جمعي شايبي - رامة والتنين. إدوارد سعيد الخراط

قرأت العديد.من نصوص الأدب الرومانسي ، غير أن تحفة رامة والتنين ، هي أكملها روعة ، وأكثرها متعة ، وأقدرها إدهاشا على الإطلاق .
كيف لا ، ومهندس سرديتها المبهرة ، هو العبقري الملهم ، إدوارد سعيد الخراط ، الذي عجن بين دفتي هذا المنجز ، عالما عاطفيا، متخما بالحب والوحدة والألم ، بصدق أصيل وحس نبيل ، وبلغة باذخة الجمال ، غضة ، عميقة المعنى مكثفة الدلالات .
إنها النص الذي يثقل بالتمعن ، خطو ذهنك الشريد
عبر كل فقرة وصفحة إلى سطره الأخير .
في مدارات الصدف ودون مواعيد ، تلتقي مفتشة الآثار رامة ، بالمهندس ميخائيل ،فيجمعهما حب دفين ، لا ذنب لأحد فيه ، بصدق يتجاوز الأنانيات الضيقة ، والإبتذالات العاطفية الكذوب .
حب يتخطى حدود الجسمانية وأفعاله الجنسية الميكانيكية الصرف ، يترفع عن كل حب مفعم بهوس جنسي بحت ، ويعلو كل سورات التلاحم الحميم للأجساد الملتهبة بحرائق الشهوة ، والمسكونة بأنشط براكين الشبق .
رامة والتنين ، هي صخب عاطفة حب جموح ، يعلو صرخات الأجساد الجائعة ، وأنين الشهوات المتقدة ، وبكاء عذابات الحاجة والتوق والتملك ، إنها عاطفة حب تبحث لها عن منأى عن كل حياة مبتذلة ، مكرورة الفجيعة والمأساة .
كانت الحسناء الفاتنة ، رامة ، غادة مبهمة ،عصية الفهم ، كدرة ثمينة في محارة الحياة المقفلة ، عنقاء تتجدد من تحت ركامات أحاسيسها المطفأة ، جاهدة في تحرير ذاتها المتعبة ، من دمارات تجارب ماضيها السابقة .
إذ كانت جسدا ينبض بالشهوة ، وروحا تتنفس التضحية بحرية مطلقة ، لا أسقف لها بلا حدود بلا حسابات مسبقة ، لتحوك من حرير ذاتها المحوطة بالأشواك ، لكل من عبرها في دروب الحياة، أطيب الأوقات وألذ المتع وأجمل الذكريات ، ومن بينهم ميخائيل الذي غرق في حمأة حبها بلا خلاص، بلا فكاك ، يمضه شوق حارق للعودة إلى حضنها الناعم الدفيئ ، كلما خالجت روحه أحاسيس الوحدة والإغتراب ، بنجواه الطويلة المريرة الممضة ، مجهدا حد الإنهاك في محاولات يائسة خائبة ، في حلحلة حبه الملغز .
وإذ كانت المعرفة عنده هي الحب ، فقد كان تواقا لبلوغ المطلق في حبه ، مطلق يرومه في قلب المستحيل ، أن يصل إلى رامة بكلها ، وأن يهبها ذاته بكمالها ، لا بمنطق الحاجة والتملك ، إنما بمفهوم عفوية الأخذ والعطآء والإنصهار والإندماج والإلتحام والتوحد دون انفصال ، وباشتعال مزهر بالعطاء حد الفناء .
ورغم أن ميخائيل كان عاشقا متيما متكاملا بتمزقاته الداخلية ، يواجه ألمه المتصل من غير درع ولا تبرير إلى يومه الأخير ، فإن حبه لرامة ، لم يورثه غير الهواجس والتوجسات .
يذكي العبقري الملهم إدوارد الخراط في ذهني ، سعيرا من الأسئلة الحارقة العالقة ، فهل أن حقيقة الحب العارية ، هو أنه لا يعدو أن يكون شهوة عارمة تغمرنا للخلاص من وحدتنا القاتلة ؟.
وإذ كانت هذه مآلاته ومصائره المفجعة ، أفلا يكون الحب في حقيقته وحدة لا شفاء من سلطتها القاهرة ؟.

وهل يمكن لكل صداقة ترى النور من رحم عاطفة حب آفلة ، أن لا تكون مجرد أكأس مترعة بالإحباط والمرارة والكراهية والإحتقار وبالنفور واللامبالاة تباعا ؟.
نديمي غير منسوب إلى شيئ من الحيف
سقاني مثلما يشرب فعل الضيف بالضيف
ولما دارت الكأس دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح مع التنين في الصيف
بأبيات الحسين بن منصور الحلاج ، ختم الخراط تحفته ، ولا زلتني أتساءل ، أيهما كان التنين ، رامة بحرائق شهواتها المستعرة ، أم ميخائيل بجحيم تساؤلاته المحرقة ؟.
لم أعرف من كل ما قرأت ، كاتبا كالخراط ، تطرق لعاطفة الحب بمثل هذا الصدق والعمق ، وسلط عليها بأنوار روحه المتوهجة المعذبة فتجلت ماهية الحب بكل هذا الطهر والنقاء ، وتبدى جوهره الطاهر بكل هذه القداسة الجليلة ، كشمس تحس دون أن تمس ، من فرط صفائها وحرائقها المتأججة .
سأشعر باليتم من بعد قراءتي لهذا النص الذي استنفذني ، وأنا أتساءل إن كان ثمة كاتب آخر بمقدوره أن يقدم لي سردا أكثر إدهاشا وأعمق طرحا وتحليلا مما فعل الخراط بكل ضلاعته وبراعته وعبقريته المتفردة .
أعيب ولأول مرة على دار الآداب المحترمة هذه الطبعة الرديئة بصغر خطها وتفكك أوراقها غير الثابتة ، ولو عثرت لها عن طبعة أخرى فلن أندم على إعادة اقتنائها .

جمعي شايبي.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...