د. إلهام بوصفارة - الجوع الناطق في مجموعة "أغاني المساء" لسهيرة شبشوب

لن أقف في هذه المجموعة عند الصور الشعرية واللغة المجازية والاستعارية أو غنائيّة الشعر ومظاهر الإيقاع ولا عند جماليّة الأنا المتعدّد في رحلة العبور إلى النفس عبر الشعر لأنّها باتت دروبا منسيّة في قراءة الشعر اليوم، وإن لم تنس فهي ماضية نحو النسيان. ولا أقصد بالنسيان هنا تركها بل إعادة النظر في وظيفتها هل هي المقاصد أم المداخل؟
فما الجدوى من دراسة الأدب إذا استحالت القراءة مجرّد إجراء آليّ لجملة من التطبيقات على النص الأدبي؟ وهو الخطر الذي تحدّث عنه تودوروف. إذ هو لا ينفي أهمّية هذه المناويل وإنّما يدعو إلى أن نتجاوزها إلى قراءة روح النص الأدبي باعتباره جسدا حيّا يقيم في العالم، وليس جثّة هامدة أو مجرّد علامات لغويّة ميّتة.
حقيقة لن أقف عند ما هو سائد لأنّي لن أضيف شيئا جديدا إلى ما قاله النقاد القدامى والمحدثون في مجال المجاز وأساليب البيان. بل أراها مجرّد عتبات ننطلق منها أو آليّات نتذوّق بها جماليّة القصيدة المعاصرة، لكنّها لا تمثّل قلبها، وما عادت المبتغى، هي مداخل ننطلق منها لندرك ما هو أعمق، لندرك قوّة الجوع في كلّ نص، الجوع إلى المعنى، ولا وجود للمعنى خارج جسدنا.
عندما سألوا أفلاطون عن معنى الفلسفة قال: إنّها تعلّم الجوع. وفي هذا السياق الفلسفي أنزّل مجموعة "أغاني المساء"، فما الجوع؟ لا نعني به خواء المعدة لأنّ هذا الخواء المعوي قد يتعارض مع فعل الكتابة، فلا يمكن للكاتب أن يكتب إلّا إذا كانت معدته ممتلئة بما يكفي لنسيان الجوع وحتّى يتقدّم في عمله.
إذن الجوع باعتباره فراغا مؤلما يرغب في الامتلاء، ليس مشكلة الجسد حسب أفلاطون ، بل هو حالة وجوديّة ضروريّة لخيالنا تحرّك الإنسان نحو الإبداع، بل هو شرط لكلّ معرفة وأساس كلّ إبداع إنشائيّ عند جيروم ثيلوت. وسنحاول محاصرة هذه المجموعة الشعريّة باعتبارها من أدب الجوع ابتداء من الغلاف:

1) الغلاف:
صورة توحي بالخلاء والخواء وما يتبعه من معالم الخراب، إنّها أشجار الجوع، أغصانها ممسوحة دون تفاصيل، طيور سوداء خائفة، تنعق في اضطراب، أجسام منهكة ومعذّبة ينقش عليها الجوع علاماته من الهزال، والسواد حتّى تكاد تتساقط، وإن كان هذا حال الطير فما بالك بحال البشر، قمر حجريّ لفّه بعض السّواد وقد خبا نوره، إنّه عالم الخراب والانهيار حوّلته إنشائيّة الجوع إلى جماليّات يخلّدها الشعر، صورة رغم تعبيرها الدّرامي عن الخراب والموت لا تخلو من أمل مقصود ينتشر في بعض الألوان.

