في الأسماء؟
كان سؤالًا صغيرًا جدًا.
من تلك الأسئلة التي تكتبها في محرك البحث، وتحصل على جوابها قبل أن تنتهي من فنجان قهوتك.
كتبت الاسم.
شيدا عرقجي.
لا شيء.
غيرت طريقة كتابته.
بحثت بالعربية.
ثم بالإنجليزية.
ثم بالفارسية.
لا شيء.
بحثت في الجامعات الإيرانية.
لا شيدا.
بحثت بين الباحثين.
بين الكتّاب.
بين الصحفيين.
لا شيدا.
وهنا بدأ الفيلم.
دخلت إلى محرك البحث بسؤال صغير.
وخرجت منه بسؤال آخر تمامًا:
كيف يمكن لأستاذة جامعية إيرانية تكتب بهذا النضج، وتعلن عن ظهور على قناة الجزيرة، وتعرف إعلامية بحجم إيمان عياد، ألا تترك خلفها أثرًا مهنيًا يمكن الوصول إليه؟
عدت إلى صفحتها.
هذه المرة لم أقرأ.
نظرت.
الصورة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
المرأة نفسها.
الوجه الجميل نفسه.
النظارات نفسها.
الابتسامة.
الأماكن تتغير، وشيدا تبقى.
لكن شيئًا كان قد تغير.
ليس في الصور.
في عيني أنا.
وأعرف ذلك الشعور الذي يصيب المخرج أحيانًا وهو يشاهد مشهدًا للمرة العاشرة. كل شيء فيه يبدو صحيحًا: الممثل، الإضاءة، المكان، الحوار.
ومع ذلك يشعر أن شيئًا ما ليس في مكانه.
لا يستطيع في اللحظة الأولى أن يقول ما هو.
فقط يعيد اللقطة.
مرة.
ومرة أخرى.
لم أقل إن الصور مزيفة.
ولم أكن أعرف أنها كذلك.
لكنني لم أعد أنظر إلى شيدا باعتبارها امرأة أبحث عن سيرتها.
بدأت أنظر إليها باعتبارها شخصية أحاول أن أفهم كيف بُنيت.
وفجأة تذكرت الجزيرة.
فتحت موقعها.
وكتبت الاسم.
شيدا عرقجي.
كنت أبحث عن مقابلة.
فوجدت تحقيقًا.
تحقيق نشرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عن الحساب الذي يقدم نفسه باسم شيدا عرقجي، أستاذة للعلاقات الدولية والسياسات الدولية وسياسات الشرق الأوسط في جامعة طهران.
بدأت أقرأ.
مرة.
ثم عدت إلى البداية وقرأته من جديد.
لم يجد التحقيق ما يثبت وجود صاحبة الحساب بهذه الصفة.
لا سجل أكاديمي موثق.
لا حضور مهني يمكن تتبعه.
ولا ذلك التاريخ الطويل الذي يوحي به حساب يتحدث بثقة أستاذة تعرف الجامعات والإعلام والسياسة.
ثم وصلت إلى التاريخ.
30 حزيران/يونيو 2026.
تاريخ إنشاء الحساب.
توقفت عند الرقم.
عدت إليه مرة أخرى.
ثلاثة أسابيع فقط فصلت بين اللحظة التي وصلتني فيها شيدا من صديق، واللحظة التي جلست فيها أبحث عمّن تكون.
أما «شيدا» نفسها، بكل ما حملته معها من سيرة وصور وأماكن وعلاقات، فلم يكن عمر حضورها على الصفحة إلا أسابيع قليلة.
واصلت القراءة.
الصور التي مررت عليها من قبل كجزء طبيعي من حياة امرأة حقيقية، خضعت للفحص، وظهرت مؤشرات على أن عددًا منها مولد أو معدل رقميًا.
وفجأة بدأت الصور القديمة تتغير أمام عيني.
ليس لأنها تغيرت فعلًا.
بل لأنني عرفت الآن شيئًا لم أكن أعرفه عندما رأيتها للمرة الأولى.
وهذه إحدى ألعاب السينما القديمة:
المشهد نفسه لا يتغير، لكن معلومة واحدة جديدة تستطيع أن تغير معناه كله.
عدت إلى الصورة أمام مقر الجزيرة.
إلى صورة المكتب.
إلى الكتب.
إلى السفر.
إلى النظارات.
إلى الوجه.
كل لقطة منفردة كانت تقول لي: هذه امرأة موجودة.
لكن حين وضعت اللقطات إلى جوار بعضها، بدأ شيء آخر يظهر.
لم تكن المسألة صورة مزيفة.
كانت سيرة تُبنى بالصورة.
اسم.
وجه.
جامعة.
مهنة.
رحلات.
علاقات.
موعد تلفزيوني.
اعتذار عن موعد تلفزيوني.
صديقة معروفة.
ثم مقالات وآراء ومواقف.
لم تكن خدعة صورة.
كان سيناريو شخصية.
جلست أمام الشاشة.
ونظرت مرة أخرى إلى شيدا.
وضحكت من نفسي.
أنا الذي أمضيت جزءًا كبيرًا من عمري أصنع الصورة...
صدقت الصورة.
في السينما التي تعلمناها، لكي أصنع شخصية اسمها شيدا، أحتاج أولًا إلى ممثلة.
أبحث عن الوجه.
أختار النظارات.
الملابس.
المكان.
أضعها أمام الكاميرا.
أمنحها مهنة.
أكتب لها ماضيًا لم نره.