2) الضمير الجائع
ضمير الأنا في هذه القصائد في وضعيّة محيّرة. هل هو ممتلئ بذات سهير شبشوب أم أنّ "الأنا" شكل فارغ على قول بنفنيست ويمكن لكلّ قارئ أن يملأ فيه ذاته؟ تقول "لماذا صار الحبر ماء؟؟ لم الكلمات.. ملأى بالخواء؟" فالأنا لم يتشكّل بعد في الكلمات، فالأنا جائع لأنّه جسد يفكّر باعتبار الجوع عند ديكارت فكرة مختلطة عن أنفسنا، وقد ارتقى الجوع إلى رتبة الكوجيطو "أنا جائع إذن أنا موجود". هذا الأنا الجائع إن كان فارغا فهو يطلب الامتلاء، وإن كان ممتلئا فهو يطلب الاستفراغ حتّى يجوع، فبات الأنا عند سهيرة شبشوب فضاء فكريّا جائعا إلى الذكريات والحكايا والأغاني والأمنيات، باحثا في صندوق العمر عن معنى الحياة والموت: "وحين مررت بصندوق عمْري، ورحت أفتّش.. بين الزوايا، عن العمر.. وجدت.. بقايا مرايا، وبعض خكايا، وحلما تحلّل مثل رُفات "
3) العزلة والوحدة
كتابة الجوع لا تكتب إلّا في عزلة فنّية مؤلمة وبعد ألم شديد وصمت طويل، يكتبها جسد في حالة خراب وجد في الكتابة كفنا أدبيّا، جسد منقطع عن العالم، لأنّه يشمئزّ من العالم، وحيد أمام فراغ صفحته يكتب معاناته: " سأظلّ وحدي.. بالأماني مثقلة.. في شمالي.. رايتي ممشوقة.. وفي يميني.. يُرقص قلمي القوافي الحالمة"،
هي عزلة الخلق، لكنّها عزلة خانقة تهدّد بخطر الاختفاء والغياب. وهذا الغياب يأخذ الأنا إلى داخل نفسه ليجد نفسه وحيدا في نفسه: "فألوذ بالصمت المريع، بداخلي.. أبغي الغياب... على شواطئ غربتي"
فهو دائم الشعور بالغربة والوحدة والحزن، لكنّه محبّ للمواجهة، يغامر من أجل القضيّه "لست سوى مواطن.. استوطن حبّ البلاد قلبه.. يطرق الأبواب.. يسائل الحكومه.. يسائل الجميع عن تفاصيل القضيه" مسكون بجراح الآخر اللّاجئ وأوجاعه، ومعاناته من ألم التهميش والقتل والغدر وثقل الظهر: "لمْلم جراحك، أيّها المسكون.. بالوجع القديم، واسرد على الأجيال.. قصّة الأرض التي ودّعتها، ذات اجتياح.. وظللت تحمل فوق ظهرك وزر الغائبين." .
فلا حصن ضدّ النسيان العابر والوجع القديم إلّا بالأدب والكتابة والشعر لأنّها شهادة ضدّ الصمت، كتابة عن الألم بالألم: "ما عاد يجدي الصمت.. يا أبناءها.." لكنّ قدر شاعر الجوع أن يعزل نفسه حدادا على البؤساء والمضطهدين والموتى والشهداء ليؤلّف نصّا\قبرا أدبيّا يختفي فيه: "يا حسرة القلب الوجيع، هذا فقير هدّه الجوع.. ولذعات الصّقيع، وهنا شهيد قد توارى حزنه، وهنا حريق، وهنا حقّ يضيع.." . إنّها جماليّة الانهيار الذي يلوّث كلّ شيء. وترتبط هذه العزلة الفنّيّة بالألم والحزن والأسى، لأنّ كاتب الجوع قارئ جيّد لحياته اليومية ولقدره التاريخي، ويعيش تجربة يومية للألم وللموت ورغبة ملحّة في الاختفاء، بل كتابة الجوع تحوّل الوجود إلى مائدة مأساويّة يحكمها الجوع باعتباره القانون الأصلي لكلّ الكون: فالموت جائع للّحم والعظم، والقبر فم الأرض جائع مفتوح ينتظر وجباته اليوميّة من الجثث. في هذه العزلة يقرأ كاتب الجوع بجسده ويكتب بدمه نصّا أدبيّا أو جسدا حيّا.
4) كتابة الدم
وهذا الجوع الذي انطلقت منه سهيرة شبشوب في إنشاء قصائدها حمى هذا النصّ-الجسد، الكائن الحيّ، من الموت. كيف ذلك؟
تقول: "لماذا صار الحبر ماء؟؟ وفي هذا القول تورية يتوارى فيها لفظ الدم في لفظ الحبر والمقصود المتواري هو لماذا صار الدم ماء؟؟ وفي الحقيقة سهيرة شبشوب لم تعد تكتب بالحبر بل بالدم، نسجا على ما قاله نيتشه في هكذا تكلّم زرادشت: "اكتب بالدم وستكتشف أنّ الدم عقل" إذن يوجد ميثاق دمويّ بين الكاتب والنص، يصوّر الشعر جائعا ومصّاص دماء، فتقول "وفي دمي المهدور تنمو.. ألف قافية جديدة" إنّه فنّ الكتابة بالدم، والشعر في أغاني المساء تغذّى دون تردّد على دماء صاحبته التي كرّست حياتها له، تهبه نفسها وجسدها حتّى يُعييها ويرديها، تقول: " ويلفح ناظري.. وهجُ البياض، على ورقي.. وقد.. رحل المساء، فأعبث بالدّواة.. لعلّ حرفا.. يناوشني.. وأغرق في صيد الحروف النّاشزات، فيُرديني.. ويغلبني العياء"
هذه القصائد رسمت كلماتها بحروف من دم من أقدم قصيدة (زعيم تحت المطر فيفري 2011) إلى أحدثها (لا سمع لي 9 أفريل 2019)، وهو تاريخ عيد الشهداء، وهذه القصيدة هي آخر القصائد المكتوبة في هذه المجموعة من حيث الزمن، وكأنّ بالشاعرة وهي تذيّل قصائدها بالتواريخ تؤرّخ لقصّتها مع القوافي طيلة ثماني سنوات، كان فيها الشعر يهدر دمها ويمتصّه حتّى الموت. إنّها "شهيدة الشعر"، وقد تحدّث روبارت مارث عن هذه النقطة في كتابه " وحيد، مثل فرانز كافكا" فرأى أنّ الكاتب يعيش حيّا-ميّتا، حين يضحّي بحياته وبجميع اهتماماته في عبادة مستمرّة لإله الأدب. ضحّت شبشوب بالحياة لتحيا في النص، وفي هذه الحياة النصّيّة أصبحت "امرأة في حجم العالم، قد صار العالم أرحب.. حين انصهر.. مداه فيك.." وهو خيار موكول إلى الجسد، ففي عزلته يتردّد بين جوعين: إمّا الجوع إلى الكتابة فالحياة وإمّا الجوع إلى الحياة فالموت. فشاعرتنا فنّانة جائعة، منقطعة عن العالم، تفرّ من ضوضاء المتخمين إلى العزلة بحثا عن الخلود، تقول:" وبِوحي رؤاكِ.. تحوّل كلّ ضجيج العالم، لحنا غجريّا.. سحريّا، نغما كونيّا يتعاظم"
والشاعرة لا تملك أيّ مخرج سوى أن تفيض على الورق، وتصبح لحما ورقيّا، جسدا نصّياّ. نقول: "أظلّ أراقب.. الورق المسجّى، يناديني بياضه.. "اكتبيني.. وصبّي فيّ وهجك.. واملئيني.." فالورق جائع يطلب الامتلاء، بالكتابة، بالحياة، يدعو الجسد المعذّب إلى تسجيل رغباته على الورق وأن يمرّرها عبر نظام النص ليتماهى النص مع الجسد نفسه.
جسد الشاعرة متألّم بطبعه ينزّ وجعا ووحدة وجوعا للشعر، لذلك يفرّ إلى عزلته ليأكل الكتب والحكايات ويكتب بدمه نصّا أدبيّا، جسدا حيّا، ولد من جسد صاحبه الميّت.