أصنع لها علاقات مع أشخاص آخرين.
أقرر ماذا تقول، وماذا تخفي، وأين تسافر.
وإذا أردتها في طهران، أصورها هناك أو أبني مكانًا يقنع المشاهد بأنه طهران.
وإذا أردتها أمام مؤسسة إعلامية، أبحث عن المكان أو أصنع ديكورًا يشبهه.
ثم يأتي المونتاج.
نضع اللقطات إلى جوار بعضها.
وفجأة تولد إنسانة لم تكن موجودة قبل أن نبدأ التصوير.
لكن هناك فرقًا صغيرًا جدًا.
وخطيرًا جدًا.
عندما يدخل المشاهد قاعة السينما، يعقد معنا اتفاقًا صامتًا.
نحن نقول له:
سوف نكذب عليك ساعتين.
سيكون هذا الرجل أبًا وهو ليس أبًا.
وستكون هذه المرأة عاشقة وهي لا تعرف الرجل الذي أمامها إلا منذ أسبوع.
وسيكون هذا البيت في بغداد بينما صورناه في تونس.
وأنت ستعرف أننا نكذب.
وستسمح لنا بذلك.
لأننا نحاول، من خلال هذا الكذب المتفق عليه، أن نصل معًا إلى حقيقة ما.
أما شيدا فلم تدخل حياتي من باب قاعة السينما.
دخلت من شاشة هاتفي.
ولم يظهر قبلها تنويه يقول:
هذه شخصية من نسج الخيال.
دخلت كإنسانة.
لها اسم.
وجه.
جامعة.
مهنة.
أصدقاء.
رحلات.
ذكريات.
آراء.
وتكتب المقالات.
يمكن أن تعجب بها.
يمكن أن تختلف معها.
يمكن أن تنتظر ظهورها على التلفزيون.
ويمكن، مع الوقت، أن تصبح واحدًا من آلاف الأشخاص الذين يبدأون صباحهم بقراءة ما كتبته شيدا.
وهنا خرجت القصة من شيدا.
ماذا لو كان الشخص التالي خبيرًا اقتصاديًا؟
يكتب تحليلات رائعة ستة أشهر، لا يطلب منك شيئًا، ويصيب أحيانًا أكثر مما يخطئ، حتى يصبح صوته مألوفًا لديك.
ثم يأتي يوم واحد ويقول لك:
ضع أموالك هنا.
ماذا لو كان طبيبًا؟
أو مستشارًا؟
أو ناشطًا؟
أو مؤثرًا يعرض عليك منتجًا؟
أو رجلًا تقرأ له كل مساء، وتعجب بعقله، ثم تتعرف إلى أفكاره، وبعد أشهر تشعر أنك تعرفه كما تعرف بعض أصدقائك؟
لقد أمضينا سنوات نتعلم كيف نشك في الخبر.
نسأل عن المصدر.
عن الصورة.
عن التاريخ.
عن المعلومة.
لكن ربما تغير السؤال من دون أن ننتبه.
لم يعد كافيًا أن نسأل:
هل هذه المعلومة صحيحة؟
ربما علينا، قبلها، أن نسأل:
هل الشخص الذي يخبرني بها موجود أصلًا؟
أغلقت التحقيق.
لكنني لم أغلق الصفحة.
بقيت صورة شيدا أمامي.
المرأة ذات النظارات تنظر إلى الكاميرا.
قبل ساعات فقط كنت أنظر إلى الوجه نفسه وأفكر:
من أبوها؟
في أي جامعة درست؟
كيف أتقنت العربية بهذا الشكل؟
هل هي من عائلة وزير الخارجية الإيراني؟
كنت أبحث عن حياة وراء الصورة.
الآن أعرف لماذا لم أجدها.
وضعت الهاتف أمامي على الطاولة.
أطفأت الشاشة.
اختفت شيدا.
بقي وجهي أنا منعكسًا على الزجاج الأسود.
وهنا، للمرة الأولى، شعرت أن الفيلم لم يعد عنها.
صار عني.
وعنك.
وعن كل واحد منا يحمل هذه الشاشة الصغيرة في يده، ويفتح فيها كل صباح نافذة على عالم يعتقد أنه حقيقي.
في السينما، عندما تنتهي الحكاية، تضاء الصالة.
نعرف أن الفيلم انتهى.
ينهض الممثلون من موتهم.
تختفي المدن التي بنيناها.
تُطفأ الكاميرا.
ويخرج المشاهد إلى الشارع، عائدًا إلى الواقع.
لكن ماذا يحدث عندما تنتقل السينما إلى داخل الواقع نفسه؟
عندما لا نعود نعرف أين انتهى الممثل وبدأ الإنسان؟
أين انتهت الشخصية وبدأ صاحب الحساب؟
وأين انتهى الديكور وبدأ العالم؟
رفعت الهاتف مرة أخرى.
أضأت الشاشة.
عادت شيدا.
الوجه نفسه.
النظارات نفسها.
الابتسامة نفسها.
لكنني لم أعد أرى امرأة.
كنت أرى سؤالًا.
كم «شيدا» أخرى تمر أمامنا كل يوم؟
نقرأ لها.
نعجب بها.
نختلف معها.
ننتظر رأيها.
وربما نثق بها.
ثم نواصل تمرير إصبعنا على الشاشة إلى الصورة التالية...
من دون أن يخطر ببالنا أن نسأل:
هل كان هناك، خلف هذه الصورة،
أحد أصلًا؟

يحيى بركات
3/9/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...