5) التهام الكتاب
ممّا لا شكّ فيه أنّ أكل الكتاب هو فعل قراءة، وبدا واضحا أنّ للشاعرة رغبة قديمة في الامتلاء جعلتها "تقرأ" أي تلتهم الكتب وتشبع بالأكل الصالح، والأكل لذّة سرعان ما تُنسى وتختفي بالعودة إلى الجوع، وهذا يعكس الحركة المتناوبة لكلّ جوع، إذ يختفي في الأكل ويظهر من جديد بعد الشبع، كالحركة الرابطة بين فعلي القراءة والكتابة، وهما وجهان لعملة واحدة."
وفعل الالتهام ينخرط ضمن إشكالية الجوع الشديد للحكايات والخيال منذ الطفولة: تقول: "وجدت بأعماق تلك الحنايا.. بقايا حكايا.." وهذا الجوع يتحوّل إلى "شهوة القراءة، وتقليب الصّفحات والتهام الحروف، تقول: "أنا لا أريد.. من دنيا الجنون.. سوى حروفي السّائلة، عشقي حروف.. وانتظاراتي حروف لا تموت.." ، والعشق جوع يريد الامتلاء بالشوق والحنين، لتمتلئ الصفحة البيضاء بالكلمات، وتتحوّل إلى نصّ صالح للأكل، امتدادا لجسد الكاتب.
وبالتحوّل من أكل الخبز إلى أكل الكتاب يحدث "التسامي" كما وضّحه جاك لاكان Jacques Lacan وهنا تكمن القيمة المطلقة للجوع. إذ يأكل الإنسان الكتاب ليشكّل واقعه النفسيّ من خلال الرمز .
ونجد سهيرة استطاعت التسامي بأكلها للكتاب تحت رعاية الشابي وقباني والسيّاب وشوقي ودرويش. ففي أكل الكتب جوع طاهر يسمو بالنفس وفي أكل "اللحم" "ملذّة غير طاهرة"
فعملية أكل الكتاب كما وضّحها لاكان تحدث كلّ يوم. ولكنّ التسامي يتمّ بالضرورة بالتخلّي عن المتعة ، وهو ما تدركه سهيرة شبشوب. فالمهمّ في جوع القراءة أن نعرف ما يمنحنا إيّاه الكتاب بعد أن يتمّ أكله تماما وهضمه، إذ يمنحنا جوعا آخر هو جوع الكتابة. فماذ أكلت سهيرة شبشوب في هذه المجموعة؟
واستئناسا بكوجيطو الجوع صاغوا كوجيطو جديدا: أنا أكون ما آكله"، فالتهام الكتاب في كتابة الجوع، يُبنى بالعودة إلى الآباء المؤسّسين. ممّا يجعل هذه المجموعة مقبرة للكتّاب الأشباح، فتكتب شبشوب الجوع بتناصّ خطير، وإذا أصبحت سهيرة كاتبة أو شاعرة، فلأنّها مرّت عبر كلمات الآخر، ويساعدها الشعر على عدم الاختفاء. فهي تكتب من هذا التراث اللغوي والأدبي، تراث الجوع، أي أن تجوع إلى كلام الآخر، تراث يتحوّل إلى وجبة حرفية تبقينا أحياء بعيدا عن خطر النّسيان.

+ منذ العنوان مع قصيدة صندوق العمر (نوفمبر 2018)، ص22، المشحونة بالأسئلة والمعاجم الطبيعيّة، إحالة على الشابي وديوانه أغاني الحياة، ولم تحرص على أن تضمر سهيرة جيّدا هذا التناصّ

+ قصيدة أزف الرّحيل (جويلية 2018)، ص27، وغزة تحت القصف (أكتوبر 2018) ص91 يطلّ علينا الشابي مع أحمد شوقي من خلال صيغ الأمر ومنزلة الشعر وحديث القوافي في شوقيّاته، "وقد سبقت ركائبيَ القوافي مقلَّدة أزمّتها طرابا"
+ قصيدة الرّماد (جوان 2014)، ص 32، وقصيدة موت الياسمين (أكتوبر 2018) ص 53، يطالعنا نزار قباني بقافيته الحزينة في طوق الياسمين، "لون كأيّامي حزين.."
أو قصيدة يا سيّدي المسؤول (ماي 2014) ص76، وزعيم تحت المطر (فيفري 2011) وقصيدة سوط الهوان (نوفمبر 2018) ص88 ، تحضرنا روح نزار في أشهر أشعاره السياسيّة وهو يتحدّث عن الزعيم والقضية في قصيدة هوامش على دفتر النكسة حين يقول: "خلاصةُ القضيّهْ، توجزُ في عبارهْ، لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ والروحُ جاهليّهْ... خمسةُ آلافِ سنه ونحنُ في السردابْ، ذقوننا طويلةٌ نقودنا مجهولةٌ عيوننا مرافئُ الذبابْ يا أصدقائي: جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ"
+ رسالة إلى لاجئ (30 مارس 2018) ص100، شبح درويش يراودنا في قصيدته الأرض: "هذا التراب ترابي وهذا السحاب سحابي، لا يسأل الذاهبون إلى العمر عن عمرهم، يسألون عن الأرض: هل نهضت؟"
+ قصيدة رجع الصّدى (جانفي 2019) ص 40، وترانيم نبض (ديسمبر 2018) ص59، وقصيدة هدير الصمت (فيفري 2018) ص62، ومن قرأ السيّاب لا يمكن أن يغفل عن هذا التناص في هذه القصيدة مع قصيدته أنشودة المطر، أ ليس هو القائل: "فيُرجع الصّدى.. كأنّه النّشيج، يا خليج، يا واهب المحار والرّدى"
أو في قصيدته غريب على الخليج: " صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق، كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدّمع إلى العيون"
فالكاتب لا يكتب إلا انطلاقا من القراءات السابقة، فكلّ نص يحتفظ، قليلا أو كثيرا، بأثر القراءات السابقة.
ونظرية التناصّ جعلت النص المكتوب منفتحا، تستحيل القراءة فيه رصدا لثقافة المؤلّف، وتتبّعا للنّصوص السّابقة التي استقرّت في لاوعيه، يستحضرها لحظة الكتابة، لأنّ الأدب على نحو ما قاله الجاحظ، عقل غيرك تضيفه إلى عقلك. ومهما ادّعى الكاتب أنّه يكتب متحرّرا من التأثيرات النصّية أو الثقافية واللّغويّة، فإنّه لا يستطيع أن ينكر الذاكرة النصّية المشتركة، التي يمكن أن يرصد القارئ آثارها في النص المكتوب.
فأن تكون جائعا للكتب، وتأكل الكلمات، لملء هذا الفم الفارغ، هو دافع قويّ يجبر الكاتبة على كتابة جوعها، بحثا عن الذات وأصولها وهويّتها الخاصّة.
فكتابة الجوع تملي على المبدع أن يجوع جوعا يؤدّي به إلى التهام النص. وهو حال شبشوب التي جاعت جوعا ناطقا أنذرها لكتابة هذه القصائد.
وكتابة التناص تذكّرنا بستراشي، تلميذ فرويد، الذي يجعل من القراءة فعلا معادلا لأكل البراز coprophagie . فالقارئ يتغذّى على روثه وروث الآخرين، أي ما يفرزه جسده وجسد الآخر من أفكار، فيلتهم برازه وبراز الآخرين. وأكل الكتاب المعادل لأكل البراز، يعني الانخراط في ميراث الجوع، بمعنى أن تتضوّر جوعا لكلام الآخر، وللحقيقة وأصل الأشياء والأحياء.
تقول فرانسواز كاراسّو: "إنّ قراءة القصيدة تصبح فعلا إنسانيّا حاسما، وتأكيدا للقيم ويبدو أنّ الشعر والأدب، الأكل الصّالح، هو الحصن الوحيد ضدّ انحطاط الإنسان وسقوطه، الوحيد القادر على استعادة هذا الجزء من الإنسانيّة المدفون في الشاعر وإذا توقّف الجوع عن الحركة، وكفّ عن الطلب، تكون السكتة الجسديّة التّامة، ويصبح كلّ شيء معطّلا، يتعطّب دفعة واحدة.
فعلى كاتب الجوع أن يلتهم هذا التراث الأبويّ ثمّ يتقيّأه، ليلد والده. ولعلّ هذا موطن الاختلاف بين فنّان الجوع وأدباء الحداثة في التعامل مع التراث. فهذا الأب الرّمزيّ الذي خلق فيه جوعا لا يشبع، يجب التهامه، ثمّ تقيّؤه، لإعادة اختراعه، يعني على فنّان الجوع أن يكون من أكلة لحوم البشر، ومن أكلة البراز والقيء، وفق المنطق الفرويدي. و" التحليل النفسي يعلّمنا أنّ الطفل هو والد الإنسان" كما يقول جاك لاكان ، فالتهام الكتاب هو التهام الأب، وهو مسألة بقاء، بما أنّ كاتب الجوع بالتهامه للكتاب وللتراث، هو من أكلة لحوم البشر، ومن أكلة البراز، ورث الأكل الصّالح ويورّث الأجيال القادمة برازه.


1) يقول أفلاطون " لا توجد رغبة خاصّة بالجسم. فمن يجوع إذن؟ ومن الذي يعي سدّ النقص؟ لا يمكن أن يكون الجسم لأنّ "الجسم يفترض أن يكون خاليا " غير سادّ للنقص، بل الروح هي التي تدرك سدّ النقص بمساعدة الذاكرة. والذاكرة هي "القوّة التي تجذبنا نحو أهداف الرغبة".
2) أغاني المساء، ص ص 71،72
3) أغاني المساء، ص19
4) نفسه، ص79
5) نفسه ص،97
6) نفسه، ص61
7) نفسه، ص64
8) فريديريش نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت كتاب للجميع ولغير أحد، ص85
9) أغاني المساء، ص74
10) أغاني المساء، ص107
11) نفسه، ص106
12) أغاني المساء، ص73
13) منذر عياشي، الكتابة الثانية وفاتحة المتعة، 198، ص6: وقال منذر عياشي في فاتحة كتابه: " ثمة فعّاليتان للمتعة، تنطلق منهما كلّ عمليّة إبداعيّة: الأولى، وهي فعّالية القراءة. الثانية، وهي فعّالية الكتابة. ولقد نعلم أنّ هاتين الفعّاليتين، وجهان لفعل واحد
14) أغاني المساء، ص29
15) ذكر جيرار حدّاد Gérard Haddad أنّ جاك لاكان ختم ندوته حول أخلاقيات التحليل النفسي، بتأمّل طويل حول أكل القديس يوحنا للكتاب. وردّا على فرويد حاول لاكان توضيح مسألة أخرى أخطأ فيها فرويد وهي "التسامي" حيث يكتفي الجوع المحرّك بتغيير هدفه دون قمع. وتساءل لاكان ما هو أفضل مثال نأخذه من الشفويّة التي تبدو قريبة جدّا من الاحتياجات البيولوجية؟ ففكرة دمج الكتاب واضحة جدّا عند لاكان معتبرا أنّ الإنسان يأكل الكلمات، فيقول: "يوجد ما يؤكل. ماذا؟ الكتاب الذي يصبح في هذه الصورة القويّة دمجا للدّالّ نفسه"،
16) Gérard Haddad, Manger le livre, Éditions Grasset & Fasquelle, 1984,
17) أفلاطون، المحاورات الكاملة، مرجع مذكور، ص 272.
18) Gérard Haddad, Manger le livre, op.cit. p126.
19) هو مصطلح يستخدم للإشارة إلى ممارسة شائعة وعادية في عديد الحيوانات بما في ذلك الحشرات: استهلاك برازها أو براز الحيوانات الأخرى بشكل منتظم، وأوضح فريق من Mayo Clinic (الولايات المتحدة الأمريكية)، في مجلّة علم الأعصاب، أنّه يمكن ربطها إلى حدّ كبير بضمور مناطق معينة من الدماغ.
20) Gérard Haddad, Manger le livre, op.cit. p.115.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...